Yahoo!

إبراهيم عوض في حوار قديم مع ديوان العرب (الخواجة حين يفلس يبحث فى دفاتره القديمة)

كتبها ibrahim awad ، في 2 يناير 2012 الساعة: 17:46 م

دكتور إبراهيم عوض في حوار مع ديوان العرب:
معارك الأفكار أخطر من المعارك الحربية
طه حسين سرق من مرجليوت آراءه في الشعر الجاهلي
١٦ تشرين الثاني (نوفمبر) ٢٠٠٧، أجرى الحوار: عادل سالم
بروفيسور في اللغة العربية وآدابها في جامعة عين شمس في القاهرة، يعشق اللغة العربية ويدافع عنها بإيمان عاشق لها، أمام الذين يحاولون الانتقاص منها، ليس لأنها تخصصه الجامعي بل لأنه يعتبرها لغة حضارة، ولغة أمة، له العديد من الدراسات والأبحاث في شتى ميادين اللغة والثقافة، حياته الأدبية حافلة بالعطاء والتفاني، خصوصا لطلابه الذين يشعر أن معظمهم لا يحسنون الكتابة في اللغة العربية رغم تخصصهم بها. يصف العصر الحالي للعرب والمسلمين بعصر البلاهة الحضارية، ويصر أنها تسمية ابتكرها وعلى من يستخدمها أن يشير إلى مرجعها الأصلي، كاتب دائم في ديوان العرب، بل يعد أحد أعمدتها البارزين، وقد أجرينا معه هذا الحوار ليستفيد القراء من تجاربه الأدبية، والثقافية.

  
   في إحدى مقالاتك ذكرت أن الأخطاء اللغوية الشائعة بين الناس وخصوصا الكتاب أنفسهم وأهل العلم والثقافة مرده اللامبالاة التي تهيمن على المواطن العربي في كل شيء، كيف يمكن حسب وجهة نظرك تصحيح ذلك؟ هل نكتفي بلوم المسؤولين والبكاء على الأطلال؟
   العرب والمسلمون بوجه عام فى هذا الطور الحالى من تاريخهم يعانون فى أغلبيتهم مما يمكن تسميته بــ"البلاهة الحضارية"، وأرجو أن تقول للناس إن هذا المصطلح هو من ابتكاراتي حتى لا يلطشه آخر ويعزوه لنفسه. ومعناها أنهم لا يدركون أن الدنيا مؤسسة على قوانين تتكون من مقدمات ونتائج، وأنهم لا يتذوقون طعم الحياة وليس عندهم فى ذات الوقت أية رغبة فى اكتساب هذا التذوق.
والمقصود الحياة بمعناها الشامل لا بمعنى الأكل والشرب والجماع وحسب. ومن هنا فإنهم لا يفهمون معنى الكرامة القومية مثلا، وإلا لما رَضُوا بأن يظلوا فى مستنقع التخلف الشامل الذى هم فيه حيث العالم يجرى بل يطير ويحلق فى الفضاء الأعلى بأقصى ما يمكن تصوره من سرعةٍ وهِمّة، على حين أنهم "محلك سر"، لا بل إنهم ليتقهقرون ويتلذذون بهذا التقهقر. كما أنهم لا يقدّرون مطامح العقل والروح، وإلا لما كانت نسبة الأمية لديهم فى القرن الحادى والعشرين هى ما عليه الآن، ولما كان الكتاب والقراءة مكروهين منهم كراهية العمى والجرب والبرص والإيدز وفيروس الكبد الوبائى وإنفلوانزا الطيور والوحوش والجحوش جميعا، مع معرفتنا أنه لا حضارة ولا تقدم ولا إنتاج ولا قوة ولا هيبة ولا كرامة ولا إنسانية، بل لا إسلام حقيقى ولا جنة فى الآخرة أو فى الدنيا إلا بالعلم. ولكن على من تغنّى مزاميرك يا داود؟ هؤلاء ممن قال الله فيهم: "لهم قلوب لا يعقلون بها، ولهم أعين لا يبصرون بها، ولهم آذان لا يسمعون بها". وأرجو ألا يغضب منى القراء، وإلا فليقولوا لى: بم نصف وضع العرب والمسلمين الآن؟ إن الجامعات العربية، ودعك من المدارس ودور الحضانة، لا تزيد فى كثير من الأحيان عن أن تكون مراكز لمحو الأمية، ومراكز فاشلة للأسف، والعملية التعليمية هَلْسٌ فى هَلْسٍ فى هَلْس، وتضييعُ وقت، ودائما ما أقول: إن من رحمة الله علينا نحن المعلمين أن المسؤولين فى البلاد العربية لا يبالون بهذا الوضع المزرى، وإلا لأغلقوا الجامعات وسرَّحونا نشحذ فى الطرقات وعلى أبواب المساجد كى نأكل ونشرب ونعيش، إذ نحن لا نحسن شيئا غير التعليم والكتابة، وهما مهنتان غير مرغوب فيهما فى بلاد العرب والمسلمين. وليست الحكومات، على ما فيها من فساد وعفن وجهل وغباء ومَوَتَان ضمير وتخبط لا يمكن نكرانه أو التقليل من خطره، هى وحدها المسؤولة، بل الشعب مسؤول معها، بل قبلها، لأن الشعب هو الذى يشقى بهذه الأوضاع، أما أصحاب السلطان فإنهم يأخذون مخصصاتهم المالية العالية ويتنعمون بامتيازاتهم الضخمة الفخمة ولا يصيبهم أى ضرر من جراء هذا التخلف الضارب بجذوره الشيطانية فى كل مناحى الحياة. فإذا كان المتضرر الحقيقى، المتضرر الأول والأخير، من هذه الأوضاع، وهو الشعب، لا يبالى بشىء، فكيف نلوم الحكومات؟ إن لم تشتعل الشعوب بالحياة والحركة والتطلع إلى الأعالى والتألم مما هى فيه من رزايا وبلايا، وإن لم يأكلها جسدها بدلا من هذه البلادة المتوطنة والمنتشرة فى بدنها وروحها وعقلها وشعورها ومخها وقلبها وكل خلية فى كيانها فلا أمل. نعم، إن لم تتحرك الشعوب وتجبر حكوماتها على الحركة وتجعلها تمشى على العجين فلا تلخبطه فلا أمل. وحتى الآن لم نسمع أن أمة لم تكن تريد الحياة الحرة الكريمة ولا التقدم ثم تقدمت. هذا ضد منطق الكون الذى نعرفه. مَنْ جَدَّ وَجَد، ومَنْ زَرَعَ حَصَد، ومن يزرع الشوك فلن يجنى إلا الشوك، ومَنْ طَلَبَ العُلاَ سَهِرَ الليالى. ودائما ما أتساءل فى رعب: هل انتهت الصلاحية الحضارية للشعوب التى ننتمى إليها؟ إنه لأمر محير ويبعث على الجنون، والشعوب نائمة فى العسل، لا بل فى المجارى، ولا ترى فى الأمر شيئا غريبا. ترى ماذا يُنْتَظَر من وضع كهذا؟
   في الولايات المتحدة حيث أقيم كل طالب مهما كان تخصصة يجب أن يكون بين المواد التي يدرسها مواد خاصة باللغة الانجليزية، (3 كورسات) لماذا لا تطبق جامعاتنا ذلك على طلابها؟
   من السهل أن تتخذ جامعاتنا هذه الخطوة، بل إن بعض الجامعات العربية تفعل ذلك، بيد أن هذه الخطوة لم تحلّ ولن تحلّ فى نظرى المشكلة لأن المشكلة أبعد من ذلك. إنها فى الذهنية العربية التى لا ترى فى الغالب لأى علم معنى، وبخاصة إذا كان هذا العلم هو العلم باللغة العربية. فيوم تنحلّ تلك المشكلة لن يكون هناك أى قلق من هذا الجانب. والدليل على ذلك أن طلاب أقسام اللغة العربية فى الجامعات لا يحسنون الكتابة باللغة العربية. ولو اطلعت على كتابات كثير منهم فى أجوبة الامتحان فسوف تصاب بالغثيان: فقر فى المعجم اللفظى، وركاكة وتفكك فى التعبير، وعبارات تقريبية مهوشة. وفى كثير من الأحيان تشعر أن المتكلم شخص أجنبى عن اللغة، وفوق ذلك فهو شخص غبى. أما الفكر فضحل وتافه ومتخلف ولا يليق بالإنسان، ذلك الإنسان الذى حباه الله عقلا وفهما وميزه عن الحيوان. والسبب هو أن الثقافة والقراءة والعلم لا تمثل لهم أية قيمة على الإطلاق. وليس فى هذا أدنى غرابة، فالأسرة العربية لا تضع الكتاب فى ميزانيتها، بل كل همها هو حشو بطون أولادها، أما عقولهم فليس من اختصاصها ولا من اختصاص أى أحد.
   لماذا لا يهتم الكتاب بتطوير لغتهم ويكررون نفس الاخطاء حتى بعد عشرين سنة، فكل مطلع على النصوص الإبداعية الكثيرة على الشبكة يلاحظ أن أغلبها مكتوب بلغة عربية ركيكة يكثر فيها اللحن، أين دور الكاتب في تطوير نفسه؟
   واضح أنك لم تأخذ بالك مما كتبت فى الإجابتين السابقتين. لا تضحك من هذا الرد العابث، فإنى ألجأ بين الحين والحين إلى مثل هذه الوسيلة كى أخفف من احتقان نفسى بالمرارة من أوضاعنا المعوجة، وإلا انفجرتُ، ولا أظنك ترضى لى هذا، على الأقل: ليس قبل أن أنتهى من الإجابة على أسئلتك هذه التى أتصبب الآن عرقا وأرتجف قلقا وأنا أجيب عليها وكأنى تلميذ صغير فى امتحانِ مقررٍ من المقررات لم يقرأ منه شيئا طوال العام، ويلتفت يمينا وشمالا عله يجد زميلا "كريما" يمده بالجواب المطلوب فى غفلة من المراقب. ما علينا. نعود الآن إلى سؤالك فأقول: يوم أن يتحضر العربى التحضر الحقيقى فسوف تزول كثير من تلك العيوب والآفات. ذلك أنه قد تربى فى محيط لا يأبه بعيبٍ أو حُسْن، ولا يبالى أأساء أم أصاب. نعم تربى على ثقافة "كُلّشِنْكَان"، وهى ثقافة تقوم على تنفيذ ما يُطْلَب منه تنفيذا لا روح فيه ولا اهتمام بصواب أو خطإ أو جمال أو قبح أو إحكام أو تفكك، اللهم إلا إذا رأى السوط مرفوعا فى يد آمره، أما فى غير تلك الحالة فلا.
المهم أن يوهمك بأنه عمل ما تريد، والباقى لا يهمه بأى حال. إنها ثقافة تسديد الخانات. وهذا ملاحظ فى كل المجالات تقريبا، فلا أحد يهتم بإتقان عمله إلا على سبيل الشذوذ والندرة، مع أن إتقان العمل قيمة إسلامية، ومع أننا جميعا نبدو وكأننا مسلمون متشددون من الطراز الأول والأخير معا. لكن السؤال رغم ذلك هو: متى يتم ذلك؟ هذا هو السؤال الذى حارت البرية كلها دون أن تتوصل إلى جواب شاف كاف عليه. هناك بعض لحظات فى حياة الأمم تدب فيها روح التطلع والتوثب والتقدم، ولا أحد يعرف متى تأتى تلك اللحظات. والأمة العربية قد حباها الله بكثير من العوامل التى من شأنها أن تحرك الجبال وتبث الحياة فى الأصنام ذاتها. وكم كتب المصلحون وبُحَّتْ أصواتهم ودخلوا السجون وعُلِّقوا على أعواد المشانق، والأمة ولا كأنها هنا، بل تراها ماضية فى لهوها التافه السخيف وكأن الدنيا قد دانت لها تماما، ولا شىء يعكر صفو حياتها. إذا كان عندك حل فأرجو أن تخبرنى به، فقد عيل صبرى مثلا مع طلابى وطالباتى مع أنى لا أترك وسيلة لحثهم وتشجيعهم وتقريعهم ونخسهم والتهكم عليهم والتنكيت والتبكيت معهم وعليهم ومنهم وإليهم وفيهم… إلى آخر الظروف وحروف الجر كلها إلا اتبعتها، بما فيها إهداؤهم كتبى وبعض ما يمن الله به علىّ من مال، ولكن النتيجة النهائية صفر تقريبا. فما بالك بالأمة كلها إذن؟
وإذا كان أولئك الكتاب الذين تتكلم عنهم هم الذين يحصدون فى الغالب الجوائز ويُحْتَفَى بهم وتُنْشَر كتاباتهم فى المجلات والصحف الحكومية وتُدْفَع لهم الأجور السخية، وأينما وجهت بصرك وجدت أسماءهم، وأسماءهم وحدهم وكأن ربى وربك لم يخلق سواهم، فكيف تتوقع من أمثالهم أن يفكروا فى تجويد لغتهم وفنهم وأدبهم؟
إنهم أعقل من أن يضيعوا وقتهم الثمين (أو فلنقل: السمين كأمخاخهم السمينة) فى ذلك. أنت مثلى رجل طيب، ولذلك تفكر بالطريقة التى تفكر بها الآن، أما هم فأذكى منى ومنك (آسف: بل أذكى منى أنا وحدى)، ومن ثم لا يفكرون بها، بل لا يفكرون مطلقا. ثم لا تنس أن الشبكة العنكبوتية (أو كما أقول أنا: المشباك) لا ترد عنها لامسا، إذ كل من هب ودب يستطيع أن ينشر ما يكتب فى كثير من المواقع المشباكية، وحتى إذا لم يجد من ينشر له، وهذا مستحيل أو يكاد أن يكون مستحيلا، فما أسهل أن يتخذ لنفسه موقعا كما تعرف، و"ببلاش" إذا أراد. ولا شك أنك قد لاحظت أن كثيرا من المعلقين الذين لا يعجبهم العجب لا يستطيع الواحد منهم أن يكتب كلمة واحدة سليمة لا إملائيا ولا لغويا ولا فكريا، ومع هذا كله يظن أن بمستطاعه تخطئة "أَعَبْقَر" عبقرى فى الوجود. وسامحنى على استخدام "أفعل التفضيل" من "عبقرى" على النحو الذى استخدمته به. من نفسى أنا أيضا يا سيدى ولو مرة!
   مجمع اللغة العربية في مصر هل يقوم بدوره أم أنه أصبح عاجزا عن مواكبة التطورات العلمية والثقافية؟
   لا أستطيع أن أحكم حكما دقيقا على وضع المجمع، إلا أنه ينبغى التنبه إلى أن المجمع فى أحسن الأحوال يحاول ترجمة المصطلحات والتسميات الجديدة التى تتعلق بمخترعات ونظريات لم نبتدعها نحن، بل استوردناها استيردا. وليس من المعقول أن نطالبه بمواكبة كل هذا وكأنه هو الذى اخترعه وأبدعه. ولكن حين تتحول الأمة العربية إلى أمة من البشر، البشر الحقيقيين لا البشر الذين بالى بالك من فئة العشرة بمليم، البشر الذين يبدعون يخترعون ويضعون التسميات لمنتوجاتهم وإبداعاتهم فى التو واللحظة، فسوف يتغير الوضع. أما قبل ذلك فلا. وللمجمع إصدرات متعددة: مجلة وكتب محققة ومؤلفات ومترجمات ومعاجم، وبحوث لغوية دقيقة. ولكن من يقرأ؟ ومن يسمع؟ إنها فى معظم الأحيان بضاعة لا تجد من يشتريها لأنه لا أحد يعرف قيمتها بسبب التخلف والبلاهة العلمية والتبلد الحضارى الذى تكلمنا فيه.
   هل يناقش الدكتور إبراهيم أهل بيته بما يكتب؟
  ابنى الذى يشتغل معيدا الآن كان يراجع لى تجارب الطبع إلى وقت قريب قبل أن يتركنا ويتزوج ويصبح رب أسرة. وقد قرأ بهذه الطريقة كثيرا من كتبى الأخيرة التى ألفتها بعد أن دخل الجامعة. وأحيانا ما كان يعترض على بعض الاستعمالات اللغوية فى مؤلفاتى ظنا منه أنها لا تصح أو أن هناك استعمالات أخرى أفضل منها. وكان هو وأخته الكبرى فى طفولتهما قد قرءا ثلاث قصص مغامرات كتبتها اعتمادا على بعض كتب الحديث والتفسير والتاريخ الإسلامى، ولما وجدت أنها قد شدتهما وشدت كذلك بنت الناشر السورى فى الطائف فى أوائل تسعينات القرن الماضى عرفت أنها سوف تنجح فى اجتذاب الصبيان والبنات الذين ألفتها لهم، ونشرناها على هذا الأساس. وقبل ذلك كانا قد قرءا القصص العالمية المختصرة المترجمة من الإنجليزية التى كلفتنى دار لونجمان للنشر فى ثمانينات القرن المنصرم بمراجعة ترجمتها فأُعْجِبا بها، ومنها على سبل المثال: "الكونت مونت كريستو" و"الناب الأبيض". وكانت زوجتى، أيام أن كنت أكتب بالقلم على الورق لا بالضرب على مفاتيح الكاتوب، هى التى تبيّض لى ما أسوّده من صفحات، وكان لها أحيانا رأى فيما يظهر من حدة فى بعض ما أكتب، وكثيرا ما نزلتُ على رأيها أو اقتربت منه. وكثيرا أيضا ما أبدت رأيها فيما أكتب، وككل زوجة فإنها تتخذ جانب زوجها، وتستغرب بشِدّة وحِدّة كيف أننى لم أنل الشهرة التى تظن أننى أستحقها، فيكون جوابى أننى دعوت الله أن يصرف عنى التطلع نحو الشهرة حتى لا يضيق صدرى من تأخرها أو انصرافها كلية عنى، فتسكت عندئذ غير مقتنعة، وأضحك أنا. ترى هل عندك حل آخر؟ إذن فعلىّ به. أما صغيرتنا سلوى، وهى فى الثانية الإعدادية، فرسّامة موهوبة، ولديها بذرة أديبة. ولكن لأن سنها لا تزال صغيرة فلا تقرأ لى شيئا بعد، اللهم إلا مرة واحدة قرأت فيها مقالا لى على المشباك، ويبدو أنه سَرَّها.
وفى بعض الأحيان أجدنى فى مؤلفاتى أذكر شيئا من المناقشات التى تدور بينى وبين أهل بيتى كما فى المثالين التاليين: وأولهما من كتابى: "لتحيا اللغة العربية يعيش سيبويه" الذى كتبته منذ نحو ست سنوات، والثانى من آخر ما صدر لى من كتب (فى الأسبوع الماضى فقط)، وعنوانه: "مسير التفسير- الضوابط والمناهج والاتجاهات". وهذا هو المثال الأول: "وليس الفرق بين اللغة الفصحى واللهجة العامية كالفرق بين لغتين مختلفتين كما يزعم خطأً، وإلا فكيف يفهم العامي المغرقُ في الأميةِ والجهلِ كلامَ الخطيب يوم الجمعة والآيات القرآنية والأحاديث النبوية وأقوال الصحابة وأبيات الشعر التي تتضمنها الخطبة عادة؟ وقل مثل ذلك في نشرات الأخبار والتحليلات السياسية والكلمات التي تلقى في الندوات العامة. كذلك كيف يفسر الكاتب مقدرة ابنتي الصغيرة التي لا تزال في المرحلة الابتدائية على فهم القصص والمجلات والكتب التي أشتريها لها لتقرأها وتستمتع بها، حتى إنها لتفاجئني بترديد بعض عباراتها الفصحى كما فعلت الليلةَ مثلا حين كنت أهدهدها وهي بجواري تقرأ في إحدى مجلات "ميكي"، إذ انطلق لسانها قائلةً: "لماذا تُرَبِّتُ على كتفي يا أبى ؟": هكذا بالنص كما شكَّلتُ الجملة، مما جعلني أهتف بصوت مسموع وأنا أقهقه: "تعال يا أستاذ شوباشى، اسمع!"، وهو ما دفعها إلى السؤال باستغراب: "من الأستاذ الشوباشي هذا يا بابا؟"، فضحكتْ زوجتي، التي تعرف الأمر وتتابعه معي أَوَّلاً بأَوَّل… والطريف أن هذه الصغيرة نفسها كثيرا ما تسألني عن بعض الكلمات والعبارات العامية التي لا تدرك معناها فيما أحب الاستماع إليه من أغانٍ مثل أغنية "غُلُبْت أصالح في روحي" لكوكب الشرق، التي لم تفهم منها عبارة "صعبان علىّ اللى قاسيته، في الحب من طول الهجران"؟". ثم هذا هو المثال الثانى، وهو فى الكلام عن بعض المفسرين الشيعيين: "ويستمر الفيض الكاشانى على سنته الشريرة فى الطعن على الخلفاء الثلاثة الكرام بكل سبيل. ومن ذلك تفسيره لقوله تعالى فى الآية رقم 40 من سورة "التوبة" عن الغار الذى لجأ إليه النبى والصِّدّيق أثناء هجرتهما إلى المدينة: "إِلاَّ تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ"، إذ جاء فى هذا التفسير: إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ، وهو أبو بكر: لاَ تَحْزَنْ، لا تخف، إِنَّ ٱللَّهَ مَعَنَا بالعصمة والمعونة. فى الكافى عن الباقر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أقبل يقول لأبى بكر فى الغار: "اسكن، فإن الله معنا"، وقد أخذته الرعدة وهو لا يسكن. فلما رأى رسول الله حاله قال له: تريد أن أريك أصحابى من الأنصار فى مجالسهم يتحدثون؟ وأريك جعفر وأصحابه فى البحر يغوصون؟ قال: نعم. فمسح رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده على وجهه فنظر إلى الأنصار يتحدثون، وإلى جعفر وأصحابه فى البحر يغوصون، فأضمر تلك الساعة أنه ساحر، فَأَنزَلَ ٱللَّهُ سَكِينَتَهُ أَمَنَتَه التى تسكن إليها القلوب عَلَيْهِ. فى الكافى عن الرضا أنه قرأها: "على رسوله". قيل له: هكذا؟ قال: هكذا نقرؤها، وهكذا تنزيلها. والعياشى عنه: إنهم يحتجون علينا بقوله تعالى: ثَانِيَ ٱثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي ٱلْغَارِ، وما لهم فى ذلك من حُجَّة، فوالله لقد قال الله: "فأنزل الله سكينته على رسوله" وما ذكره فيها بخير. قيل: هكذا تقرأونها؟ قال: هكذا قراءتها". وغريبٌ جِدُّ غريبٍ أن يتم تفسير آيات الله بهذه الطريقة المفسدة للنص القرآنى قبل أن تكون مفسدة للذوق والمروءة والدين والحق والصدق والتاريخ، إذ كيف يُتَّهَم بهذه الطريقة البشعة الكريهة أبو بكر، رضى الله عنه، الذى لُقِّب بــ"الصديق" لتصديقه النبى فى كل ما أتى به وتصديه للكفار فى مواقف حاسمة خطيرة متعددة كذّبوه صلى الله عليه وسلم فيها، وبخاصة غداة حادثة الإسراء والمعراج التى زلزلت إيمان بعض المسلمين أنفسهم على ما هو معروف، فيقال عنه إنه كان يعتقد أن رسول

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

عمرو بن العاص ونابليون بونابرت: مقارنة موضوعية

كتبها ibrahim awad ، في 31 ديسمبر 2011 الساعة: 20:22 م

 

عمرو بن العاص ونابليون بونابرت:
مقارنة موضوعية
د. إبراهيم عوض
فى كتابه عن "تاريخ العرب" يقارن فيليب حِتِّى بين بعض القادة المسلمين فى ذلك العصر، عصر الفتوح الإسلامية، وأمثالهم من القادة السياسيين والعسكريين الغربيين كالإسكندر ونابليون، مقارنة كانت فى مصلحة الأولين. وكنت قد قرأت لجرجى زيدان فى كتابه: "تاريخ التمدن الإسلامى" أن صدر الإسلام قد اختص برجال توفرت فيهم خصال العصر، وأن ذلك العصر قد امتاز بنبوغ الرجال العظام كما امتاز عصر نابليون الكبير بقواد لم تلد فرنسا مثلهم، وأنه إذا كان قواد نابليون قد نبغوا إثر الثورة الفرنسية فقد نبغ قواد الصدر الأول للإسلام إثر واقعة الفيل، التى أراد الأحباش بها السطو على الكعبة، وحركت ساكن العرب فأظهرت من قواهم بالضغط والاحتكاك، فكأن الله قدر للعرب النصر فاختصهم بقواد من نخبة قواد العالم فى الحرب والدهاء والسياسة والحكمة كأبى بكر وعمر وعلى وخالد بن الوليد وأبى عبيدة بن الجراح وسعد بن أبى وقاص وحمزة بن عبد المطلب ويزيد بن أبى سفيان وعمرو بن العاص ومعاوية والمغيرة بن شعبة… إلخ. كما يقول إن هؤلاء الرجال لو ظهروا فى العصر الحديث لكانوا من عظماء الناس الذين يتمثل العالم المتمدن بعظمتهم كما يتمثل الإفرنج ببونابرت وكرومويل وبسمارك وجلادستون وغيرهم[1].      
وفى رأيى أن اولئك الرجال هم أفضل من نظرائهم الغربيين كثيرا رغم ما قد يبدو لبعض الناس من غرابة فى هذا الحكم، إذ الناس متأثرون فى استغرابهم هذا بتفوق الغرب فى السياسة والاقتصاد والإدارة وأمور الحرب فى هذا العصر تفوقا شديدا، ولا يصمد للمقارنة برجاله عموما إلا القليلون جدا من رجال الأمم الأخرى المعاصرة بحيث يظن الناس أن الغربيين كانوا هكذا طوال تاريخهم، وأنهم سيظلون هكذا إلى يوم الدين، وأن عمرو بن العاص وخالد بن الوليد وأبا بكر وعلى بن أبى طالب لا يستطيعون أن يطاولوا الرموز الغربية فى السياسة والإدارة وما إلى هذا مثلما لا يستطيع ابن حيان أو ابن الهيثم أو ابن سينا أو الخوارزمى أو الرازى مثلا أن يطاول نظيره من علماء الغرب فى العصر الحديث. وهم فى هذا الوهم يتصورون أنه ما لم يكن الشخص مرتديا قبعة وبدلة فهو متخلف، وما دام أبطال العرب القدماء كانوا يلبسون عقالا، ويحملون سيفا، ويركبون الناقة، ويستعملون أيديهم فى تناول الطعام فإنهم، دون أدنى ريب، متخلفون عن أولئك الغربيين، الذين يحاربون بالدبابة والقنبلة والمدفع، ويتنقلون أثناء معاركهم بالطائرة والسيارة الجيب والغواصة، ويستخدمون فى طعامهم الملعقة والشوكة والسكين. وهى بلا ريب نظرة خاطئة، فالغربيون كانوا متخلفين إلى وقتٍ جِدِّ قريبٍ، ولم يتقدموا إلا بالاستقاء من حضارة المسلمين، التى قدمت للعالم فى حينها أعظم ثمرات الفكر والعلم والفنون، والتى استفادت بدروها كأية حضارة أخرى ناشئة من الحضارات السابقة عليها، ثم مالت إلى الشحوب، ثم انتهى أمرها إلى ما نعرفه كلنا من تخلف بسبب الخمول والبلادة والخنوع والرضا بالقليل والشعور بالهوان والإخلاد إلى الكسل والاستسلام، على العكس تماما من أسلافهم فى عصر النبى وما بعده بقرون.
ثم إن التقدم مسألة نسبية، فمكتشف النار لا يقل فى مضمار التطور الحضارى عن مكتشف قانون الجاذبية أو مكتشف الميكروب ودوائه مثلا. ومثل ذلك يصدق على الإنسان الأول فى فجر التاريخ حين ترك كوخه وسار بعيدا عن مسكنه وشاهد ما لم يره من قبل، فهو لا يقل فى أهميته الحضارية عمن اكتشف القطب الشمالى بل لا يقل أهمية عن أول من وصل إلى القمر… وهكذا. وليست العبرة بالملابس وأدوات الطعام ووسائل الاتصال وما إلى ذلك، فهذه كلها أدوات مادية تكتسب أهميتها مما يكمن خلفها من مجهود عقلى هو الذى أدى إلى صنعها. وهذا المجهود العقلى واحد فى كل الحالات رغم اختلاف ثماره، التى قد تضلل بعض الناس وتوهمهم أن كل شىء أو كل شخص معاصر هو أفضل من أى شخص أو أى شىء قديم، ناسين أن ما هو معاصر الآن سوف يصير مع الزمن قديما حتى لتصبح الدبابة والغواصة والقنبلة والطائرة أدوات متخلفة عما ستكون البشرية قد اخترعته وأصبحت تستخدمه، وأخذت تنظر عنده إلى هذه الأشياء نظرة احتقار واستصغار، وحتى ليُضْحِى الرجلُ الغربىُّ رمزُ التقدم والتفوق حاليًّا مثالَ التخلف والتلكؤ كما كان أسلافه إلى وقت غير بعيد، وذلك حين تنهض الشعوب العربية والإسلامية وتسترد عافيتها وتجتهد وتبدع وتتوثب حيويةً كما كان أجدادها يفعلون قبل أن يدور الزمن دورته ويصيروا متخلفين.
أما كيف يَفْضُل أولئك الرجالُ المسلمون الذين ذكرهم حتى وزيدان نظراءهم من الغربيين فسوف يتضح هذا من المقارنة بين فتح مصر على يد عمرو بن العاص وبين الغزو الفرنسى لمصر على يد نابليون بونابرت وكليبر ومينو. وهو مجرد مثال واحد من أمثلة كثيرة: فمثلا لم يتم الغزو الفرنسى لمصر إلا بناء على تقارير أعدها جواسيس ودبلوماسيون فرنسيون من أعلى طراز يستعينون بأحدث الوسائل فى عصرهم، على حين لم يكن شىء من ذلك متوفرا فى حالة الفتح الإسلامى لمصر، بل كان هناك فقط عمرو بن العاص، الذى اقترح على الخليفة ذلك الفتح وزينه له، فى الوقت الذى كان الخليفة مترددا، وظل كذلك حتى آخر لحظة، إذ أرسل له وهو فى الطريق رسالة تأمره بأن يرجع أدراجه إذا لم يكن قد تجاوز الحدود المصرية.
وفى حالة الغزو الفرنسى كان هناك جيش عرمرم قوامه 28 ألف جندى وضابط مهيَّئين لهذا الغزو بالتعليم والتدريب العاليين، وكان هناك أسطول مجهز تجهيزا تاما لتلك العملية، فضلا عن جيش مواز من المستشرقين العلماء فى كل ميادين المعرفة: الطبيعية منها والإنسانية، فضلا عن مطبعة وآلات علمية من كل نوع تمثل آخر ما تفتقت عنه الثقافة والصناعة الغربية فى ذلك الوقت، وهو ما لم يكن له أى وجود فى فتح مصر. وعلى رأس كل ذلك نابليون بونابرت، الذى صدع الفرنسيون وما زالوا يصدّعون بعبقريته أدمغتنا بحسبانه من الفلتات العسكرية التى نادرا ما يجود الدهر بمثلها، ومعه مساعدوه الذين لا يقلون عنه كثيرا فى الموهبة. لكن على الجانب الإسلامى لا نرى شيئا من ذلك، فلا ضباط ولا جنود بالمعنى الذى نفهمه من تينك الكلمتين، بل رجال وشبان متحمسون لم يتخرجوا كالفرنسيين من كليات أو معاهد أو أكاديميات ولم يتدربوا يوما تدريبا عسكريا، ولا يتجاوز عدهم أربعة آلاف، وإن جاءتهم أثناء المعارك التى دارت بينهم وبين جيوش الرومان بعض الأمداد. بل إن عمرو بن العاص لم يسبق له قبل ظهور الإسلام أن اشترك فى حرب. كما أن الحروب القليلة التى خاضها ضد قوات الإسلام قبل أن يعتنقه كانت أشبه ما تكون بالمعارك القبلية التى لا تُعَدّ شيئا مذكورا إزاء الحروب الحديثة لا فى تخطيطاتها ولا فى أسلحتها.
وإذا كانت الحملة الفرنسية قد خلفت لنا فى وصف مصر عشرين مجلدا ضخما مصوغة بأسلوب علمى بلغ الغاية من الدقة، مع الاستعانة بالخرائط والتصاوير والإحصاءات، ولم تترك شاردة ولا ورادة فى مصر من ناحية التاريخ أو الجغرافية أو الاقتصاد أو الاجتماع أو الدين أو اللغة إلا وفَصَّلت فيها القول تفصيلا، وكتب كلَّ موضوع من موضوعاتها مؤلفٌ متخصصٌ فيه اعتمد بدوره على ما كُتِب فى ذلك الموضوع من مصادر ومراجع، فإن كل ما وصلنا عن وصف مصر هو تلك السطور المعدودة التى تضمنتها رسالة عمرو بن العاص للخليفة ابن الخطاب، وهى سطور أقرب إلى الشعر منها إلى الوصف العلمى. ومع هذا فإن سطور عمرو ترتبط بالتوفيق الناصع الكامل الذى لاقاه المسلمون فى فتح المحروسة، بينما لم يكن وراء مجلدات "وصف مصر" إلا الفشل الذريع الشامل. وهذا إذا كانت رسالة عمرو للفاروق عمر صحيحة تاريخيا، أو على أقل تقدير: قد وصلت إلينا فى صيغتها الأصلية.
ويتكون كتاب "وَصْف مصر" من 20 مجلدًا تمت كتابتها وتجميعها إِبَّان الحملة الفرنسية على مصر، إذ اصطحب نابليون بونابرت معه فريفًا من العلماء من كافة التخصصات وصل عددهم نحو 260 عالما ليسجلوا ملاحظاتهم. وبعد عودة الفريق إلى فرنسا قام وزير الداخلية آنذاك جان أنطوان شبتال في 18 فبراير 1802م بتشكيل لجنة من العلماء والملاحظين قامت بنشر جميع المواد العلمية الخاصة بالحملة، ومنها10 مجلدات للوحات، وأطلس خرائط، و9 مجلدات للدراسات العلمية. أما وصف عمرو لمصر فها هو ذا كما أورده ابن تغرى بردى فى كتابه: "النجوم الزاهرة فى ملوك مصر والقاهرة"، وإن كنا نظن أن يد البيان والبديع قد لعبت على مر الأيام بالنص الأصلى إذا صح أنه له فعلا، إذ من المؤكد أن أسلوب عمرو أبسط من ذلك كثيرا: "قال بعض المؤرخين إنه لما استقر عمرو بن العاصي رضي الله عنه على ولاية مصر كتب إليه عمر بن الخطاب رضي الله عنه أَنْ: صِفْ لي مصر. فكتب إليه: "ورد كتاب أمير المؤمنين أطال الله بقاءه يسألني عن مصر. اعلم، يا أمير المؤمنين، أن مصر قرية غبراء، وشجرة خضراء. طولها شهر، وعرضها عشر. يكنفها جبل أغبر، ورمل أعفر. يخط وسطها نيل مبارك الغزوات، ميمون الروحات. تجري فيه الزيادة والنقصان كجري الشمس والقمر. له أوان يدر حلابه، ويكثر فيه ذبابه. تمده عيون الأرض وينابيعها، حتى إذا ما اصْلَخَمَّ عجاجه، وتعظمت أمواجه، فاض على جانبيه فلم يمكن التخلص من القرى بعضها إلى بعض إلا في صغار المراكب، وخفاف القوارب، وزوارق كأنهن في المخايل وُرْق الأصائل. فإذا تكامل في زيادته، نكص على عقبيه كأول ما بدأ في جريته، وطما في درته. فعند ذلك تخرج أهل ملة محقورة، وذمة مخفورة، يحرثون بطون الأرض ويبذرون بها الحب، يرجون بذلك النماء من الرب. لغيرهم ما سعوا من كدهم، فناله منهم بغير جدهم. فإذا أحدق الزرع وأشرق سقاه الندى، وغذاه من تحته الثرى، فبينما مصر يا أمير المؤمنين لؤلؤة بيضاء إذا هي عنبرة سوداء، فإذا هي زمردة خضراء، فإذا هي ديباجة رقشاء، فتبارك الله الخالق لما يشاء. والذي يصلح هذه البلاد وينميها ويقر قاطنيها فيها ألا يقبل قول خسيسها في رئيسها، وألا يُسْتَأْدَى خراج ثمرة إلا في أوانها، وأن يصرف ثلث ارتفاعها، في عمل جسورها وترعها. فإذا تقرر الحال مع العمال في هذه الأحوال تضاعف ارتفاع المال. والله تعالى يوفق في المبدأ والمآل".
وفى ابن تغرى بردى أنه "لما ورد الكتاب على عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: لله درك يا بن العاص! لقد وصفت لي خبرا كأني أشاهده". ويقول د. حسن إبراهيم حسن إن هذا الخطاب قد تُرْجِم إلى الفرنسية، وعلق عليه الكاتب الفرنسى أوكتاف أوزان فى صحيفة "Le Figaro" بأنه من أكبر آيات البلاغة فى كل لغات العالم، وإنه من الفرائد فى إيجازه وإعجازه. ثم زاد فاقترح تدريسه فى جميع مدارس الدنيا حتى يتعلم التلاميذ والطلاب منه قوة الوصف ومتانة التعبير وصحة الحكم على الأشياء وكيفية تنظيم الدول وسَوْسِها[2].
ومُضِيًّا مع المقارنة بين الفتح الإسلامى لمصر والحملة الفرنسية عليها نقول إن نابليون بونابرت قد التجأ فى غزوه لمصر إلى الخداع الحقير، فقد تظاهر أمام أهليها كذبا ونفاقا بأنه مثلهم مسلم، وأنه إنما جاء بجيشه لتحريرهم من المماليك. وبالمناسبة فقد كان يصحب الجيشَ الفرنسىَّ مجموعةٌ كبيرةٌ من البغايا مهتمهن الترفيه عن الضباط والجنود، أما عمرو وصحبه فلم يكونوا يعرفون مثل ذلك الدنس الخلقى والاجتماعى والإنسانى. ذلك أن عمرو بن العاص هو ابن الإسلام. لهذا لم يعرف جيشه هذا العهر الغربى. كما صارح رضى الله عنه أسلافنا منذ البداية ببضاعته العقيدية وعرّفهم أنه إنما جاءهم بدين التوحيد. إنه لا يعرف الأساليب النابليونية الكاذبة، بل الأسلوب الإسلامى المستقيم. ولقد مضى نابليون فى سُنَة الخداع وال

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

موسم الهجوم على الإسلام والمسلمين: “قسمة الغرماء” ليوسف القعيد عمل كسيح لقلم بليد

كتبها ibrahim awad ، في 26 نوفمبر 2011 الساعة: 21:37 م

    

 موسم الهجوم على الإسلام والمسلمين
"قسمة الغرماء" ليوسف القعيد عمل كسيح لقلم بليد
د. إبراهيم عوض
(ط. دار الساقى/ لندن/ 2004م)

 

 
وقعتُ فى صحيفة من الصحف على مقالة تتناول بالتعليق رواية يوسف القعيد: "قسمة الغرماء" كتبها أحد النقاد، ونصها: "يوسف القعيد كاتب مصري قدير احترف الصحافة والسياسة ورفقة العظماء. جمع بتوازن مدهش بين نضارة الوعي بالريف والالتزام بأخلاقياته، مع العلم ببواطن الأمور في المدينة والقدرة على اجتياز مسالكها الوعرة. ولعل خصوصية يوسف القعيد تكمن في استمرار ولائه الناصري لطفرة الستينات من القرن العشرين من دون تحفظات أيديولوجية كبيرة.
رواية "قسمة الغرماء" تغوص في أعماق الواقع المصري، وتوظف تقنية جديدة عند مؤلفها، وهي تعدد الرواة الموزعين على الفصول بالتناوب، بما يطرح مفارقات عوالمهم المختلفة ويقدح شرر التواصل والتناقض في علائقهم المتشابكة، وإن كانوا يبدون كما لو كانوا يسكنون صناديق متجاورة غير متحاورة يتم الكشف التدريجي عن فحواها كلما تقدمت حركة السرد واحتدمت درامية المواقف. على أن بؤرة الأحداث التي تتكثف عبر يوم واحد فحسب هو زمن الرواية تجسد أزمة التدين المفتعل في المجتمع المصري الراهن وما تفرز من توترات غريبة على طبيعته المستقرة في جمعها بين الأضداد باتساق محسوب يضمن للحياة إيقاعها الباطني المفعم بالشهوة والتنسك معا.
يحكي الفتى ماجد عبود بقطر في الفصل الأول من الرواية قصة رحلته الشهرية من الفندق المتواضع الذي يقيم فيه مع أمه في حي شبرا المكتظ بسكانه والمختلط في شعائره إلى "أبلة مهرة" في المعادي. وبقدر ما يجترح القعيد شيئا من الانتهاكات اللغوية المحببة يقترب من روح العامية المصرية في أطرف تجلياتها. وأهم من ذلك ينجح في تخليق نماذج مدهشة من الشخصيات التي تعلق بالذاكرة وتستقر في الضمير الأدبي. "الجنرال عفارم"، الذي يطلع علينا من هذه الرواية، يختلف عن دراويش نجيب محفوظ بأنه صريع الجمال ومجنون غانية فريدة، وهي "مهرة"، التي تَمَثَّلها باعتبارها مليكة مصر، وهو واليها المنتظر طبقا لمبدأ تناسخ الأرواح.
العنوان الفقهي للرواية يُسْتَخْدَم بطريقة مجازية تحتمل تأويلات عدة لعل أقربها إلى الأحداث هو شراكة المواطنة عندما يتهددها الاحتقان والإفلاس، فتهرع كل طائفة لكي تحظى بنصيبها من الدَّيْن في رقبة الوطن ولو أدى ذلك إلى ذبحه. وينطلق الحدث الرئيسي للرواية من سيرة "عبود بقطر" والد ماجد، الذي كان مديرا ناجحا في إحدى الشركات في أسيوط، فطاردته رياح التعصب المقيتة وهددته في حياته لمجرد أنه قبطي يترأس مسلمين ويصبح له حق الولاية عليهم، فيفكر في الفرار من موطنه.
وعندما يأتي دور "مرام" في الحكي طبقا لتقنية تبادل الرواة تكشف عن أبعاد أخرى لقراره بالسفر: "تكرَّس الانفصال الجسدي بيننا. قال لي أن مشاركتي له جفت في منتصف الطريق لأنني عجزت عن استيعاب الخطر الذي يتهدد حياته… نجا وحده وتركنا غارقين في هذه البلاد التي لا نعرف كيف ولا متى ستكتب لنا النجاة والإفلات منها". وعندما تهاجر مرام من أسيوط للقاهرة بحثا عمن يُلْحِقها بزوجها لا تظفر في نهاية الأمر بسوى وسيط يرشدها إلى الوسيلة التي دبرها زوجها لتحصل على معونة شهرية منه تصلها عن طريق الممثلة المعتزلة "مهرة". ومع أن الشكوك تأكل صدرها من طبيعة علاقة زوجها بهذه الممثلة فإنها تنتظم في إرسال ابنها كل شهر ليقبض من يدها المعونة الشحيحة المنتظرة.
وتصب الفصول الأخيرة للرواية في مغامرة طائشة محسوبة تغوي فيها مهرة الصبي المراهق ماجد لتلهيه عن تقاضي حقه، منتهزة فرصة استعارته لأحد الأفلام الإباحية كي يراها عندها، فتعود إليها طبيعة الأنثى المولعة بفتنة العشاق وتمزيق أقنعة الطهارة المصطنعة، وتُضْحِي حُمَّى الجنس اللاهبة نقطة الختام في رواية تفجر أسئلة المستقبل وهي تحفر في ألغام الحاضر".
هذا ما قاله أحد الناقد المذكور الذى سوف أسميه من الآن فصاعدا بـ"الناقد الانتهاكى" أو "الناقد المنتهك" لكثرة كلامه الممل عن الانتهاك. والآن جاء دورى لأتناول الرواية، وسوف أتناولها على ضوء ما قاله ناقدنا الانتهاكى. وليست هذه أول مرة أتناول رواية كان ناقدنا قد كتب رأيه فيها، إذ سبق أن كتبت عن "وليمة لأعشاب البحر"، التى اشترك فى تمجيدها والدفاع عنها والقول بأنها رواية تدافع عن الإسلام (تصوروا!) رغم كل ما تحويه من كفريات وبذاءات فى حق الله ورسوله والإسلام والمسلمين، وتزيين للفواحش بحجة تحرير الفتاة العربية من القيود التى تعوق حركتها، فبينت أن ما يقوله الأستاذ الناقد هو ورفاقه فى بيانهم الدفاعى عن الرواية المشبوهة شىء، وما تقوله الرواية المشبوهة شىء آخر مختلف تمام الاختلاف، وأن باب الكلام الفارغ والمزاعم الزائفة الكاذبة مفتوح لمن يريد، لا يستطيع أحد أن يغلقه، إذ ليس على الكلام جمرك كما يقول العامة بحق.
ونبدأ بقول الناقد الانتهاكى إن"بؤرة الأحداث التي تتكثف عبر يوم واحد فحسب هو زمن الرواية تجسد أزمة التدين المفتعل في المجتمع المصري الراهن وما تفرز من توترات غريبة على طبيعته المستقرة في جمعها بين الأضداد باتساق محسوب يضمن للحياة إيقاعها الباطني المفعم بالشهوة والتنسك معا". وواضح أن الدكتور يرمى التدين فى المجتمع المصرى الحالى بأنه تدين مفتعل، أى تدين كاذب لا يراد به وجه الله. فهل هذا حكم صحيح؟ لو أنه قال إن بعض التدين فى المجتمع، أى مجتمع، لا بد أن يكون تدينا كاذبا قائما على الرغبة فى المراءاة واكتساب حسن السمعة، مَثَلُه فى ذلك مَثَلُ أىّ اعتقاد أو اتجاه آخر لما وجد من ينكر عليه. أما أن يرمى التدين كله فى مجتمع من المجتمعات بأنه تدين مصطنع فهذا حكم متهافت لا يليق، ويدل على تحيز صاحبه وكراهيته المسبقة لمن يتحدث عنهم. لكن من أولئك الذين يتحدث عنهم الناقد المنتهك يا ترى؟ إنهم المسلمون، والمسلمون وحدهم، فهم المتدينون الكذابون لا غيرهم، إذ الرواية لا تتحدث إلا عن تدينهم المفتعل هذا ولا تتطرق ولا يمكن أن تتطرق، بل لا تجرؤ أن تتطرق، إلى التدين عند شركاء الوطن، فهؤلاء "تابو" لا يجوز، ولا حتى فى الأحلام، لأى وغد أن يتناوله ولا أن ينتقد فيه شيئا، وإلا حقت عليه اللعنة ولم يجد من ينشر له مقالا أو كتابا أو يشير إليه فى الإذاعة أو المرناء أو الصحافة مجرد إشارة أو يعينه مستشارا فى كل مجلات الوطن العربى أو يعطيه جائزة ولو "بثلاثة أبيض". ومن يا ترى يهتم بأن يشير إلى أى وغد لا يحسن الكتابة والتأليف إذا افترضنا مجرد افتراض أن يفكر هذا الوغد مجرد تفكير فى الكتابة عن تدين غير المسلمين، لا بالافتراء والمزاعم كما يصنع حين يريد الكتابة عن المسلمين، بل بالتزام ذكر الحقائق ليس إلا؟
وبالمناسبة فناقدنا الانتهاكى أزهرى صميم، لبس العمامة نحو عشر سنوات حتى تركت حزا فى جبهته كما يقول الأزهريون، ثم التحق بكلية دار العلوم، وهى حصن آخر من حصون الثقافة الإسلامية. أى أنه لا يجهل هذه الثقافة، ويعلم تمام العلم أن التدين الإسلامى فى مجمله تدين عفوى يراد به وجه الله مهما كان فيه من قصور وبعد أحيانا عن لب الدين تبعا لدرجة فهم صاحبه وطبيعة ثقافته. إلا أن الرجل قد تغير بعد ذهابه إلى أوربا خاما لا يعرف لغة أجنبية، وحصوله على الدكتورية من إحدى جامعاتها وهو كبير السن. وأنا، حين أقول إنه أزهرى خلفت العمامة على جبهته حزا واضحا، لا أقصد إلى أى شىء من الإساءة. وكيف أفكر فى الإساءة وأنا مثله أزهرى تركت العمامة حزا على جبهتى، وإن لم أمكث بالأزهر إلا سنوات أربعا لا غير لم تَدَعْ للحَزّ أن يتعمق أكثر مما هو الآن فى جبهة العبد لله غير المنتهك، تركتُه بعدها إلى المدارس، وحصلت مثل ناقدنا الانتهاكى على درجة الدكتورية من بلاد الخواجات؟ كل ما هنالك أنه من أهل التنوير والحداثة، أما أنا فرجعى ظلامى متخلف متعصب ضيق الأفق حتى لأخشى أن يطالب نقادنا الانتهاكيون بوضعى فى المتحف كى يتفرج الجمهور على حفرية من الحفريات العجيبة التى ما زالت تفتخر بدينها رغم أن أكبر دول العالم تكره هذا الدين وتعده من مخلفات الماضى، ثم أظل بالمتحف إلى أن يقضى الله أمرا كان مفعولا وتنهزم أمريكا وتابعو أمريكا ويعود الإسلام وأتباعه المتخلفون إلى صدارة المشهد كَرَّةً أخرى فيغرق العالم وقتذاك فى مستنقع الظلام والرجعية و"القَدَامة"، التى هى عكس "الحداثة".
على أن الناقد المنتهك لا يستطيع أن يرى العيب إلا فى الورد، أما الشوك فإن ملمسه عنده كملمس الحرير، ولا يمكن أن يقول عنه إنه يَشُوك ويؤلم ويؤذى، إذ مثل هذا القول غير مسموح به، وإلا انسدت أبواب النشر والشهرة فى وجه قائله فى كثير من بلاد المسلمين حيث يقبض على أَزِمّة المؤسسات الثقافية فيها فى الغالب من يكرهون الإسلام ويحاربونه ويعملون على إقصاء أى قلم شريف يحب دينه ويعمل على نصرته فى وجه الهجمة الغاشمة الطاغية عليه مما لم يعد خافيا على أحد لأن كل شىء قد صار مكشوفا بل مفضوحا، و"على عينك يا تاجر". ولسنا نحن الذين نقول هذا، بل تقوله التقارير الأمريكية التى تتحدث عن خطط أمريكا فى الاستعانة بالعلمانيين والملاحدة ضد المتدينين المسلمين لإقصاء الإسلام والقضاء عليه تدريجيا وبطريقة منهجية طبقا لما وضع دهاقنةُ السياسة والاستخبارات وشياطينُ علماء النفس والاجتماع وثعالبُ الاستشراق من برامج وتخطيطات. واقرأوا فى هذا الموضوع تقرير مؤسسة "رانْد" الأمريكية لعام 2007م مثلا، ففيه الغَنَاء.
بيد أننا نحن المسلمين ندرك، رغم تقصيرنا بوجه عام فى نصرة ديننا العبقرى، أن كل مجهودات الولايات المتحدة فى هذا السبيل سوف تضيع فى الهواء كالهباء المنثور. لقد "كان غيرها أشطر". ولديها الاتحاد السوفييتى، الذى احتل أفغانستان منذ وقت غير بعيد، وكان له جمهور ضخم بين المسلمين، وكانت تتبعه كثير من دولهم، ويفتخر كثير من حكامهم بأنهم من أذنابه. فأين الاتحاد السوفييتى الآن؟ لقد تفكك وانهار وصار فى خبر "كان". وإن شاء الله سوف تلحق به الولايات المتحدة الأمريكية إلى ذات المصير عاجلا أو آجلا. لقد كان الاتحاد السوفييتى ملء السمع والبصر، ولم يكن أحد عشية انهياره ودماره يتصور، ولو فى الأحلام، أنه يمكن أن ينهار ويختفى من خريطة الدنيا. ولكن ها هو ذا قد اختفى. ولقد شرعت تباشير تفكك الولايات المتحدة ذاتها تظهر من الآن للعيان، ولسوف يندم العملاء ساعتئذ، لكنْ حين لاتَ مَنْدَم!
وفى ضوء هذا الكلام يستطيع القارئ الطيب الذى لم يكن يفهم السر فى انتشار أقلام بعينها فى عديد من الصحف من أقصى شرق العالم العربى لأقصى غربه، وبالذات فى صحف الخليج، لناس لا يقدر الواحد منهم، لضحولة ثقافته وانعدام موهبته، أن يكتب أو يقرأ جملة واحدة سليمة، ومنهم ذلك التومرجى الشيوعى الحقير مؤجّر أَسِرّة المستشفى للمومسات وزبائنهن قبل أن تنتشله بعض الجهات وتجعل منه كاتبا لامعا رغم أن أقصى ما كان مثله يحلم به، وهو عريان غير متغطٍّ بشىء، أن يشتغل مدرسا فى مدرسة ابتدائية هى كل ما يؤهله له الدبلوم البائس الذى حصل عليه بشق الأنفس. فذلك التومرجى الشيوعى المتأمرك القواد الذى يكره الإسلام لهذا السبب، إذ لا يمكن أمثاله أن يحبوا دينا نظيفا كالإسلام يأمر أتباعه بالطهارة والعفة والاستقامة، على حين أتى هو من بيئة دنسة مثله، ومن ثم فمن الطبيعى أن يقبل على القذارات والقمامات يتمرغ فيها ويَطْعَم منها ويدافع عنها ويهاجم الإسلام الكريم، أقول إن ذلك التومرجى القواد تجد له، أيها القارئ العزيز، مقالات فى الصحف العربية المختلفة من المحيط إلى الخليج، وتراه يتنطط بالطائرات فى بلاد الله بين خلق الله، وهو العارى عن الموهبة والثقافة الحقة جميعا، وكان أبعد ما يطمح إليه أن يركب عربة يجرها حمار. والبركة فى تلك الجهات التى تأمر مسؤولينا الخونة أن يصدروا بدروهم أمرهم لنشر ما يكتبه هؤلاء الحقراء الجهلة فى صحف بلادهم ومن خلال دُور نشرها فلا يملك المسؤولون الخونة إلا أن يطيعوا، وفى فم كل منهم فردة حذاء قديم، بل الفردتان كلتاهما!
وقد شاهدت ذات مرة فى مطار أبو ظبى منذ عدة سنوات ذلك التومرجى القواد الذى تَشِى سَحْنَتُه بالبَلَه الخبيث وتَنِزّ ذلةً وخنوعًا رغم ما قد يُتَصَوَّر أنه انتفاش وثقة، وكنت عائدا من مؤتمر أدبى فى سورية، وكنا أنا وزميل السفر والمؤتمر، وهو سورى ينتمى إلى نفس التوجه العقائدى للتومرجى القواد، جالسين ننتظر ميعاد إقلاع طائرتنا إلى الدوحة بعدما حطت بنا فى ذلك المطار فى طريق العودة لنحو ساعة، حين انتفض رفيقى بغتة كمن لسعته عقرب مناديا: "يا قواد!"، ثم التفت إلىَّ يقول موضحا: إنه القواد الفلانى. ألا تعرفه؟ قلت: سمعت به. فنهض من جوارى وتقدم إليه وأنا أشاهدهما يتصافحان ويتكلمان بحرارة. ثم عاد الرفيق، ومضى القواد لطِيَّته، وكانت المرة الأولى والأخيرة التى شاهدت فيها قوادا عن كَثَب.
وفى ضوء هذا الكلام أيضا يستطيع القارئ الطيب الذى لم يكن يفهم السر فى سرعة ظهور المقالات النقدية التى تتناول أعمالا بعينها فى عدد من صحف العالم العربى المختلفة، وفى وقت واحد، عازفة نفس النغمة مع بعض التلوينات هنا وهناك، وإلا فمتى أُرْسِلَتْ نُسَخ الرواية مثلا محلّ النقد إلى أولئك النقاد فى بلادهم العربية المختلفة؟ ومتى قرأها هؤلاء الـمُسَمَّوْن: نقادا؟ وكيف اتفقوا كلهم أجمعين أبصعين أكتعين (كتب الله عليهم أن يكونوا من الأكتعين!) على الإشادة بالرواية وصاحبها العبقرى؟ لكن لا تنس أيها القارئ أن هناك الشيخ ناسوخا! والشيخ ناسوخ، لمن لا يعلم، هو من أهل الخطوة، الذين يوجدون فى عدة أماكن فى وقت واحد ثم لا يبرح مع ذلك مكانه الأصلى. "بركاتك يا شيخ ناسوخ"! حاجة كذا على وزن "حلمك يا شيخ علام" للشيخ أنيس بن منصور! ومهمة الشيخ ناسوخ أن يحمل الأوامر والتوجيهات النقدية التى لا يستطيع أى واحد من هؤلاء "البنى آدم" أن يخرج عليها، وإلا خَرَج "فِلْس عينه" من محجره!
أما ما كتبه الناقد الانتهاكى عن الحياة وإيقاعها الباطنى المفعم بالشهوة والتنسك معا مما يريدنا أن نتمسك به فهو إشارة إلى أنه ينبغى ألا يحاول المتدينون دعوة الناس إلى الطريق المستقيم بل يتركونهم لما يمارسونه من زنا وعهر وخمر وسكر وشذوذ، إذ إن الأساتذة التنويريين الحداثيين المتحضرين لا يريدون أن يكون للإسلام بالذات مكان فى المجتمع، أما أى دين آخر حتى لو كان دين عبادة الخنافس والديدان فأهلا به ومرحبا. وإنك لتنظر فى الأجهزة الثقافية التى يمسك بأعنتها التنويريون منذ عهد الوزير الشاذ الذى استغرق ما لا أدرى كم من الأعوام فلا تجد مثقفا متدينا إلا على سبيل الشذوذ. طبعا "على سبيل الشذوذ"، فكل حياتنا كانت شذوذا فى شذوذ فى عهد ذلك الوزير صاحب الشذوذ حتى إن أشهر روائى فى ذلك العصر هو الروائى ذو الروايتين الممتلئتين بألوان الشذوذ! بركاتك يا شيخ شذوذ!
ومع هذا كله فَلْنُصَدِّقْ هذا الذى كتبه الناقد المنتهك، وتعالوا نَرَ ماذا هنالك. يقول ناقدنا الانتهاكى عن التدين الإسلامى من حولنا إنه تدين مفتعل، أىْ تدين لا يصح أبدا. لكن لماذا، والمتدينون فى الرواية، وهم من ذوى التدين المفتعل كما رأينا، يمارسون الشهوات مع تدينهم جنبا إلى جنب، ورغم ذلك تسخر الرواية منهم وتجعلهم مثلا للسخف والتنطع، ولسان حالها يقول: انظروا إلى نفاق هؤلاء المتدينين؟ ألم يكن المفترض، طبقا لما يقوله الناقد المنتهك وما تقوله الرواية من قَبْل الناقد المنتهك، أن يحظى هؤلاء المتدينون بالرضا السامى من الرواية وناقدها باعتبار أنهم يجمعون بين ما يتضمنه إيقاع الحياة الباطنى من شهوة ونسك؟ أرأيتم الفرق بين ما يقال من طرف اللسان وما يعتقده الجَنَان؟ أليس الرجل الملتحى صاحب شركة توظيف الأموال مثلا الذى تصوره الرواية شخصا شهوانيا غارقا فى الجنس ويمارس حياة الترف والتنعم بالنساء هو ممن ينبغى أن يقابله ناقدنا وروائينا بالأحضان على أساس أنه قد حقق المعادلة العظيمة التى وضعها لنا الناقد المنتهك، معادلة الانغماس فى الشهوة والتنسك فى ذات الوقت؟ لكن لا ينبغى أن يفوتك أيها القارئ أن ذلك الملتحى شخص مسلم، والمسلم مدان مهما صنع، ومدان حتى لو لم يصنع شيئا. إنه مدان فى كل الأحوال.
ثم تعال إلى الناحية الأخرى، ناحية شركاء الوطن. إنهم هم أيضا يظهرون تدينا، وتدينا مستفزا فى كثير من الأحيان. انظر مثلا إلى دقهم الصليب رجالا ونساء على ظهور أرساغهم. انظر إلى تعليقهم الصليب رجالا ونساء فوق صدورهم على نحو زاعق. انظر إلى رفعهم الصليب فى كل تظاهرة وانهيالهم ضربا به على رؤوس من يقابلونهم من المسلمين وما يجدونه فى طريقهم من سيارات. انظر إلى زعمهم السافل بأنهم هم أصحاب البلد، بينما المسلمون، وهم يمثلون خمسة وتسعين بالمائة، أغراب، وفى أحسن الأحوال: ضيوف ينبغى ألا يطيلوا المكث فى البلاد، فيا بخت من زار وخفف، ويرحلوا عائدين إلى "جزيرة المعيز"، التى جاؤوا منها. انظر إلى دعاوى ظهور العذراء فوق أبراج الكنائس من حين لآخر وشفائها المرضى، فى حين يحرص كبيرهم على التردد على أطباء أمريكا، الذين لا علاقة لهم لا بالعذراء ولا بأية ظهورات. انظر إلى سعار بناء الكنائس فى كل مكان لصبغ المدن والقرى المصرية بما يوحى بأن البلاد تَدِين بدين الصليب مع أن عدد المؤمنين بالصليب لا يتجاوز خمسة بالمائة، ثم إذا أبدى المسلمون ضيقا بهذه الخطة التى تجرى على قدم وساق منذ نحو أربعين عاما ارتفعت الصيحات بأن المسلمين يضطهدون النصارى ويضيّقون عليهم، ثم إذا توترت الأوضاع أطلق النصارى النار على جماهير المسلمين ليعقبها تصايحات الاضطهادات وسائر التهم المجنونة التى يخيفون بها المسلمين ويوهمونهم أنها كفيلة بتهييج أمريكا ودفعها إلى احتلال البلاد دفاعا عن النصارى. انظر إلى بقاء الكنائس مفتوحة ليل نهار تسربلها الأنوار، بينما المساجد تسبح فى الظلام الدامس ويلفها الحزن والاكتئاب. ترى أهذا هو السبب فى أن المتنورين المصريين يقفون مع الكنيسة ضد الإسلام ميلا من التنويريين إلى النور المسربل للكنائس ليلا، وكراهيتهم للمساجد، التى يلفها الظلام، وهم بحمد الله يبغضون الظلام والظلاميين؟ ألا لعنة الله عليهم، فهم الذين اختلقوا هذا الوضع المزرى الذى يستحقه المسلمون عن جدارة بسبب ذلتهم وخنوعهم ورضاهم بالهوان. ولا أدرى لم لم يثوروا عليه بعد الثورة العظيمة التى قاموا بها، ولم يشاركهم فيها رفقاء الوطن نزولا على أوامر كبيرهم، الذى كان يقف بكل قواه مع المخلوع زوج الحيزبون، تلك التى انتشر فى المواقع المختلفة فى الآونة الأخيرة خبرٌ مُفَاده أنها متنصرة، لكنها كانت تخفى نصرانيتها، وأن هذا هو السبب فى مناصرتها للكنيسة ورئيسها وبغضها للإسلام ومساجده!
ومع هذه المظاهر التدينية النصرانية المتعصبة والمنافية للعقل والحكمة والوطنية، بل للإنسانية ذاتها، يذهب القارئ فيُفَلِّى الرواية التى نحن بصددها لعله أن يجد فيها لتلك المظاهر أثرا يناظر الأثر الذى تنسبه بالباطل إلى التدين الإسلامى فلا يعثر على شىء منه أبدا. ترى هل يجرؤ الكاتب أن يتخذ من سكرتيرات الأنبا فلان الحسناوات (ونكتفى بـ"الحسناوات" فلا نقول شيئا آخر) موضوعا لرواية أخرى من رواياته السخيفة، على الأقل كلون من المعادلة لما صنعه فى الرواية الحالية تجاه الإسلام والمسلمين؟ ترى هل يجرؤ الكاتب أن يدير عملا من أعماله القصصية المتهافتة حول اعتقال الكنيسة فى الدير لكل امرأة نصرانية تُسْلِم وتغييبها عن العالم فلا يدرى أحد أهى لا تزال على قيد الحياة أم تم قتلها ودفنها، ولا من شاف ولا من درى؟ ترى هل يجرؤ الكاتب أن يقول شيئا أى شىء عن فِرَق الموت التى تنطلق طبقا لفتوى القساوسة فتقتل من خلعت من النساء النصرانيات ربقةَ النصرانية واعتنقت دين التوحيد فلم تستطع الكنيسة أن تضع يدها عليها وتعتقلها فى دير من الأديرة، ثم لا تكتفى تلك الفرق الشيطانية بقتل المرأة وحدها بل تقتل معها زوجها وأطفالها بقسوة إجرامية لا تعرف حلالا ولا حراما، ولا عيبا ولا نخوة ولا إنسانية، بل كل ما تعرفه هو تنفيذ ما قاله القسيس من وجوب تطبيق الفتوى حتى لا تفكر أية امرأة أخرى فى الانتقال من النصرانية إلى الإسلام؟ ترى هل يجرؤ الكاتب أن يفتح "خشمه" بكلمة عن المخطط الذى يقول للمسلمين إنكم لا مكان لكم فى هذا البلد، بل لا بد لكم من المغادرة بعدما طالت إقامتكم الثقيلة أربعة عشر قرنا؟ ترى هل يجرؤ الكاتب أن يجعل موضوع إحدى رواياته التافهة جماعة "الأمة القبطية" وأهدافها وسجلها الحافل بالموبقات والخيانات و ألوان الأجرام، ودور كبيرهم فيها وفى تنفيذ مخططاتها وإدانة المحكمة له فى عهد السادات؟ ترى هل يجرؤ الكاتب أن يحوم ولو من بعيد حول الأوضاع المالية للكنيسة مما عالجه القس إبراهيم عبد السيد فى أحد كتبه فحقت عليه اللعنات وحاقت به من كل جانب دون بارقة من أمل فى الصفح والغفران من جانب الكبير القاسى الفؤاد الذى يعمل على إحراق الوطن من أقاصيه إلى أقاصيه؟ ترى هل يجرؤ الكاتب على الإشارة إلى الأوامر التى يصدرها الكبير الميت القلب فلا يجرؤ أحد على إقامة طقوس الدفن لأى إنسان توسوس له نفسه بمخالفته كائنا من كان، من العلمانيين أو الكهنوت، فتحمل أسرته نعشه وتجرى به من كنيسة إلى كنيسة فلا تجد قسيسا واحدا يوافق على القيام بهذه الطقوس؟ ترى هل يجرؤ الكاتب أن يسلط ولو بصيصا ضئيلا من الضوء على موقف الكنيسة الرجعى المخزى من الثورة، ومعاضدة كبيرها وجماهيرها للمخلوع الملعون، ومناصرتهم لخطة التوريث متحدّين أمانى الأمة وتطلعاتها وطموحها إلى التساوى بالأمم الكريمة والانعتاق من أوهاق الاستبداد والتجبر والغطرسة والسرقات التى لا ترضى بأقل من مئات المليارات وتضييع البلاد والتطويح بها فى هاوية العدم؟ ترى هل يجرؤ الكاتب أن يفكر، يفكر فقط، فى إدانة البذاءات وألوان السِّباب التى يوجهها الخونة إلى النبى الكريم ودينه العظيم؟ ترى هل يجرؤ الكاتب أن ينبش فى ملف استعانة شركاء الوطن بالمحتلين الصهاينة والصليبيين الأمريكان "عينى عينك" وهتافهم بهم فى الشوارع وأمام ماسبيرو وداخل الكاتدرائية ذاتها على مرأى ومسمع من جميع القساوسة بما فيهم كبيرهم أن يأتوا فيحتلوا البلاد ويذلوا المسلمين مؤكدين لهم أنهم سيكونون ذراعهم الأيمن فى ذلك الاحتلال؟ هل يجرؤ الكاتب فيتحدث عن وجوب امتثال الكنيسة لقوانين الدولة بدلا من تشكيلها دولة داخل الدولة لا يجرؤ الحاكم ذاته على مراجعتها فيما تقول أو تفعل بشأن المواطنين النصارى، وشأن من يُسْلِم منهم؟ هل يجرؤ الكاتب أن يقترب من اعتقادات الكنيسة فى الخوارق والظهورات فى القرن الحادى والعشرين، فضلا عن أن يجعل من ذلك موضوعا للمناقشة؟ ترى هل يجرؤ الكاتب فينادى بألا تكون مرجعية النصارى كلام الكنيسة بل القوانين المدنية مستعينا بالحقيقة المتمثلة فى أن الأناجيل تخلو من التشريعات والقوانين؟ ترى هل يجرؤ الكاتب أن يفتح قضية السعار المعمارى الذى يستولى على شركاء الوطن ويدفعهم إلى استفزاز المسلمين استفزازا شبه متواصل كلما هدأ عاد جَذَعَةً كما تقول العرب، فألفينا الكنائس تسد عليك الأفق، ورأينا الكنائس تقوم مكان البيوت والمضايف رغم أن الحالة لا تستدعى شيئا من ذلك، إذ الكنائس أكبر مما يحتاجه النصارى فى مصر بآمادٍ طبقا لمعيار الأمم المتحدة بحيث يحتاج المسلمون إلى بناء الألوف والألوف من المساجد كى يقتربوا من العدد الملاثم لنسبتهم المئوية فى مصر، لكن الرغبة فى صبغ البلاد بالصبغة النصرانية تستوجب هذا؟ ترى هل يجرؤ الكاتب أن ينادى بالعدل بين المسجد والكنيسة بحيث لا يُغْلَق المسجد فور الانتهاء من الصلاة فى أول الوقت، وتبقى الكنيسة على مدار اليوم والليلة مفتوحة لمن يريد أن يقصدها فى أى وقت رغم أن الصلاة فى الإسلام مستمرة طوال الأربع والعشرين ساعة فى حين أن الصلاة فى الكنيسة لا تكون إلا لساعة أو ساعتين يوما فى الأسبوع، وبحيث تُمْنَع الشرطة والمباحث من اقتحام المساجد أسوة بمنعهم من فعل ذلك بالنسبة للكنائس؟ ترى هل يجرؤ الكاتب على الاقتراب من ملف السفينة المحملة بالأسلحة التى ضبطتها الدولة قبيل الثورة الينايرية، وكانت تتبع ابن أحد كبار الكنيسة؟ ترى هل يجرؤ الكاتب أن يسجل فى رواية أخرى من رواياته التافهة ما سمعه ورآه العالم كله حين هدد أحد القساوسة محافظ أسوان قبيل عيد الأضحى من عام 1432هـ بالضرب بالجزمة وبالموت خلال ثمان وأربعين ساعة، وهدد فوق ذلك رئيس المجلس العسكرى بأنه، وهو جالس فى كرسيه، يعلم جيدا ماذا يمكن أن يفعله النصارى إذا لم يستجب لما يريدونه، وصولا إلى ما وقع بعد ذلك من مهاجمة النصارى حاملى الصليب لقوات الجيش التى تحرس مبنى الإذاعة والتلفاز وقتل العشرات منهم، وهو ما يُعَدّ صدًى لتهديد كبير النصارى للحكومة فى أوائل السبعينات بأنه على استعداد لإحراق البلد كله من الإسكندرية إلى أسوان؟ ترى هل يجرؤ الكاتب، الذى هو شجاع فقط فى الهجوم على الإسلام دين الأغلبية الخانعة الذليلة التى لا تهش ولا تنش وتغرى أمثاله بنهش لحمها وتشويه صورتها والتشنيع بالباطل عليها، أن يقول كلمة حق ينصر بها المسحوقين النصارى الذين يريدون معاودة الزواج بعدما استحالت العشرة بينهم وبين رفقاء حياتهم ووقع الطلاق؟ أتراه يجرؤ على أن يناقش شيئا أى شىء من ذلك الإجرام العاتى؟ أتراه يجرؤ؟ الحق الذى لا مرية فيه أنه لا الكاتب (ولا الناقد أيضا) يمكن أن يفكر فى شىء من ذلك، فضلا عن أن يجرؤ على التلميح، مجرد التلميح، إليه، وإلا راح فى شربة ماء وألفى نفسه وقد رجع إلى حجمه الصحيح.
أم هل ترى يجرو الكاتب أن يقترب من الملف التالى، الذى تحدث عن بعض أسراره الأستاذ جمال أسعد، وهو نصرانى لا مسلم؟ تقول صحيفة "الفجر": "لم يهنأ جمال أسعد السياسي والمعارض المصري، قبل أن يكون القبطي، بتعيينه نائبا في مجلس الشعب بالقرار الجمهوري رقم 253 لسنة 2010 ضمن النواب العشرة المعينين الذين كان من بينهم سبعة أقباط، فبدلا من أن يتلقى تهنئةالأقباطقابلسخطهم وغضبهم ولعنتهم. بل هناك من وصفه بأنه يهوذا العصر الحديث. كان تعيين جمالأسعد مفاجأة للجميع بالفعل. كان هناك اعتقاد أن قائمة النواب المعينين من قِبَلالرئيس إذا ضمت أقباطا فلا بد أن يوافق عليهم البابا شنودة، لكن ما جرى مع أسعد جعل الجميع يتأكد أن ما قيل كان وهما كبيرا لأن القائمة لو كانت عُرِضَتْ علي البابالرفض رفضا قاطعا تعيين أسعد، وأسعد بالذات، في مجلس الشعب. فالبابا لا يعتبرهمعارضا له، بل يتعامل معه على أنه عدو. وهو ما فهمه كل رجال البابا في كل كنائسمصر. وكان طبيعيا أن يمنع جمال أسعد من دخول الكنائس رغم أنها بيوت الله لا بيوتالبابا شنودة.
حالة الغضب القبطي على جمال أسعد لا يعرف جذورها الكثيرون. لايعرفون أسباب خلافه مع البابا ولا لماذا تتخذ الكنيسة منه هذا الموقف الحاد العنيد، وهو ما جعلني أفتش في أوراق جمال أسعد القديمة. فقبل عشر سنوات تقريبا أصدر أسعد كتابه "إني أعترف- كواليس الكنيسة والأحزاب والإخوان المسلمين". سجل فيها مذكراته في السياسة والصحافة. في هذا الكتاب الذي صدر عن دار الخيال ونَفِدَتْطبعاته الأولي كتب جمال أسعد فصلا مطولا عن علاقته بالبابا شنودة: من الصداقةالحميمية والقرب الشديد إلي الصدام والعداء المطلق. كان عنوان الفصل موحيا ودالا: "قصتي مع البابا من البداية إلى النهاية". فأسعد يقر بالفعل أن علاقته بالبابا انتهت، لكنه لا ينسى تسجيل هدفه من كتابة مذكراته. الحكاية تحكي لنا لماذا يحظى جمال أسعد بكل هذه الكراهية وكل هذا العنف في الاعتراض على تعيينه في مجلسالشعب. وهذه فصول ما جرى.
التقى جمال أسعد البابا شنودة عندما ذهب إليه في الكاتدرائية الكبرى بالعباسية بصحبة القمص ميخائيل متى، الذي كان أستاذا للبابا شنودة ولغيره من الأساقفة. يقول أسعد: "ذات مرة ذهبت مجموعة من شباب القوصية مع القمص ميخائيل، فاستقبلهم الأنبا شنودة أسقف التعليم وقتها. وكان يقدم لهم الفاكهة بنفسه ويذيب السكر في الشاي بيده حين كان يتصف فيتلك المرحلة بالشخصية المتواضعة جدا التي تمارس التقشف إلى أبعد الحدود حتى أنه عندما كان يصوم كان لا يأكل الفول المدمس، حيث إنه يحب الفول. وكان يعتبر الفول الذييحبه عندما يأكله فإنه يمارس إحدى شهوات النفس رغم أن الفول يعتبر من الأكل الصائم لأنه نباتي. ويسجل جمال أسعد سمة أخرى من سمات البابا، ففي هذه الفترة لم يكنيحب أو يَقْبَل أن يقبّل أحد يده، وهي عادة يفعلها أغلبالأقباطكنوع من التكريم للكهنة من وجهة نظرهم. فكان هو لا يقبل تلك العادات، وكان يسحب يدهسريعا من يد أي شخص يريد تقبيل يده. كان الأنبا شنودة، كما يقول جمال أسعد، "في ذلك الوقت غاية في التواضع والروحانية، شديد التقشف مملوءا بالمحبة الخالصةالمستعدة للبذل من أجل الآخرين. وكان بذلك النموذج المفضل للشباب حتى أنهم كانوايلتفون حوله ويعشقونه. ويظهر هذا بشدة في لقائه الأسبوعي الذي كان يعقده كل يومجمعة داخل البطريركية بالعباسية، وكان يقبل على هذا الاجتماع أعداد غفيرة منالشباب حتى إن البعض كانوا يطلقون على محطة الأتوبيس القريبة من البطريركيةبالعباسية اسم "محطة الأنبا شنودة". ولم يكن يخطر ببال أحد أن كل هذه التصرفات من قبل الأنبا شنودة كان يخفي وراءها مقاصد أخرى.
تعددت زيارات أسعد للبابا. منها زيارته له بعد أن تصاعدت الأمور بينالبابا شنودة والسادات، واعتكف البابا في دير الأنبا بيشوي. كان أسعد موفدا من حزبالتجمع لتحديد موعد لمقابلة وفد من الحزب. إلا أن هذه المقابلة بين وفد الحزب والبابا لم تتم بسبب تصاعد الأمور بين السادات والبابا. وعندما عزل الساداتالبابا زاره أسعد، لكنْ هذه المرة بتصريح من وزارة الداخلية. يقول أسعد عن هذه الزيارة: "كان لقاؤنا مع قداسة البابا عندما تم تقديم وجبةالغداء لنا، حيث تناولنا هذه الوجبة معا. وكان ذلك في أيام الصوم، فأكلنا طعامايتكون من فول وطعمية. لكن كان أهم ما يميز المائدة هو وجود الفاكهة ذات الأصناف الراقية التي تدعو إلى الاستفزاز".
بدأ أسعد حوارا مع البابا منذ الساعة الثالثةعصرا، ولم ينته إلا بعد منتصف الليل. لكن أهم ما دار بين الرجلين في الحوار كانالمشاهد التي تحدَّث عنها أسعد في الدير الذي عُزِل فيه البابا. يقول: "جلست مع قداسة البابا أمام المقر البابوي الموجود بالدير، وكان يوجد أكثر من خمسة كلاب من سلالةراقية يقوم البابا علي تربيتها. وكنت أجلس بجواره بينما كان قداسته يستخدم أحد الكلاب القابعة بجواره للاتكاء عليه". ويقول: "لم يتوقف الحديث بيننا إلا في الساعة الواحدة بعد منتصف الليل لتنتهي هذه الجلسة الممتدة، لنقوم بعد ذلك بالذهاب على ضوء كلوب بسبب انقطاع التيار الكهربائي لكي نشاهد نسناسا قدمه أحد الزوار مندولة إفريقية هدية للبابا. وكان هذا القرد موضوعا في قفص، ويقف بجوار القفص أحد الرهبان، الذي يحمل كرتونة تفاح أمريكاني مستورد، ويقوم البابا بمداعبة القرد ويلقي له بالتفاح. وقمت بالنظر في قاع القفص فوجدت أن هناك أكثر من عشرة كيلو جرامات منهذا التفاح ملقاة في القاع لأن الكميات التي كانت تقدم لهذا القرد أكبر بكثير منأن يلتهمها".
ويقول: "من المواقف الطريفة خلال هذه الزيارة كان موقف جعلني أشعر بفزع شديد، فلقد كنا جالسين بعد فترة راحة، وذلك نحو الساعة السادسة مساء، وكان هذاأمام المقر البابوي داخل الدير، حيث التقيت قداسة البابا مرة أخرى، وفوجئت بمجموعةمن الكلاب الضخمة جدا تهجم علينا، فتملكني الرعب والفزع، خاصة أن أحد هذه الكلاب قام بالقفز برجليه على كتفي، وعنئذ صاح البابا في هذا الكلب قائلا: ارجع يا ولد. فتراجعت الكلاب وسارت خلف البابا وظلت مصاحبة لنا خلال هذه الجلسة التي استمرت عدةساعات، حيث ذهبنا بعد ذلك لتناول العشاء. وكان البابا يستخدم أحد هذه الكلاب كوسادة يتكئ عليها.
في جريدة "الشعب"، التي كان يكتب فيها جمالأسعد، أجري حوارا مع الأنبا غريغوريوس أسقف البحث العلمي. اختار جمال الأنباغريغوريوس لأنه صاحب رأي وفكر متجدد ومميز. كان جمال وقتها عضوا في اللجنة التنفيذية لحزب "العمل" الاشتراكي. نُشِر الحوار كاملا، وكان حديثا حول السياسة والكنيسة بل والعقيدة المسيحية أيضا، حتى إن وكالات الأنباء تناقلته وتناوله بعض الكتاب والسياسيين بالتعليق في مقالاتهم. غضب البابا من حوار أسعد مع غريغوريوس،ونقلت الغضب عضوة بحزب "العمل" هي بهجة الراهب. قالت لجمال إن البابا غاضب بشدة،وعنَّفت جمال، الذي قال لها: "يا سيدتي، نحن لا نعمل عند البابا. وليس من حقه أن يتدخل بالمنع أو التصريح بإجراء حديث صحفي مع هذا أو ذاك. رغم ذلك إذا كان لدى قداسةالبابا تعليق على ما تم نَشْرُه عليه أن يرسل هذا التعليق، وسوف ننشره". تراجعت بهجة الراهب، وقالت لجمال إن البابا يريد مقابلتك. فقال لها: "إذا كانت المقابلةستكون من خلال طريقتك هذه في التعامل فإنني لن أقابل البابا". وبالفعل تمتالمقابلة.
يقول أسعد: "دخلت إلى البابا في مكتبه الساعة العاشرة مساء ووجدتهممسكا بملف به مجموعة من الأوراق التي اكتشفتُ أنها أوراق الحديث الصحفي الذي سبق أنأجريته مع الأنبا غريغوريوس كلمة كلمة، ويرد على كل ما جاء بهذا الحديث، ليس منأجل تفنيد ما جاء به أو الرد عليه، ولكن كانت دهشتي وصدمتي أن هذا من أجل تسفيه كلما قاله الأنبا غريغوريوس. ولم يترك شيئا في الحديث إلا قام بنقده والحط من قدرهلدرجة أن الأنبا غريغوريوس قال في معرض حديثه معي أنه يجيد التحدث بخمس لغات، فوجدتأن البابا شنودة يقول: ماذا في هذا؟ أنا أتحدث سبع لغات حية". أجرى أسعد الحوارمع البابا، لكنه فوجئ بأنه يقول له: "كيف تجري حوارا مع الأنبا غريغوريوس، وهو شخصخائن وافق على أن يكون أحد أعضاء اللجنة التي قام بتشكيلها السادات عندما قام بعزلي ووضعي تحت التحفظ؟". وكان لا بد لأسعد أن يعلق. قال: "أحسست أن هناك صراعا غير عادي لا يليق بهذه القيادات الدينية، بل لا يليق إطلاقا أو يتفق مع أبسط مبادئالمسيحية وقوانين وأعراف الكنيسة، خاصة في ظل الوضع الروحي والخاص لهذه القياداتلدى النفوس. وفي تلك اللحظات شعرت بالاكتئاب والتعب النفسي الحقيقي. لقد سبب ليالبابا بهذا التصرف الذي لا يليق به كقيادة روحية صدمة كبيرة جدا لأنني كنت أتصورأن هذه القيادات الروحية أكبر بكثير جدا من مثل هذه التصرفات وأنها تترفع عن هذه الأفعال التي تتعارض مع الكتاب المقدس".
توثقت علاقة جمال أسعد بالبابا، لكن أسعد كانت له آراؤه التي أغضبتالبابا منه، وكانت هذه بداية النهاية. كان يرى مثلا أن الكنيسة مسئولة مسئوليةمباشرة عن الفتنة الطائفية، وهو ما اعتبره البابا شنودة نقدا شخصيا له. يفصّل جمال ما جرى، يقول: "قمت بطرح هذا الرأي من خلال مقالات في الصحف، وكانت إضافاتي الجديدة أن ممارسة القيادة الكنسية باعتبارها زعامة كاريزمية (البابا شنودة)وسيطرتها الكاملة عليالأقباطمن خلال استقطاب الكنيسة لهموهجرتهم إليها جعلها بديلا كاملا عن المجتمع. وهذا أشبع غرور البابا شنودة وجعله يشعر أنه زعيم سياسي لا يمثل الأقباطفقط دينيا، بل وسياسياأيضا. وبالتالي اكتفىالأقباطبالتقوقع داخل أسوار الكنيسةواستغنَوْا عن المجتمع، مما تسبب في إصابتهم بداء السلبية الخطير، وأصبحالأقباطسلبيين تجاه المجتمع المصري. وهذا أدى إلي زيادة الاحتقانالطائفي اشتعالا".
وجد جمال أسعد صعوبة في نشر مقالاته في جريدة "الأهالي". ويفسر هو ذلك بأن هناك "علاقة خاصة بين البابا شنودة وحزب "التجمع" عن طريق رفعت السعيد، أمين عام الحزب. وهذه العلاقة أرى أنها غير طبيعية وغير صادقة لأن د. رفعت السعيدوحزب "التجمع" اعتبرا أنفسهما حاميي حميالأقباطفي مصروالمدافعين الأولين عنهم. بل إنهما أحيانا كانا يُعْتَبَران المتحدث الرسمي باسمالأقباط. وهذا لا يخلو من مصلحة تداخلت فيها الانتهازية السياسية مع الدين". ويفصّل أسعد ما أجمله بكلمة "المصلحة"، يقول: "هذه العلاقة المشبوهة كانت فيشكل تبرعات وشيكات مالية تأتي لجريدة "الأهالي" ولحزب التجمع ولشخصيات بارزة أيضا من قِبَل أقباط المهجر، الذين كانوا يدعون كل أقباط العالم لقراءة جريدة "الأهالي"باعتبارها جريدة المسيحيين في مصر لا جريدة حزب من المفروض أنه اشتراكي تقدمي. ولمينزعج حزب "التجمع" من هذا الوضع، لكنه كان مستريحا تماما وراضيا لأنه كان المستفيدماديا من وراء كل ذلك".
اعتبر جمال أسعد أن هذا كان سببا في بدء المغازلةالمتبادلة بين البابا شنودة ود. رفعت السعيد، الذي تحدث مع أسعد بشكل مباشر وصريحعندما كان في ذلك الوقت عضوا بالأمانة العامة لحزب "التجمع"، وقال له إنه لا يوافقعلى ما يكتبه وإن الحزب لا يستطيع أن ينشر مقالاته. سأله أسعد: كيف تطلبون هذا من عضو في الأمانة العامة وأحد القيادات المؤسسة للحزب؟ وإذا تم إغلاق أبواب صحيفةالحزب أمام إحدى قياداته فماذا يحدث مع من أهم أقل في المستوى التنظيمي للحزب؟ وأين كل الديمقراطية والتقدمية التي يتحدث عنها الحزب ويتشدق بها ليل نهار؟ لم يكنهذا فقط ما لاقاه جمال أسعد في حزب "التجمع"، فعندما عقد الحزب مؤتمرا في الإسكندريةتحت شعار "الوحدة الوطنية" كان مشاركا فيه خالد محيي الدين وأبو العز الحريري.وكانت المفاجأة أن الكاهن الذي حضر قال لجمال أسعد إن لديه تعليمات واضحة وصريحةمن قِبَل البابا شنودة بأنه إذا حضر جمال أسعد فإنه يجب أن ينسحب من المؤتمر. شهدأبو العز الحريري على هذا الكلام، وأقنع الكاهن أن يتحدث في المؤتمر قبل جمال أسعد ثم يعتذر ويطلب الانصراف لأي سبب. وبذلك يكون قد نفذ كلام البابا. وعندما نشر جمالأسعد هذا الكلام كذبه أبو العز الحريري لأسباب انتخابية. وكانت المفاجأة أن الحزبحَوَّل جمال إلى التحقيق، وطالبه بالاعتذار للحريري، وهو ما جعله يطوي صفحة "التجمع" إلى الأبد.
هناك قضايا كثيرة اتفق فيها جمالأسعد مع البابا شنودة: منها مثلا موقف قداسته من زيارة القدس، وتحريم قيام الأقباط بزيارة الأراضي المقدسة طالما كانت تحت الاحتلال الصهيوني. ويتفق معه في موقفه من القضية الفلسطنية بشكل عام. لكن هناك قضايا أخرى اختلففيها جمال أسعد مع البابا، وهي جميعا قضايا متعلقة بحقوق الإنسان. يقول: "على سبيل المثال قام قداسة البابا بمنع الصلاة على جثمان القس الراحل إبراهيم عبد السيد بعد وفاته، إذ أصدر قرارا بهذا الشأن وهو في أمريكا في أول سبتمبر 1999، وهو الشيء الذيجعل أهله ومحبيه يتنقلون من كنيسة إلي أخري طوال أربع وعشرين ساعة متواصلة من أجلالصلاة على جثمانه، حتى إن الكنيسة الإنجيلية بادرت من جانبها بالترحيب بالصلاة على الجثمان، وذلك في كبرى كنائس الطائفة الإنجيلية (كنيسة قصر الدوبارة بالقاهرة)، وهوالأمر الذي جعل الراهب أغاثون المقاري يقوم بالصلاة على جثمان القس الراحل في كنيسة صغيرة توجد بمقابر أرض الجولف في مصر الجديدة. وكان هذا حفظا لكرامة القس، وخوفاعلى تاريخ الكنيسة من أن يتحول إلى عصر تكفير وتهديد لكل من يبدي مجرد الرأي حول طريقة إدارة الكنيسة".
بحث جمال أسعد عما يؤكد وجهة نظره فوجده في تصريحاتالأنبا بيشوي سكرتير المجمع المقدس، الذي صرح لمجلة "المصور" وقتها بأن الكنيسة تصرعلى عدم الصلاة على جثمان القس إبراهيم عبد السيد، بل ستقوم بمحاكمة الذين قاموا بالصلاة، وستنظر في أمر العلمانيين المتعاطفين مع القس الراحل. أما البابا شنودة فقد كتب في مجلة "الكرازة" أن القس ابراهيم عبد السيد قام بالكتابة معارضا إياه فيالجرائد، وقام بتأليف كتاب "الإرهاب الكنسي". وبالطبع عندما يضرب البابا مثلا بهذاالكتاب فإنه يؤكد أن القس كان يختلف مع البابا في المواقف الشخصية. لكن قداسةالبابا، كما يقول أسعد، اعتبر أن هذا خطأ من جانب القس الراحل ليس ضده هو، ولكن ضد الله، ومن ثم فإن هذه الخطيئة ضد الله تحتاج إلى كفارة علنية وقوية، وأن القس لميفعل ذلك، وظل القس خاطئا، ومات خاطئا، ولم يقدم توبة توجب الصلاة على جثمانه. هنا يقول أسعد ما يوجع البابا بالفعل: "وأقول من جانبي إنه مع احترامنا وتقديرنا لشخصالبابا لكن لم يحالفه الصواب في هذه القضية لأنه بهذا القرار عمل على استفزاز الرأي العام المصري والقبطي، بل الأساقفة والكهنة والخدام. الذين يؤيدون البابا فيكل قراراته كانوا في هذا القرار ظهورهم إلي الحائط، ولا يملكون الدفاع عنه لأنهبمنطق الأبوة المسيحية وبالعقيدة المسيحية، التي تحض على الحب والتسامح، كان يجب أنيسامح البابا هذا القس لأنه لم يخطئ إلى الله تعالى، بل اختلف في الرأي مع قداسة البابا، الذي كان باستطاعته أن يظهر أبوته المسيحية الحقيقية التي طالما نادى بهاويقوم بإرسال مندوب عنه للصلاة على جثمان القس الراحل. وبذلك تكون القيادة الكنسية قد ضربت المثل الحقيقي للأب المسيحي المحب والمتسامح على مثال المسيح".
وعَوْدًا إلى موضوعنا نقول: هل ترى يجرؤ القعيد أن يتحدث عما فعله الراهب برسوم المحروقى مثلا فى قلب الكنيسة من معاشرته الجنسية لكثير من النساء؟ ترى هل يجرؤ الكاتب أن يتناول الطقس الخاص بغسل سيقان الجنس اللطيف، الذى يحرص عليه رجال الدين واشتكى منه بعض السيدات؟ لعل من المستحسن الاستشهاد فى سياقنا الحالى بالتقرير التالى، وهو عن دور الجنس فى حياة الرهبان الأقباط. كتب عنتر عبداللطيف فى "صوت الأمة" بتاريخ 31/ 7/ 2010م: "سؤال ظل لقرون من المسكوت عنه: كيف لراهب أن يقضي عقودا من عمره بلا رغبة جنسيه؟ حاولنا معرفة الإجابة من أصوات مختلفةكان أكثرها حدةً إجابةَ القمص هابيل توفيق راعي كنيسة بولس الرسول. قال في تصريحاتخاصة لــ"صوت الأمة" إن الرهبان يمارسون العادة السرية لإفراج الكبت الجنسي، الذييعانون منه وإفراغ هذه الطاقة الملحّة حسب وصفه، مؤكدا أن البابا شنودة أخطأ عندما حبس وفاء قسطنطين في دير وادي النطرون نظرا لأن الرهبان بشر، ووفاء قسطنطين سيدةجميلة تثير غرائزهم. وطالب هابيل بمنع زيارات الأقباطللأديرةلأن الراهب من وجهة نظره شخص مات عن العالم. وقال هابيل إن الكثير من النساء تنامعلي الأرض في الأديرة، وتنكشف عوراتهن مما يثير بشدةٍ غرائزَ الرهبان، الذين يذهبون إليقلاياتهم ويوسوس الشيطان لهم أن يفعلوا الفاحشة. إلا أن أكثرهم يكتفي بالعادة السرية.
من جانبه قال الدكتور حنين عبدالمسيح إن الرهبنة خرجت من الكنيسةالأرثوذكسية المصرية لتنتشر في بقية دول العالم. وهي بدعة لم يسلم من مبادئها الهدامة سوى الكنيسة الإنجيلية. ويرجع حنين عبدالمسيح ظهور الرهبنة إلى أنطونيوس المولود عام 251 ميلادية. ويحكي عبدالمسيح أن سبب رهبنة أنطونيوس أنه شاهد امرأة تغتسل في النهر وعاتبها لأنها تتكشف أمامه، فنهرته المرأة قائلة: إذا أردتَ العبادةفاذهب إلى الصحراء. وهو ما حدث، حيث ذهب أنطونيوس إلي الصحراء وظل بها 25 عاما متصلة،وهرب من الزواج مع أن الانجيل يقول: "ليكن الزواج مكرما عند كل أحد، والمضجع غير نجس". ويؤكد الدكتور حنين أن للرهبان سقطاتٍ جنسيةً قديما وحديثا. ففي سيرة الأنبا مكاريوسالكبير أن فتاة ذهبت إليه لتُشْفَى من شيطانٍ تلبَّسها، وتصادف أن حضر معها في نفس التوقيتراهب شاب. وعندما حل الليل رأى مكاريوس هذا الراهب يفعل الخطيئة مع الفتاة الشابة. ولم يوبخه مكاريوس على هذه الفعلة الشنعاء. وكان يقول: إذا كان أحد من الرهبان يسكنمع صبي فلا يقدر أن يحفظ أفكاره لأن للصِّبْيَة صفتين: منظر جميل مثل النساء يحرك الشهوة،وحدة الطبع. وعن العصر الحديث يؤكد الدكتور حنين عبدالمسيح أن فضيحة راهب دير المحرق بأسيوط هي أبلغ دليل علي فساد نظام الرهبنة. في حين قال المفكر القبطي كمال غبريال إن الرهبان اختاروا أن يعيشوا على الكفاف دون حياة جنسية، فهذا حقهم. إلا أنهذا يخالف قوانين الطبيعة وسنة الله. والمفترض أن الرهبان يحاولون عن طريققيادتهم للكنيسة فرض نظرتهم للحياة، وتركوا الصحراء وجاءوا إلى العالم كي يحكموه، مما أدى إلى تدخلهم في شئون الأسرة رغم أنهم لايعرفون أهمية الأسرة للإنسان، ويحاولون فرض نظام الطاعة العمياء بأن يستعبد البابا المطارنة، والمطارنة يستعبدون الكهنة، الذين يستعبدون الشعب القبطي. وبالتالي فنظام الرهبنة يحمل خطورة على الشعب القبطي بل على الوطن كله. ومن الطبيعي أن نرى في هذا العالم تجاوزات جنسية لأنهم بشر معرضونللخطأ.
فيما قال المفكر جمال أسعد إن الرهبنة حالة ذاتية واختيار شخصي لا علاقةله بالمسيحية من قريب أو بعيد، وإلا لكان يفرض على كل المسيحيين إذا كانت الرهبة جزءا من المسيحية. ويتفق أسعد مع الدكتور حنين في أن أنطونيوس جاء بآية منالانجيل تقول: "بِعْ كل أموالك واتبعني"، وهو ما حدث حيث باع هذا الشخص كل ما يملك وذهبإلي الصحراء. وهذه حالة فردية، لكن لظروف كثيرة ولاضطهاد الرومان عزز هذه الفكرة هروبالأقباطإلى الجبال. واقتنعالاقباطبهذه الفكرة وتطورت لتتحول الرهبنة إلى واقع وإلى إنشاء أديرة لها قوانينها ولوائحها الخاصة. فهم مثل جماعة ارتضت أن يكون لهم حياة خاصةذات قوانين معينة. ثم تطور الأمر إلى فكرة موت الرهبان عن العالم بعد أن يصلَّى عليه صلاة الموت، وتم وضع قانون الانعزالية والعفة والطاعة. ويضيف أسعد: لكن فوجئنا في عهد أثناسيوس الرسول برِسَامة أول أسقف راهب بعد أن كان الأساقفة يتزوجون. ومنذ ذلك الحينتحولت الكنيسة إلى مستعمرة رهبانية، وأصبح المجمع المقدس كله من الرهبان. ولا نعلم أيمرجعية يتبعون. والأخطر أن كثيرا من الشبان نشروا فكرة الرهبنة ونادَوْا بعدم الزواجمع أن الله خلقهم كي يتكاثروا. ولذلك لا يستبعد وجود أخطاء جنسية في هذا العالم. فيما يختلف الدكتور هاني كمال فرنسيس مع القمص هابيل في كل ما قاله مؤكدا أن الرهبنة لهااحترامها، ولا يوجد بين الرهبان من يخطئ ويرتكب المعاصي، حيث إن الراهب مات عن العالم. ولكنه يؤكد أن القساوسة أشخاص عاديون لايجب أن تحمل لهم أي قداسة لأنالاقباطلا يقدسون إلا المسيح الحي. والدليل ما حدث عندما هربت زوجةكاهن دير مواس، وهي الحادثة الثانية بعد هروب وفاء قسطنطين من زوجها الكاهن أيضا".
هذه هى الصورة الحقيقية للرهبان فيما يتعلق بشهوة الجنس. ومع هذا لا يمكن القعيد أن يفتح فمه بكلمة يتيمة فى ذلك الموضوع مثلما لا يمكنه فتح فمه بكلمة عن أى من الموضوعات الأخرى التى سبقت إشارتى لها. أما التساخف بتأليف رواية ضالة موضعها الحقيقى هو صندوق القمامة لما فيها من افتراءات مجرمة على المسلمين وتشويه لصورتهم وكذب عليهم وتهيئة للفرص المجانية لأعداء الإسلام والوطن كى يقولوا تسويغا لضربهم: انظروا ماذا يقول أحد المنتسبين إلى الإسلام عن المسلمين وإرهابهم وظلمهم لشركائهم فى الوطن، أما مثل ذلك التساخف فهو من اليسر بمكان! بل إن الرواية التى بين أيدينا هى من ذلك الصنف المفصَّل حسب الطلب، وإن كان الطرزى الذى خاطها طرزيا غشيما لا يحسن الخياطة ولا التطريز، فخرجت من تحت يده ملزَّقة باردة تافهة شائهة سخيفة متنطعة حسبما سنرى فى هذه الدراسة الفاضحة. أما إن وجد القارئ أن نقاد الصحف الذين العشرة منهم بقرش تعريفة يُشِيدون بها فليعلم أنه كلام. وهل يستطيع أحد أن يمنع أحدا من الكلام؟ وكمثل القعيد لا يتجرأ ناقدنا الانتهاكى إلا على تدين المسلمين، الذى يقول عنه إن "بؤرة الأحداث التي تتكثف عبر يوم واحد فحسب هو زمن الرواية تجسد أزمة التدين المفتعل في المجتمع المصري الراهن وما تفرز من توترات غريبة على طبيعته المستقرة في جمعها بين الأضداد باتساق محسوب يضمن للحياة إيقاعها الباطني المفعم بالشهوة والتنسك معا". فتدين المسلمين هو تدين مفتعل، أما التدين النصرانى فهو التدين الحق الذى يضمن لصاحبه الفلاح فى الدنيا والسعادة فى الآخرة، تلك الآخرة التى لا يؤمن بها النقاد المنتهكون، ولكنْ من أجل عيون غير المسلمين كل شىء يهون.
والآن تعالَوْا نَرَ ماذا تقول الرواية السخيفة التافهة عن المسلمين. إن الكاتب لا يترك فرصة واحدة على طول روايته التافهة السخيفة دون أن ينال من المسلمين منالا قبيحا: ففى الصفحة السادسة مثلا، وهى الصفحة الثانية فى النص، نسمع ماجد الشاب النصرانى يقول: "اليوم العاشر من الشهر الميلادى. هذا ما أعرفه. أما الشهر الذى يقولون عنه: الهجرى، وتصفه أمى بـ"التوقيت الإسلامى"، وأسمعهم يرددونه كثيرا فى المواسم والأعياد، فلا أعرف عنه أى شىء". وكانت المناسبة هى ذهابه إلى بطلة الرواية مهرة ليتسلم منها المبلغ الشهرى الذى كان أبوه يرسله له هو وأمه عن طريق تلك المرأة. والسؤال هنا: ما الداعى لكل هذه الضجة حول التوقيت؟ إن المصريين جميعا: مسلمين ونصارى يستخدمون التوقيت الميلادى، وبخاصة فيما يخص المرتبات، فلماذا يفتح المؤلف ذلك الموضوع على لسان الولد النصرانى؟ أترى للتوقيت الهجرى علاقة بما هو فيه؟ أبدا والله العظيم. أليس يُحْمَد للمسلمين أنهم لا يجدون حرجا فى التوقيت بالسنة الميلادية؟ بلى والله العظيم. فماذا يريد المؤلف إذن من وراء هذه الضجة؟ أيريد أن نتخلص من التوقيت الإسلامى فلا نستعمله حتى فى الصيام والحج والعيدين ومولد النبى والحيض والعدة وما إلى هذا؟ أغلب الظن أنه كذلك. أما أنا فأقول: ينبغى أن يعيد المصريون، بل المسلمون جميعا، التوقيت الهجرى لأنه هو توقيتهم، مثلما فعلت المملكة العربية السعودية.
وفى الصفحتين الثامنة والتاسعة يزعم المؤلف على لسان ماجد أيضا أن جميع الأوتوبيسات كانت تحمل شعار "الإسلام هو الحل"، قائلا إن اللافتة، التى يكذب فيدعى أنها كانت معلقة بجوار رقم الحافلة وخط سيرها، كانت تجرح العين، ثم متسائلا: من صاحب هذا الإعلان؟ هل هى جهة؟ هل هى مصلحة؟ هل هو إنسان؟ ثم يمضى فى التساؤل: أى إسلام؟ وأى حل؟ بالله عليك، أيها القارئ، أهناك نصرانى يمكن أن يشغل نفسه بنوع الإسلام الذى يراد تطبيقه أو بالحل المرتجى من وراء هذا التطبيق، وكأنه يوافق من حيث المبدأ على ذلك الشعار وهذا التطبيق، وكل ما يشغله هو نوع الإسلام وأسلوب تطبيقه؟ إن مثل ذلك الولد المربَّى على البغض والكراهية لكل ما هو إسلامى لا يمكن أن يفكر إلا فى شىء واحد هو رفض هذا التطبيق جملة وتفصيلا. إذن ماذا؟ إذن فالمؤلف هو الذى يتكلم هنا ولا يترك شخصياته تتحدث بما فى قلبها. أما أن كل الأوتوبيسات كانت تحمل لافتة "الإسلام هو الحل" فكذبة بلقاء سمجة كصاحبها السخيف العقل المريض القلب المدخول الضمير الذى يحتاج إلى أن يُصْفَع على قفاه حتى تَرِمَ قفاه ويقول: أجيرونى يا خلق هُوووه! فلا يجيره أحد. ذلك أن مثل تلك اللافتة إنما تخص الإخوان المسلمين أيام الانتخابات. ولم تكن ثمة انتخابات فى اليومين اللذين دارت فيهما أحداث الرواية السخيفة المهلهلة، بل لم يرد أى ذكر لأية انتخابات فى أية صفحة من صفحات الرواية المملة المتخلفة الثقيلة الظل. فكيف تكون هناك لافتات تحمل ذلك الشعار الإخوانى الانتخابى؟ ثم هل كان مسموحا للإخوان أصلا أن يعلقوا لافتاتهم على الحافلات الحكومية؟ أوكان حسنى مبارك وزبانيته يسكتون على هذا؟ بل إن اللافتات المزعومة كانت مكتوبة بحروف بارزة تكاد أن تصل إلى "رموش" الولد النصرانى بنص كلامه. الله أكبر! ترى أين ومتى وكيف كانت أمثال تلك اللافتات تكتب بحروف بارزة؟
ليس ذلك فقط، بل هناك اللحى والجلابيب البيضاء أينما توجه الولد النصرانى. ومرة أخرى: الله أكبر! لكأننا والله فى السعودية. إن هذا كذب مقيت، فبرغم أن من المصريين من يطلقون لحاهم أو يلبسون الجلابيب البيضاء فإنهم لا يشكلون سوى أقلية هامشية. أما الأغلبية الساحقة فترتدى الملابس الأوربية حتى فى الأرياف بما فى ذلك كثير من الفلاحين أنفسهم. ولست أقصد إلى التنصل من هذه المظاهر، فقد تكون الجلاليب فى بعض الأحيان أفضل ألف مرة من البدلة أو القميص والسراويلات، بل أقرّر فقط ما هو حاصل فعلا. أما ما يقوله ماجد بتحريض من المؤلف الضحل الموهبة فكذب مريض يحتاج صاحبه أن يؤخذ إلى مصحة نفسية كى يعالج من الهلاوس البصرية التى تنغص عليه حياته! إن المؤلف لا يبالى فى تسخيم صفحات روايته بمراعاة مبدإ الواقعية أو المهلبية. إنما هى سخائم سوداء ينفثها على الورق فتفضحه فضيحة مجلجلة، إذ تُرِى القراء أىّ نوع من المؤلفين هو، وأية درجة متخلفة من الموهبة (أو قل: اللامَوْهبة) درجته.
ويمضى مؤلف الرواية، الذى يظن أنه يستطيع التخفى وراء شخصياته الكارهة للإسلام، فيُنْطِقها بكلامه هو وأفكاره هو متصورا أننا لا يمكن أن نراه، ولكن هيهات، فالصنعة الفنية متخلفة، والمؤلف الذى يحرك الشخصيات ليس بارعا خفيف اليد، بل غشيمًا فِجًّا كل ما يفعله مفضوح. ومن ثم فحين يسخر الولد النصرانى الحقود ويتهكم بملابس النساء المسلمات نعرف فى التو أنه يعكس حقد الكاتب قبل كل شىء، دون أن يصدر عنهن ما يسوغ هذا الحقد ولا ذلك التهكم، إذ لم يتعرضن له بشىء من كلام أو فعل يمكن القول بأنه السبب فى استثارة تلك المشاعر المضطغنة عليهن وعلى الدين الذى ينتمين إليه. والغريب أن يزعم الولد الكذاب الوقح أن "بعض النساء يرتدين حجابا لإبراز المفاتن التى تغطيها الملابس العادية. أنواع القماش ودرجة اللمعان تصبح أكثر من مثيرة لو ارتدتها امرأة شحيمة لحيمة، والنقاب يحول المرأة إلى خيمة من السواد. ذيل الخيمة يجرجر على الأرض وراء المنقَّبة فيثير الغبار فى الصيف، ويحرك أوراق الشجر الجافة والذابلة على الأرض فى الأمطار. لا أحب أن أربط بين الربيع والخيام السوداء. إنها ضد فكرة الربيع أصلا. الطبيعة تغير جلدها كل ثلاثة أشهر، وهؤلاء الناس وقفوا ضد فكرة التغيير. نساء يرفضن الذهب، وعندما يتزيَّنّ تكون الزينة حليا من الفضة البيضاء. أما الفضة المطفأة فعلى أشكال تمائم إسلامية: "الفاتحة" أو "التشهد" أو صور قاتل السادات، وابسامته العريضة تتسع لمساحة أوسع من الصدر المغطى الذى تتدلى فوقه الحلية. لا أعرفه ولا أحبه. تعرفت إليه من صوره المعلقة على صدور البنات، خاصة زميلاتى فى الجامعة" (ص9- 10).
والآن يا عِرّة الكذابين، وإن كنت متيقنا أنك لم تتفوه بكلمة مما هو منسوب إليك، بل وُضِع الكلام على لسانك وضعا: هل كانت هناك فى يوم من الأيام فتاة أو امرأة مسلمة تضع حلية عليها صورة قاتل السادات فوق صدرها أو فوق ظهرها يا كذابا من سلالة كذابين؟ وهل كانت الحكومة لتسكت على هذا أيها الكذاب، وقد كانت مصر أوانئذ تعيش فى رعبٍ مُشِلٍّ بحيث لا يجرؤ أى صائغ على صنع مثل تلك الحلية أو تجرؤ أية امرأة على إعلان موافقتها على مقتل السادات، فضلا عن الاحتفاء علنا على هذا النحو الفِجّ بقاتله؟ ثم هل حَدَثَ، يا وقح، أن رسم صانعو الحلى المسلمون فى مصر على مصوغاتهم صورة لأى شخص؟ ومنذ متى تحرّم النساء المسلمات على أنفسهن الذهب أيتها الدمية التى تردد دون فهمٍ ما يُلْقَى إليها من سخفٍ تافهٍ تفاهةَ عقل مُلْقِيه وسخافتَه؟ أَوَبَلَغَ بالقعيد التنطع أن يقيم من ولد نصرانى فقيها يفتى للمسلمات فى أمور الذهب والفضة فيحرّم عليهن ويبيح لهن حسب هواه؟ لم يبق إلا هذا، فهذا ما كان ينقصنا! أأنا فى علم أم فى حلم يا ربى؟ الواقع أن هذا الكلام لا يقوله إلا حشاش مسطول! ترى هل وصل الهوان بالمسلمين أن يلفق أحدهم رواية غبية ينال فيها منهم ومن نسائهم بتلك الطريقة التى لا ترعى فيهم ذمةً ولا إِلاًّ دون أن يخشاهم أو يعمل لهم حسابا؟
لكنى أعود فأقول كما أقول دائما: إن المسلمين هم الذين جلبوا هذا على رؤوسهم ببلادتهم وصمتهم ورضاهم بالهوان حتى وصل الأمر أن كتب قعيد هذه الرواية يبهدلهم فيها كل هذه البهدلة وهو مطمئن أنهم سيسكتون فلا يصنعون شيئا! والله لقد عشنا وشفنا! أوملابس نسائكم، أيها المسلمون، خيام متحركة، وذيولها تثير الغبار وأوراق الأشجار؟ أو يقال لكم إنكم متخلفون جامدون لا تتغيرون ولا تتغير ملابس نسائكم تبعا لتغير الفصول ثم تصمتون؟ طيب يا سيد ماجد، فلماذا لم تقل لنا ما الذى تلبسه أمك فى كل فصل من فصول العام؟ أتراها مثلا فى فصل الصيف تلجأ إلى الإستربتيز هربا من حر القاهرة الحارق؟ لقد فاتك هذا، فنرجو ألا يفوتك إذن فى الرواية التالية التى سوف يؤلفها لك القعيد لتستكمل فيها قلة أدبك وتنفض بقية سخائمك التى ما زالت تحيك فى صدرك!
وحين تدخل مهرة المطبخ لتصنع شيئا تقدمه لماجد أثناء زيارته لها يحاول المؤلف "أبو دم يلطش" أن يتظرف، ويا ويل من تفرض الأقدار عليه أن يتعامل مع شخص دمه يلطش لكنه مع ذلك يحاول أن يبدو ظريفا، فيصورها وقد وقعت فى حيص بيص وأخذت تستعرض ما كان يمكنها أن تقدمه له لو كان متاحا عندها، من كركديه لم تشأ تقديمه له لأنها لا تتحبه لتخفيضه ضغط الدم، وكأنها هى التى ستطفحه، أو بيرة تقول إنه لم يتبق منها لديها منذ الأيام الخوالى، أيام كانت تمشى على حل شعرها، إلا الزجاجات الفارغة، ولا أدرى لماذا تحتفظ ممثلة تائبة قطعت كل علاقاتها بالماضى بفوارغ البيرة، أو ويسكى، مع أنه لم يسبق لها فى الرواية أن أتت على ذكر الويسكى بما يدل على أنها لم تكن تشربه أو على الأقل: ليس لديها منه شىء، بالإضافة إلى أنها لا يمكن أن تفكر فى تقديمه لضيفها أبدا ما دامت قد تابت وأنابت، إلا أن أبا دم يلطش لم يجد عذرا تتعلل به أمام نفسها لعدم تقديمها الويسكى للولد النصرانى إلا أنه ينقض الوضوء. ألا ترى معى، يا صديقى القارئ العزيز، أن هذا كلام يفقع المرارة ويفقع شيئا آخر غير المرارة؟ بالله ماذا يمكن أن يقول الإنسان منا للقعيد أو يفعله لو رآه بعد هذه الرواية؟ ثم إن مهرة قد صنعت فى نهاية المطاف للولد النصرانى شايا (ص82- 83). يا حلوللى! شاى؟ وهل كان هذا يحتاج إلى كل تلك المناجاة الباردة برود البطلة ومختلقها؟
يا قعيد، إن كل الناس فى مصر يقدمون لضيوفهم الشاى دون أن يدخلوا فى تلك المتاهة التى تفوقت فى صعوبتها وتعقيدها على صنع القنبلة الهيدروجينة، ودون أى شىء من ذلك السخف والتنطع الذى فلقتنا به أنت وبطلة روايتك المتخلفة، اللهم إلا بيتى، إذ نحن لا نشترى شايا ولا قهوة، بل نقدم لمن يزورنا مشروبا باردا، ولا تجلس زوجتى فى المطبخ تضرب الودع حتى تستقر على نوع المشروب الذى ستقدمه للضيف، ممسكة بوردة تقطف أوراقها ورقة ورقة وهى تقول: كركديه؟ لا. بيرة؟ لا لا. ويسكى؟ لا لا لا. شاى؟ أعوذ برب الأرض والسماوات! بل تحسم أمرها مرة واحدة وتقدم للضيف "واحد كانز وصَلّحه"، وأنا أقول لها: ولم لا تقدمين زجاجة بيبسى بدل الكانز؟ إلا أنها تصر دائما على ما تفعل، وأنا أصر دائما على ما أقول. ولكن، كما تعرفون، ليس القول كالفعل.
وفى ص111 تدعى الكذابة بنت الكذابين، مرام أم ماجد، أن واحدا من أعضاء الجماعات الإسلامية صعد إليها يوم الجمعة عند الصلاة وسألها لماذا لا يصلى المحروس ابنها الجمعة حاضرا؟ وأنها لم تدر بماذا تجيبه، فانصرف وهو يتمتم تمتمة لم تفهم منها حرفا واحدا، بل رأت فقط لحيته الكثيفة تتحرك فى غضب، وأنها قالت لنفسها إن حيرة النصارى مع المسلمين لا حدود لها: إنْ علقوا الصليب فى مكان ظاهر غضبوا، وإن أَخْفَوْه كما تصنع هى صعدوا إليها وطلبوا من ابنها أن يصلى الجمعة حاضرا بطريقة فيها تهديد ووعيد، وأنها لم ي

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

فتح المسلمين لمصر

كتبها ibrahim awad ، في 10 أكتوبر 2011 الساعة: 23:37 م

 

الجزية
 من بين ما تناوله د. فيليب حِتِّى فى كتابه عن "تاريخ العرب" موضوع الجزية وأثرها فى دخول أهل البلاد المفتوحة فى الإسلام كبغية الهرب من دفعها. وهذا كلام متهافت. ذلك أن أهل الشام ومصر مثلا كانوا يدفعون من الجزية للدولة التى كانت تحكمهم أكبر كثيرا مما يدفعونه للمسلمين، ومع ذلك لم يفكروا فى التحول إلى مذهب الدولة التى تحتل بلادهم رغم أنها كانت دولة نصرانية مثلهم، إلا أن مذهبها يخالف مذهبهم. لقد كانوا يتحملون دفع الأموال الطائلة ويتحملون معها الاضطهاد القاسى الذى تنزله تلك الدولة بهم، ولا يفكرون فى ترك مذهبهم إلى مذهب آخر فى نفس دينهم. فكيف يقال الآن إن الجزية الإسلامية كانت السبب فى أن أهل البلاد المفتوحة تحولوا إلى الإسلام، وهى أقل كثيرا من جزية الرومان، فضلا عن أن المسلمين لم يؤثَر عنهم أنهم اضطهدوا أحدا لدينه؟
ولكى نوضح الفرق بين الجزية والضرائب التى كان القبطى مثلا يدفعها للدولة البيزنطية نقول إن تلك الضرائب الأخيرة وصلت إلى خمسة وعشرين نوعا فرضها البيزنطيون لتغطية حروبهم الدائمة مع الدولة الفارسية. وكانت كل الأقاليم الواقعة تحت الحكم البيزنطي في حالة من الضياع والفقر ترزح تحت ترسانة من الضرائب. وفى المقابل فإن الجزية فى الإسلام مجرد مبلغ تافه فى العام لا يعجز أحد عادة عن تدبيره. وقد حسب د. نبيل لوقا بباوى نسبة الضريبة التى كان يدفعها المصريون فى عهد البيزنطيين إلى الجزية الإسلامية فوجدها 10 إلى 1[1]. ليس ذلك فقط، بل من المعروف أن الجزية يُعْفَى منها الطفل والمرأة والشيخ والراهب والمريض والرقيق، فى الوقت الذى لا يُعْفَى نظراؤهم المسلمون من الزكاة، التى هى أكبر من الجزية، زيادة على أنها ليست نوعا واحدا بل أنواعا مختلفة ما بين صدقة واجبة وتطوعية وصدقة فطر، وصدقة لكفّارة اليمين، وأخرى لكفارة الظِّهَار، وثالثة لكفارة الفِطْر فى رمضان. على أن الأمر لا يقف عند هذا الحد، إذ الجزية تُؤْخَذ ممن تجب عليه لقاء إعفائه من دخول الجيش حتى لا يُجْبَر على محاربة أبناء دينه، زيادة على حماية الدولة له، على حين لا تعفى الزكاة المسلم من الخدمة العسكرية.
على أن كلام حِتِّى ينقض بعضه بعضا، إذ أكد أن أغلبية أهالى البلاد البلاد المفتوحة لم يسارعوا إلى اعتناق الإسلام، بل ظلوا على أديانهم لقرن وقرنين. ترى لم ظلوا طوال كل هاتيك تلك المدة يدفعون الجزية إذا كانت بهذه الفداحة التى يريد تصويرها بها؟ لو كان الأمر كما يزعم لسارعوا منذ اللحظة الأولى إلى تغيير دينهم والدخول فى الدين الجديد. أليس هذا ما يقتضيه المنطق؟ ثم ماذا يقول حِتِّى فى إسلام أهالى الدول التى لم تكن تقع تحت حكم المسلمين، ومن ثم لم تكن حكاية الجزية واردة بتاتا فى حالتها، كإندونيسيا مثلا؟ وماذا يقول حِتِّى فى دخول الغربيين الآن بأعداد كبيرة نسبيا فى الإسلام رغم أنه لم تعد هناك جزية أصلا، بل رغم أنهم يعيشون سادة فى بلادهم، بينما المسلمون مضطهدون بوجه عام فى تلك البلاد، علاوة على أن العالم الإسلامى متخلف ضعيف تستغله الدول الغربية أبشع استغلال وتفرض عليه فى علاقاتها ومعاهداتها معه الشروط المهينة المذلة، وهو مما لا يمثل معه وضعُ ذلك العالم أىَّ نوع من أنواع الضغط على الغربيين يدفعهم إلى اعتناق الإسلام، بل بالعكس يمثل عامل تنفير غالبا منهم ومما يتصل بهم، وعلى رأس ذلك دينهم المظلوم معهم. وأخيرا وليس آخرا فالجزية إنما تُنْفَق فى المصالح العامة. أى أن فائدتها تعود على دافعيها بوصفهم من رعايا الدولة، على حين تذهب الصدقات فى مصارفها المحددة التى لا يستفيد منها مؤديها أبدا. ومن هذا كله يتبين أن ما يقوله حِتِّى لا يصمد على محك النظر والتمحيص. وللأسف فإن هذه الدعوى تتردد كثيرا فى كتابات طائفة من المستشرقين والمبشرين مع معرفتهم بكل هذه الملابسات التى أوردناها آنفا.
على أن حِتِّى نَفْسَه يقول فى موضع آخر من كتابه، عند حديثه عن طبقات المجتمع فى الدولة الإسلامية، إن الطبقة الثالثة كانت تتألف من أبناء الديانات الأخرى من نصارى ويهود وصابئة، أى من أهل الذمة، وإنه مما لا يقبل الشك أن اعتراف المسلمين بكيان هؤلاء الناس بعد أن اشترط أن يلقوا السلاح ويؤدوا الجزية لقاء تمتعهم بالحماية الإسلامية كان أعظم ما أتى به الدين الجديد من تجديد فى الناحية السياسية، وإن حاول حِتِّى فى ذات الوقت أن يرجع ذلك بالدرجة الأولى إلى ما يقول إن الرسول كان يكنه للكتاب المقدس من احترام، مع أن القرآن الكريم قد اتهم أهل الكتاب بالعبث بكتابهم وإفساد دينهم، فأى احترام إذن يتحدث عنه حِتِّى؟ إن كان المقصود التوراة والإنجيل الأصليين فأين التوراة والإنجيل الأصليان؟ وإن كان المقصود التوراة والإنجيل اللذين فى أيدى الناس الآن فرَأْىُ الإسلام فيهما وفى أصحابهما معروف. إن الاحترام معناه، فى أقل تقدير، الموافقة على ما يقول الطرف الآخر ومباركته، فكيف يكون هذا فى الوقت الذى يختلف فيه الدينان اختلافا شديدا حول الصَّلْب والتثليث من جهة، ونبوة محمد من جهة أخرى؟ ذلك أن الصَّلْب والتثليث مرفوضان فى الإسلام، مثلما يرفض النصارى نبوة محمد عليه السلام. ولا ينبغى أن يكون هذا بابا إلى العداوة والكراهية من قِبَل أى من الطرفين تجاه الطرف الآخر، فالاختلاف بين الأديان فى واقع الحياة أمر طبيعى، وكلٌّ وما يعتقد، وليس من حق أحد أن يُكْرِه أحدا على الإيمان بما يعتنقه هو. والإسلام يعطى أهل الكتاب وغيرهم الحق الكامل فى الاعتقاد بما يحبون أن يدينوا به مهما كان اختلافه مع كتاب الله وحديث رسول الله، ولا يصح أن يضيّق عليهم المسلمون فى شىء أبدا. وقد أقر حِتِّى إقرارا بالحرية التامة التى كان أهل الذمة يتمتعون بها فى تأدية شعائر دينهم وفى الاحتكام إلى شريعتهم ورؤساء طوائفهم فى ظل الدولة الإسلامية[2].   
ولْنُطَالِعْ معا مادة "جِزْية" فى "الموسوعة العربية العالمية"، التى تقول: "الجِزْيةُمبالغ مالية تؤخذ من أهل الذّمة لبيت مال المسلمين، وهي الخراج المجعول عليهم. والجزية على وزن "فِعْلة"، من "جَزَى يَجْزِي" إذا كافأ عما أُسْدِيَ إليه. فكأنها أُعطِيت جزاء ما مُنِحوا من الأمن بحفظ أرواحهم وأموالهم وأعراضهم وعدمإيذائهم ما أَوْفَوْا بعهدهم ولم ينكثوه.تؤخَذ الجزية بموجب عقد يُبْرَم لتأمين من أجابالمسلمين إلى دفعها من الكفار وتَعَهَّد لهم بالتزام أحكام الشريعة الإسلامية فيالحدود… أما الذين تؤخذ منهم الجزية فهم أهل القتال.فأمّا الزَّمِن[3] والأعمى والمفلوج[4] والشيخ الفاني والنساء والصبيان، والراهب الذي لا يخالط النساء فلا تؤخذمنهم. مقدارها الواجب دفعه أربعة دنانيرمن الذهب، أو40 درهمًا من الفضة، ولإمام المسلمين أن يجتهد في ذلك. أما زمن إخراجها فإنها تجب بحلول الحول على عقد الذّمة المبرم. وتسقط الجزية عن الذمِّي إن أسلم أومات. والجزية تؤول لبيت مال المسلمين، وتُصْرَف في مصالح الدولة العامة حسب تقدير الإماملذلك".
على أن هناك من يقدرها بأقل من أربعة دنانير: ففى كل من كتاب "تاريخ ابن البطريق" وكتاب "فتح العرب لمصر" لألفرد بتلر أن الجزية على من يدفعها من المصريين كانت دينارين[5]. وفى "فقه السنة" للسيد سابق أن النبى فرض على أهل اليمن دينارا واحدا، لكن عمر زادها على أهل الشام إلى أربعة لأنهم أقدر من اليمانيين. والعبرة، كما نقل عن مالك، ألا يكلَّف أحد فوق طاقته[6]. ونقرأفى مادة "Djizyah" بالطبعة الجديدة من "The Encyclopaedia of Islam"أن الجزية لا تفرض إلا على الذكر الحر البالغ القادر القوى، فلا تجب على الصغار ولا الشيوخ ولا النساء ولا العجزة ولا الرقيق ولا الشحاذين ولا المرضى ولا المجانين. بل لا تجب على الغرباء إلا إذا أقاموا فى البلاد إقامة دائمة. كما يُعْفَى أهل المناطق الحدوديةمنها لدى اشتراكهم فى حرب الأعداء حتى لو لم يكونوا مسلمين:
"A certain number of rules formulated during the ‘Abbasid period appear to be generally valid from that time onwards. Djizya is only levied on those who are/ male, adult, free, capable and able-bodied, so that children, old men, women, invalids, slaves, beggars, the sick and the mentally deranged are excluded. Foreigners   are exempt from it on condition that they do not settle permanently in the country. Inhabitants of frontier districts who at certain timescould be enrolled in military expeditions even if not Muslim (Mardaites, Armenians, etc.), were released from djizya for the year in question".
وقد سبق أن قرأنا ما قاله فيليب حِتِّى من أن الشاميين والمصريين، لكونهم أقرباء فى الدم للعرب[7]، قد رحبوا بالفاتحين الجدد. وهذه قضية على درجة شديدة من الأهمية، إذ ينتشر الآن فى بلادنا المحروسة بين قطاع من شركاء الوطن القول بأن المصريين لم يرحبوا بالفتح الإسلامى عند مجىء عمرو بن العاص إلى بلادهم. ومن هؤلاء على سبيل المثال الأب بيجول باسيلى، الذى ألف كتيبا بعنوان "هل رحب الأقــباطبالفتح العربى؟" زعم فيه أن الأقباط لم يرحبوا قط بالمسلمين حين فتحوا بلادهم. والكتاب متاح على المشباك لمن يريده. والحق أن الأقباط قد رحبوا بابن العاص رضى الله عنه ترحيبا كثيرا لأنه أنقذهم من رزايا ثقيلة فادحة، إلا أن اختلاف الليل والنهار يُنْسِى. وإلى القارئ شهادات المؤرخين غير المسلمين:
فمثلا لدن تناول سعيد بن البطريق فى "تاريخه" لوقائع فتح العرب لمصر نجده يذكر وقوف المصريين إلى جانب الفاتحين ضد الرومان موردا تأكيد المقوقس لعمرو بن العاص أن المصريين مقيمون على الصلح الذى تم بينهم وبينه وأنهم سوف يصلحون للعرب الجسور والطرق. ثم يعقب على هذا بأن المصريين صاورا أعوانا للمسلمين ووقفوا معهم فى قتال الروم[8]. وبالمثل يتحدث ساويرس بن المقفع فى كتابه: "تاريخ البطاركة" عن تلك الفترة[9] فيصف هرقل بـ"الكافر"، معددا بعض الاضطهادات البشعة التى أنزلها الرومان بالمصريين من مثل قلع الأسنان والحرق بالمشاعل والتغريق فى نهر النيل فى زكائب مقفولة مثقّلة، ومعللا سبب انهزامهم أمام المسلمين بخيانتهم وظلمهم وجبروتهم. وكان قد ألمح إلى الدين الجديد الذى جاء به نبينا الكريم صلى الله عليه وسلم وأثنى عليه، فى الوقت الذى أَصْلَى فيه الرومانَ نارا شاوية جراء ما لحق المصريين على أيديهم من التضييق والتعذيب. ثم يتطرق إلى دخول عمرو بن العاص مصر وإعادته الراهب بنيامين، الذى كان مختفيا من وجه الرومان فى البرية هربا من عذابهم الذى لا يحتمل، وبَذْله الأمان له وللرهبان وللأمة جميعها واستقباله وإكرامه إياه، وكيف كان هذا الحدث عيدا لجميع المصريين، إذ بدأ عهد مختلف على المصريين مارسوا فيه حريتهم الدينية دون أن يتعرض لهم أحد بأذى أو اضطهاد بسبب العقيدة أو المذهب[10]. وذلك كله بفضل عمرو بعد فضل الله سبحانه وتعالى.
وتحت عنوان "نياحة البابا بنيامين الأول الـ38 (8 طوبة)" يقول كتاب السنكسار الخاص بالكنيسة الأرثوذكسية: "في مثل هذا اليوم من سنة 656م تَنَيَّح الأب المغبوط القديس الأنبا بنيامين بابا الإسكندرية الثامن والثلاثون. وهذا الأب كان من البحيرة من بلدة برشوط، وكان أبواه غنيين. وقد ترهَّب عند شيخ قديس يسمى: ثاؤنا بِدَيْر القديس قنوبوس بجوار الإسكندرية. وكان ينمو في الفضيلة، وحفظ كتب الكنيسة حتى بلغ درجة الكمال المسيحي. وذات ليلة سمع في رؤيا الليل من يقول له: افرح يا بنيامين، فإنك سترعى قطيع المسيح. ولما أخبر أباه بالرؤيا قال له إن الشيطان يريد ان يعرقلك، فإياك والكبرياء. فازداد في الفضيلة، ثم أخذه معه أبوه الروحاني إلى البابا أندرونيكوس وأعلمه بالرؤيا، فرسَّمه الأب البطريرك قَسًّا وسلمه أمور الكنيسة، فأحسن التدبير. ولما اختير للبطريركية حلت عليه شدائد كثيرة. وكان ملاك الرب قد كشف له عما سيلحق الكنيسة من الشدائد، وأمره بالهرب هو وأساقفته. فأقام الأنبا بنيامين قداسا وناول الشعب من الأسرار الإلهية، وأوصاهم بالثبات علي عقيدة آبائهم وأعلمهم بما سيكون. ثم كتب منشورا إلى سائر الأساقفة ورؤساء الأديرة بأن يختفوا حتى تزول هذه المحنة. أما هو فمضى إلى برية القديس مقاريوس ثم إلى الصعيد. وحدث بعد خروج الأب البطريرك من الكنيسة أن وصل إليها المقوقس الخلقدوني متقلدا زمام الولاية والبطريركية علي الديار المصرية من قِبَل هِرَقْل الملك فوضع يده علي الكنائس، واضطهد المؤمنين وقبض على مينا أخ القديس بنيامين وعذبه كثيرا وأحرق جنبيه ثم أماته غرقا. وبعد قليل وصل عمرو بن العاص إلى أرض مصر وغزا البلاد وأقام بها ثلاث سنين. وفي سنة 360 للشهداء ذهب إلى الإسكندرية واستولى على حصنها. وحدث شغب، واضطرب الأمن، وانتهز الفرصة كثير من الأشرار فأحرقوا الكنائس، ومن بينها كنيسة القديس مرقس القائمة على شاطئ البحر، وكذلك الكنائس والأديرة التي حولها ونهبوا كل ما فيها… أما عمرو بن العاص فإذ علم باختفاء البابا بنيامين أرسل كتابا إلى سائر البلاد المصرية يقول فيه: الموضع الذي فيه بنيامين بطريرك النصارى القبط له العهد والأمان والسلام، فليحضر آمنا مطمئنا ليدبر شعبه وكنائسه. فحضر الأنبا بنيامين بعد أن قضي ثلاثة عشرة (!) سنة هاربا، وأكرمه عمرو بن العاص إكراما زائدا، وأمر أن يتسلم كنائسه وأملاكها".
وهذا إدوارد جيبون المؤرخ البريطانى المعروف يقول عن ترحيب المصريين: شعبًا وقادةً ورجالَ دين بعمرو بن العاص محرّرهم من الذل والاستعباد والاضطهاد والاستغلال بكل أنواعه، وانقلابهم على الرومان مضطهديهم ومستغليهم ومعذبيهم ومحتقريهم، وبغضهم لهم رغم اتفاقهم معهم فى الدين، ورضاهم بأن يدفع القادرون منهم للفاتحين الجدد دينارين فى العام يُعْفَى منهما الرهبان والنساء والصغار والشيوخ، بالإضافة إلى تضييفهم للمسلمين ثلاثة أيام حين يمرون بهم، وسعادتهم برجوع الراهب بنيامين من مخبئه فى الصحراء:
"The Arabs, after a glorious and profitable enterprise, must have retreated to the desert, had they not found a powerful alliance in the heart of the country. The rapid conquest of Alexander was assisted by the superstition and revolt of the natives: they abhorred their Persian oppressors, the disciples of the Magi, who had burnt the temples of Egypt, and feasted with sacrilegious appetite on the flesh of the god Apis. After a period of ten centuries, the same revolution was renewed by a similar cause; and in the support of an incomprehensible creed, the zeal of the Coptic Christians was equally ardent. I have already explained the origin and progress of the Monophysite controversy, and the persecution of the emperors, which converted a sect into a nation, and alienated Egypt from their religion and government. The Saracens were received as the deliverers of the Jacobite church; and a secret and effectual treaty was opened during the siege of Memphis between a victorious army and a people of slaves. A rich and noble Egyptian, of the name of Mokawkas, had dissembled his faith to obtain the administration of his province: in the disorders of the Persian war he aspired to independence: the embassy of Mahomet ranked him among princes; but he declined, with rich gifts and ambiguous compliments, the proposal of a new religion. The abuse of his trust exposed him to the resentment of Heraclius: his submission was delayed by arrogance and fear; and his conscience was prompted by interest to throw himself on the favor of the nation and the support of the Saracens. In his first conference with Amrou, he heard without indignation the usual option of the Koran, the tribute, or the sword. "The Greeks," replied Mokawkas, "are determined to abide the determination of the sword; but with the Greeks I desire no communion, either in this world or in the next, and I abjure forever the Byzantine tyrant, his synod of Chalcedon, and his Melchite slaves. For myself and my brethren, we are resolved to live and die in the profession of the gospel and unity of Christ. It is impossible for us to embrace the revelations of your prophet; but we are desirous of peace, and cheerfully submit to pay tribute and obedience to his temporal successors." The tribute was ascertained at two pieces of gold for the head of every Christian; but old men, monks, women, and children, of both sexes, under sixteen years of age, were exempted from this personal assessment: the Copts above and below Memphis swore allegiance to the caliph, and promised a hospitable entertainment of three days to every Mussulman who should travel through their country. By this charter of security, the ecclesiastical and civil tyranny of the Melchites was destroyed: the anathemas of St. Cyril were thundered from every pulpit; and the sacred edifices, with the patrimony of the church, were restored to the national communion of the Jacobites, who enjoyed without moderation the moment of triumph and revenge. At the pressing summons of Amrou, their patriarch Benjamin emerged from his desert; and after the first interview, the courteous Arab affected to declare that he had never conversed with a Christian priest of more innocent manners and a more venerable aspect. In the march from Memphis to Alexandria, the lieutenant of Omar intrusted his safety to the zeal and gratitude of the Egyptians: the roads and bridges were diligently repaired; and in every step of his progress, he could depend on a constant supply of provisions and intelligence. The Greeks of Egypt, whose numbers could scarcely equal a tenth of the natives, were overwhelmed by the universal defection: they had ever been hated, they were no longer feared: the magistrate fled from his tribunal, the bishop from his altar; and the distant garrisons were surprised or starved by the surrounding multitudes. Had not the Nile afforded a safe and ready conveyance to the sea, not an individual could have escaped, who by birth, or language, or office, or religion, was connected with their odious name".
ولدينا أيضا جوستاف لوبون، المستشرق الفرنسى الذى استوقف نظره ما أبداه حَفَدَةُ قدماء المصريين حين رآهم يقاومون نفوذ الأغارقة والرومان، ثم يعتنقون دين العرب ولغة العرب وحضارة العرب، والذين صاروا عربا خالصى العروبة حتى لقد توارت أمام حضارة أتباع النبى الجديدة حضارةُ الفراعنة القديمة وحضارةُ اليونان والرومان، التى كانت قد غطت الحضارةَ الفرعونيةَ فى بعض المدن، فكتب قائلا إن مصر، التى أكلتها الانقسامات الدينية ونهكتها مظالم الحكام، كانت تحقد أشد الحقد على سادتها الكئيبين، وكانت تَعُدّ من يحررونها من أيدى قياصرة القسطنطينية منقذين، فحُفِظ هذا الشأن للعرب، الذين سرعان ما تشرب المصريون حضارتهم بعدما اسْتَعْصَوْا على التغيير طوال القرون التى تناوب احتلالَ بلادهم اليونانُ والرومانُ والفرسُ. وقد وقف لوبون منبهرا إزاء سياسة عمرو بن العاص وعدله وإنصافه وحكمته وحذقه وتسامحه وتركه أهل البلاد يمارسون شعائر دينهم بكل حرية دون أن يتعرض لشىء من عاداتهم أو تقاليدهم أو نظمهم، اللهم إلا عادتهم الهمجية فى إلقاء عروس حية فى النيل استجلابا لفيضانه، فضلا عن سماحه لهم ببناء كنائس فى الفسطاط ذاتها، وكل ذلك لقاء مبلغ زهيد من المال يساوى خمسة عشر فرنكا عن كل شخص (قادر على دفع الجزية)، وهو ما تقبله المصريون بالرضا والشكر، على عكس الرومان، الذين لم يستسلموا إلا بعد معارك حامية. وزاد لوبون فنفى عن المسلمين أسطورة إحراق المكتبة الإسكندرية متهما النصارى بأنهم هم الذين قاموا بها مثلما هدموا تماثيل الفراعنة. أما العرب فإن أخلاقهم، حسبما قال، تأبى هذا السلوك الهمجى الذى انتهى العلماء من إزالة وَصْمَته عنهم تماما بما لا يحتاج إلى مزيد.
وكعادتنا فى وضع النصوص الأصلية بين يدى القارئ بين الحين والحين كلما كان ذلك فى مكنتنا ها نحن أولاء نسوق النص التالى من كتاب لوبون فى أصله الفرنسى:
"Ce pays est un de ceux où ils ont séjourné le plus longtemps, fondé un de leurs plus importants empires et où leur influence a été la plus considérable. Rien n’est plus frappant que de voir ces descendants des antiques Égyptiens, qui avaient résisté à l’influence, si puissante pourtant des Grecs et des Romains, adopter la civilisation, la religion, la langue de leurs envahisseurs, au point de devenir complètement Arabes. En Perse et dans l’Inde, la civilisation arabe s’était mélangée à la civilisation ancienne, mais sans la détruire ; en Égypte, l’antique civilisation des Pharaons, de même que celle des Grecs et des Romains superposée à elle dans un petit nombre de villes disparut entièrement devant la nouvelle civilisation créée par les disciples du prophète…
Ensanglantée chaque jour par les dissensions religieuses, ruinée par les exactions des gouverneurs, l’Égypte professait une haine profonde pour ses tristes maîtres, et devait recevoir comme libérateurs ceux qui l’arracheraient aux mains des empereurs de Constantinople. C’est aux Arabes que fut réservé ce rôle…
Ce fut l’an 18 de l’hégire (639 de J.-C.) qu’Amrou, lieutenant du khalife Omar, pénétra en Égypte. Nous avons dit déjà combien sa conduite envers la population envahie fut habile. Laissant aux Égyptiens leur religion, leurs lois, leurs usages, il ne leur demanda en échange de la paix et de la protection qu’il leur assurait, que le paiement régulier d’un tribut annuel de 15 francs par tête. Ces conditions furent acceptées avec empressement. Il n’y eut qu’une partie de la population composée de Grecs, c’est-à-dire les soldats, les fonctionnaires et le clergé, qui refusa de se sou­mettre aux envahisseurs. Réfugiés à Alexandrie, ils y soutinrent un siège de quatorze mois qui coûta la vie à vingt-trois mille Arabes.
Malgré ces pertes importantes, Amrou se montra très indulgent pour les habitants de la grande cité ; il leur épargna tout acte de violence et ne chercha qu’à se concilier leur affection, en recevant toutes leurs réclamations et tâchant d’y faire droit. Il fit réparer les digues et les canaux et consacra des sommes importantes aux grands travaux publics. Quant au prétendu incendie de la bibliothèque d’Alexandrie, un tel vandalisme était tellement contraire aux habitudes des Arabes, qu’on peut se deman­der comment une pareille légende a pu être acceptée pendant si longtemps par des écrivains sérieux. Elle a été trop bien réfutée à notre époque, pour qu’il soit nécessaire d’y revenir. Rien n’a été plus facile que de prouver, par des citations forts claires, que, bien avant les Arabes, les chrétiens avaient détruit les livres païens d’Alexandrie avec autant de soin qu’ils avaient renversé les statues, et que par conséquent il ne restait plus rien à brûler…
L’organisation qu’Amrou donna au pays qu’il venait de conquérir indiquait chez lui un esprit très sage. La population agricole fut traitée avec une équité qu’elle ne connaissait pas depuis longtemps. Il établit des tribunaux réguliers et permanents et des cours d’appel, mais ces tribunaux ne pouvaient juger que les musulmans. Si une des parties était un Égyptien, les autorités coptes avaient le droit d’intervenir. Il respecta les lois, les usages, les croyances des indigènes et n’interdit que la coutume qui voulait que, chaque année, une jeune et belle vierge fut enlevée de force à ses parents, et précipitée dans le Nil pour obtenir du dieu du fleuve une élévation suffisante des eaux au moment de l’inondation. La jeune fille fut remplacée par un mannequin de terre, appelé la fiancée, qu’on précipite encore aujourd’hui dans le fleuve au jour fixé pour la cérémonie. Cet usage, vieux peut-être de plus de soixante siècles, est un indice certain de l’existence de sacrifices humains dans la primitive religion égyptienne"[11].
وهذا نفسه هو ما نجده فى كتاب المستشرق البريطانى ستانلى لين بول: "A History of Egypt in the Middle Ages"، إذ نقرأ فيه ما نَصُّه: "There is very little evidence, however, to show that they were grossly ill-treated. ‘Amr, the conqueror, received an embassy of monks, who asked for a charter of their liberties and the restoration of their patriarch Benjamin; he granted the charter and invited the exiled patriarch to return. TheMuslims naturally favoured their allies of the national or Jacobite church, rather than the orthodox church of Constantinople, which was still represented in Egypt.The governor Maslama allowed the Copts to build a church behind the bridge at Fustat". كما نقرأ، عن ثمار السخط لدى المصريين جراء ظلم الرومان لهم واضطهادهم إياهم، ما يلى: "This wide-spread disaffection contributed to the easy triumph of the Arabs. It was first seen in the taking of Pelusium, when the patriarch, called by the Arabs ‘Abu-Myamīn’ (possibly meaning the banished Jacobite patriarch Benjamin), advised the Copts to support the invaders".
وفى كتابها: "تاريخ الأمة القبطية وكنيستها" تصور مسز بُتْشَر تصويرًا حيًّارغم إيجازه قدوم وفد من الرهبان حفاةً إلى عمرو بن العاص من دير وادى النطرون يريدون مقابلة ذلك الفاتح العظيم بغية التفاوض معه على تسليم البلاد للمسلم

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

أسطورة إحراق المسلمين لمكتبة الإسكندرية

كتبها ibrahim awad ، في 24 سبتمبر 2011 الساعة: 20:41 م

 

أسطورة إحراق المسلمين لمكتبة الإسكندرية
د. إبراهيم عوض
ibrahim_awad9@yahoo.com
لدى مناقشتنا للموضوع الخاص بإحراق مكتبة الإسكندرية ينبغى أن نتناوله أولاً من ناحية الرواية التى نقلته لنا حتى ندرك مدى معقولية مثل هذا الخبر أساسا، ثم ننظر فى نص الرواية ذاته لنرى مبلغ ما فيه من تماسك ومنطقية، ثم نتناول الأمر من الناحية النظرية لمعرفة موقف الإسلام من إحراق الكتب، وبخاصة الكتب الموجودة فى المكتبات العامة، ثم رابعا نناقش الأمر فى ضوء ما نعرفه عن شخصية كل من ابن الخطاب وابن العاص، ثم خامسا نعالج المسألة من الزاوية التاريخية. والآن نشرع بالنظر فى النص من ناحية الرواية. وأول ما يلفت النظر فيها أنها لم تظهر إلا بعد فتح مصر بأكثر من خمسة قرون، لم يذكرها ذاكر لا من المسلمين ولا من أعداء المسلمين طوال تلك الفترة المتطاولة. فأين كانت تلك الرواية كل هذه المدة؟ هل يعقل أن يقع أمر جلل كهذا دون أن يكتب عنه أحد شيئا على مدار تلك القرون إلى أن يأتى عبد اللطيف البغدادى والقفطى وأبو الفرج العبرى (ق6- 7هـ) فيشيروا إلى حكاية الحرق هذه؟ هل يمكن أن يختفى كل هاتيك القرون مثل هذا الخبر التاريخى الذى لو كان وقع لعرفت به الدنيا كلها وسجلته وتناقلته واستغربته وأنكرته، لكن مع ذلك كله لا تعرف الدنيا عنه شيئا ولاتسجله ولا تتناقله ولا تستغربه ولا تنكره، ثم فجأة يكتب عنه البغدادى والقفطى وابن العبرى بعد ما يزيد على خمسة قرون؟ فما مصدرهم فى هذه الحكاية؟ هل يا ترى يصح أن نقبل مثل ذلك الخبر كما هو بعوراته وسوآته دون أن نقف إزاءه لنتساءل من أين أتى، ومن أتى به، وفى أية ظروف أتى به، وكيف وصل للبغدادى والقفطى وابن العبرى دون الناس جميعا… إلخ؟ بكل يقين لم ينزل عليهم به وحى من السماء، فمن إذن أخبرهم به؟ ولماذا سكتوا فلم يحاول أى منهم أن يناقش هذه النقطة، وهو يعرف أنه أول من تناول الأمر؟ إن مثل ذلك الخبر لم يكن ليصح أن يمر على هؤلاء الكتاب دون أن يقلّبوه على كل وجوهه فيذكروا لنا مصدره وقائله والظروف التى سمعوا به فيها؟ كذلك فمثل ذلك الخبر ليس مما يصح تسجيله بهذه الخفة واللامبالاة التى سجله بها هؤلاء الثلاثة. إنه اتهام خطير لا يُقْبَل من أى إنسان إلقاؤه هكذا دون التثبت من صحة مصدره والظروف التى سمعه فيها. لقد كان هناك كتاب نصارى مثل ثيوفانس (البيزنطى) ويحيى بن عَدِىّ (العربى) ويوحنا النقيوسى وابن البطريق (المصريين) مثلا قبل هؤلاء الثلاثة بزمن طويل، وكلهم كان يهمه تشويه صورة الإسلام والمسلمين ورجالاتهم الكبار بكل سبيل، أفلو كان ذلك الخبر صحيحا أكان هؤلاء جميعا، وأشباههم كثيرون، يسكتون عنه فلا يشيروا إليه من قريب أو من بعيد؟
ومن هنا فلا معنى لما قاله جرجى زيدان، الذى يفترض أن المصادر الإسلامية المبكرة تكلمت عن هذا الموضوع، لكن المسلمين بعد تمدنهم حذفوا هذا الكلام تصورا منهم أنه يسىء إلى دينهم وكبار رجالهم[1]. إنها حجة غير مقبولة البتة لأن السكوت عن هذا الموضوع لا يقتصر على المصادر الإسلامية وحدها كما رأينا، فضلا عن أن المسلمين، على العكس مما يقول، كانوا لا يتركون صغيرة ولا كبيرة إلا وسجلوها وأفاضوا فيها القول مهما كان من إساءتها إليهم حتى إننا لنشكو مُرَّ الشكوى من هذا الأمر الذى يستغله خصوم الإسلام الآن، وأرى أن المسلمين المتقدمين ما كانوا ليبالوا به أدنى بالة، إذ كانوا من القوة والعافية والثقة بأنفسهم وبدولتهم وتاريخهم ورجالهم بحيث ما كانوا ليفكروا فى هذه الاعتبارات. ولو افترضنا أنهم فعلا قد تصوروا فيما بعد أنها مسيئة إليهم لقد كان فى مناقشتهم لها وردهم على ما جاء فيها مندوحة واسعة بدلا من حذفها. ومعروف أن مناقشة الفكرة بفكرة مثلها كانت سُنَّة المسلمين، وإلا فكيف وصلت إلينا كتب الملاحدة والشكّاكين من المنتسبين إلى الإسلام، وكذلك كتب الفرق المختلفة التى يكذب بعضها بعضا وتتصور كل فرقة أنها هى وحدها الصواب؟ بل كيف وصلت إلينا كتب اليهود والنصارى التى هاجموا فيها الإسلام؟ وحتى لو غضضنا النظر عن ذلك وقلنا إن الحذف قد حصل فهو خاص بالنسخ الجديدة، أما القديمة فبقيت على حالها، اللهم إلا إذا زعمنا كذبا وبهتانا أن متولى رقابة المخطوطات داروا على أصحاب النسخ الجديدة واحدا واحدا فأعطوه نسخة جديدة وأخذوا منه القديمة ودمروها بحيث لا يتبقى منها أى أثر. ولنفترض أننا غضضنا البصر عن هذا أيضا أمن الممكن أن يتواطأ على ذلك المسلمون والمنتسبون إلى الإسلام جميعا سُنّةً وخوارجَ ومعتزلةً ومتصوفةً وملاحدةً ومنافقين، ودعنا من اليهود والنصارى والصابئة والمجوس الذين كانوا يستظلون بظل الدولة الإسلامية آنذاك. ولا تنس الشيعة وكتابهم ومؤرخيهم، فما كانوا ليفلتوا مثل تلك الفرصة الخطيرة دون أن ينتهزوها ليشوهوا صورة عمر بن الخطاب، الذى لم يتركوا مثلبة إلا وألصقوها به وافْتَرَوْا عليه المفتريات التى لا تدخل العقل كما يعرف ذلك كل أحد، وكذلك عمرو بن العاص، الذى اتخذ جانب معاوية ضد على بن أبى طالب، لكننا ننظر فلا نلفى أحدا منهم ينبس ببنت شفة واحدة فى هذ الموضوع! ولو كان عمرو وعمر قد أحرقا مكتبة الإسكندرية لَطَنْطَنُوا بالزِّرَايَة عليهما والمقارنة بين هذين الكارِهَيْن للكتب والمكتبات وبين عَلِىّ بن أبى طالب باب مدينة العلم كما يصفونه، ولكن الشيعة لم يفعلوا، فما معناه؟ ثم فلنفترض أننا غضضنا النظر أيضا عن كل ما قلناه، فلم يا ترى ترك المسلمون ما كتبه عبد اللطيف البغدادى والقفطى فلم يحذفوه ما دام الحذف عندهم سهلا إلى هذا المدى؟
ثم بعد الانتهاء من خطوتنا الأولى نُثَنِّى بتحليل النص ذاته. وسوف أنقل ما كتبه كل واحد من الثلاثة اذين أوردوا فى كتبهم هذه الحكاية: فأما البغدادى فعبارته شديدة الإيجاز وتجرى على النحو التالى: "وفيها (أى فى دار العلم التى أنشأها الإسكندر الأكبر بمدينة الإسكندرية) كانت خزانة الكتب التى أحرقها عمرو بن العاص بإذن عمر رضى الله عنه"[2]. ولا ينبغى أن يفوتنا أن البغدادى كان مارا بمصر، إذ كان رحالة يجوب البلاد، ولم يكن من أهلها.
وأما ما كتبه القفطى فهو متاح فى المادة المخصصة ليحيى النحوى من كتابه: "تاريخ الحكماء"، وهو يجرى هكذا: "يحيى النحوى المصرى الإسكندرانى تلميذ شاوارى. كان أسقفا فى كنيسة الإسكندرية بمصر، ويعتقد مذهب النصارى اليعقوبية، ثم رجع عما يعتقده النصسارى فى التثليث لما قرأ كتب الحكمة واستحال عنده جًعْل الواحد ثلاثة، والثلاثة واحدا. ولما تحققت الأساقفة بمصر رجوعه عزَّ عليهم ذلك، فاجتمعوا إليه وناظروه، فغُلِب وزُيِّف طريقُه، فعَزَّ عليهم جهله واستعطفوه وآنسوه وسألوه الرجوع عما هو عليه وترك إظهار ما تحققه وناظرهم عليه، فلم يرجع، فأسقطوه من المنزلة التى هو فيها بعد خطوب جرت. وعاش إلى أنْ فتح عمرو مصر والإسكندرية، ودخل على عمرو، ورأى له موضعا، وسمع كلامه أيضا فى انقضاء البدهر، ففُتِن به وشاهد من حججه المنطقية، وسمع من ألفاظه الفلسفية التى لم تكن للعرب بها أُنْسَةٌ ما هَالَهُ. وكان عمرو عاقلا حسن الاستماع صحيح الفكر، فلازمه. وكان لا يكاد يفارقه، ثم قال له يحيى يوما: إنك قد أحطت حواصل الإسكندرية وختمتَ على كل الأصناف الموجودة بها: فأما ما لك به انتفاع فلا أعارضك فيه، وما لا انتفاع لكم به فنحن أولى به، فَأْمٌرْ بالإفراج عنه. فقال له عمرو: وما الذى تحتاج إليه؟ قال: كُتُب الحكمة التى فى الخزائن الملوكية". ثم مضى يصف ما فيها من الكتب، ذاكرا من أنشأها ومن اعتنى بها… فـ"قال (عمرو): لا يمكننى أن آمر فيها إلا بعد استئذان أمير المؤمنين عمر بن الخطاب. وكتب إلى عمر وعرَّفه قولَ يحيى الذى ذكرناه واستأذنه ماذا يصنع فيها. فورد إليه كتاب عمر يقول فيه: وأما الكتب التى ذكرتَها فإن كان فيه ما يوافق كتابَ الله ففى كتاب الله عنه غِنًى. وإن كان فيها ما يخالف كتاب الله فلا حاجة إليه، فتَقَدَّمْ بإعدامها. فشرع عمرو بن العاص فى تفرقتها على حمامات الإسكندرية وإحراقها فى مواقدها. وذُكِرَت عِدّة الحمامات يومئذ، وأُنْسيتُها، فذكروا أنها استُنْفِدَتْ فى مدة ستة أشهر. فاسمع ما جرى واعجب!"[3]
ويبقى ابن العبرى، الذى كان يضع كلام القفطى أمام عينيه وهو يسطر ما كتبه، والذى لا يوجد فى النسخة السريانية من كتابه النص التالى الذى يتناول الموضوع ذاته: "وفى هذا الزمان (أى فى خلافة عمر بن الخطاب) اشتهر بين الإسلاميين يحيى المعروف عندنا بـ"غرماطيقوس"، أى النحوى. وكان إسكندريا يعتقد اعتقاد النصارى اليعقوبية ويشيد عقيدة ساورى. ثم رجع عما يعتقده النصارى فى التثليث، فاجتمع إليه الأساقفة بمصر وسألوه الرجوع عما هو عليه، فلم يرجع، فأسقطوه عن منزلته. وعاش إلى أن فتح عمرو بن العاص مدينة الإسكندرية. ودخل على عمرو وقد عرف موضعه من العلوم، فأكرمه عمرو وسمع من ألفاظه الفلسفية التى لم تكن للعرب بها أُنْسَةٌ ما هَالَهُ ففُتِنَ به. وكان عمرو عاقلا حسن الاستماع صحيح الفكر فلازمه، وكان لا يفارقه. ثم قال له يحيى يوما: إنك قد أحطتَ بحواصل الإسكندرية وختمت على كل الأصناف الموجودة بها: فما لك به انتفاع فلا أعارضك فيه، وما لا انتفاع به فنحن أولى به. فقال له عمرو: وما الذى تحتاج إليه؟ قال: كُتُب الحكمة التى فى الخزائن الملوكية. فقال له عمرو: لا يمكننى أن آمر فيها إلا بعد استئذان عمر بن الخطاب. وكتب إلى عمر وعرَّفه قَوْلَ يحيى، فورد إليه كتاب عمر يقول فيه: وأما الكتب التى ذكرتَها فإن كان فيه ما يوافق كتابَ الله ففى كتاب الله عنه غِنًى. وإن كان فيها ما يخالف كتاب الله فلا حاجة إليه، فتَقَدَّمْ بإعدامها. فشرع عمرو بن العاص فى تفريقها على حمامات الإسكندرية وإحراقها فى مواقدها، فاستُوقِدَتْ فى مدة ستة أشهر. فاسمع ما جرى واعجب"[4].
وبعدما أوردنا ما قاله كل من الثلاثة نشرع على بركة الله فى التحليل، فنقول: من المعروف أن يوحنا النحوى لم يكن عربيا، فلم يكن يعرف العربية من ثم، مثلما لم يكن ابن العاص مصريا، وعليه لم يكن يعرف اللغة المصرية، كما لم يكن يعرف أية لغة أخرى غير العربية يمكنه التخاطب من خلالها مع يوحنا النحوى، فكيف إذن كانا يتفاهمان؟ الحق أن أقصى ما يمكن أن نتخيله هو أن يكون يوحنا النحوى قد التقط بعض الكلمات والعبارات الأولية العربية فى تلك الأشهر القليلة جدا التى انقضت ما بين دخول العرب مصر وفتحهم الإسكندرية يستطيع بها أن يتبادل مع العرب التحية وما إلى ذلك من الموضوعات البسيطة التى لا تحوج صاحبها ولا مستمعها أبدا إلى التبحر فى اللغة كما يحدث للواحد منا حين يذهب إلى بريطانيا مثلا أو فرنسا، ولا يكون قد ألم بشىء ذى قيمة من لغة ذلك البلد، اللهم إلا بضع كلمات وعبارات تساعده على طلب الطعام أو السؤال عن الطريق مثلا. وقد جعلتُ يوحنا هو الذى يتعلم لغة العرب لأنهم هم الفاتحون، فمن الطبيعى أن يتعلم هو المصرىَّ لغةَ عمرو لا العكس. أما الكلام فى الفلسفة والعلوم الطبيعية والمفاهيم الفلسفية والعلمية الدقيقة فهذا هو المستحيل بعينه. فلو زدتَ على ذلك أن ابن العاص لم يكن مؤهلا بطبيعة ظروفه الثقافية أن يتابع مثل تلك المناقشات، كما لم تكن العربية قد تأهلت بعد لتسع الفلسفات والعلوم بمصطلحاتها الكثيرة المعقدة ونظرياتها ومفاهيمها العالية التى لم يكن للعرب بها أى عهد، وبالتالى لا يمكن المترجم، لو كان هناك مترجم، أن ينقل هذه المصطلحات والمفاهيم إلى العربية، لتبين لنا أن جريان مناقشة بين ابن العاص ويوحنا النحوى فى الموضوعات التى ذكر ابن العبرى أنهما كانا يتناقشان فيها أمر لا يتصوره من كان فى رأسه مُسْكَةٌ من عقل. ثم هل كان وقت ابن العاص، فى تلك الأيام المضطربة المملوءة بالقتال والمعاهدات والمؤامرات والترقب والقلق والتوجس ويُصْنَع فيها التاريخ صناعة، ليسمح بمثل تلك الجلسات والمناقشات التَّرَفِيّة، إن كان أمثاله فى ذلك الحين يميلون إليها؟
كذلك كان يوحنا، كما يُفْهَم من كلام القفطى وابن العبرى، قريبا جدا من دين المسلمين، إذ هو لا يؤمن بالتثليث ولا بالصليب، فمن المستبعد أن يرفض عمرو له طلبا كهذا كان يستطيع على الأقل أن يحققه له جزئيا فيتركه يأخذ من كتب المكتبة الإسكندرانية ما يكفى استعماله الشخصى مثلا دون أن يضر المسلمين ولا شخصه هو فى شىء بدلا من أن يعقّد المسألة كل هذا التعقيد الذى تصوره الرواية، وفى نفس الوقت يتألف قلبه ولا يخزيه أمام الآخرين ممن يدينون بالصليب والثالوث. على أن الطريف لى المسألة هو أن يوحنا إنما تحدث عن حاجته هو وأمثاله إلى تلك الكتب، لنفاجأ بابن الخطاب يتحدث كما لو كان العرض المقترح هو أن يستعملها المسلمون. ولكن ما دام لن يستعملها المسلمون، بل المصريون، فما معنى أن يقول إنها إن كانت توافق القرآن ففى القرآن غُنْيَةٌ عنها، وإن كانت تخالفه فلا يصحّ للمسلم قراءتها؟ إن ابن العاص يسأله عن شىء، فيجيبه هو عن شىء آخر لم يُسْتَفْتَ فيه ولا كان مطروحا أصلا للبحث. وفى أمثال العرب: "أُرِيها السُّهَا، وتُرِينى القمر"! ليس ذلك فحسب، إذ كان العرب لا يقدرون أصلا على استعمال المكتبة لأنهم لم يكونوا فى ذلك الطور من تاريخهم الثقافى مؤهَّلين للنظر فى كتبها ولا حتى لقراءتها مجرد قراءة لجهلهم اللغة المصرية أو اليونانية التى كُتِبَتْ بها. أى أنها، لو أبقى ابن العاص عليها، لن تشكّل لهم أى ضرر على الإطلاق. كما يلفت النظر فى كلام يوحنا قوله لعمرو: "ما لك به انتفاع فلا أعارضك فيه، وما لا انتفاع به فنحن أولى به"، فهل من المتصور أن يجرؤ يوحنا، مهما كان قربه من عمرو، على مخاطبة الفاتح المنتصر بهذه اللهجة، وكأنه كان قادرا على أن يعارض العرب فى شىء؟ وهل كان يوحنا من أهل السياسة حتى يفكر فى مفاوضة ابن العاص على هذا النحو؟ فمن فوّضه يا ترى فى الحديث عن أهل الإسكندرية؟ ودعنا من مصر كلها. بل هل كان هناك مجال للمفاوضة، وقد استسلمت الإسكندرية وتم الصلح وأُقِرَّت شروطه واتُّفِق فيه على كل شىء يتعلق بها؟ثم لماذا يتكلف عمرو مشقة متابعة نقل الكتب من المكتبة إلى حمامات المدينة بدلا من الأمر بحرقها فى مكان واحد؟ ولقد قام رفيق العظم بحساب الكتب التى تلزم لإيقاد النار فى حمامات الإسكندرية الأربعة الآلاف على أساس أن كل حمام يلزمه فى اليوم مائة مجلد، فوجد أن عدد الكتب فى مكتبة الإسكندرية ينبغى أن يكون اثنين وسبعين مليون مجلد. وأى مكتبة فى العالم تحتوى على هذا القدر من الكتب كما يقول بحق؟[5] ثم لماذا يتكلف عمرو مشقة متابعة نقل الكتب من المكتبة إلى حمامات المدينة بدلا من الأمر بحرقها فى مكان واحد؟ فإذا علمنا أن الرقوق، التى كانت تكتب عليها الكتب فى الغالب أوانذاك، لا تقبل الاشتعال كما يقول ألفرد بتلر فى الفصل الذى خصصه من كتابه عن فتح مصر لهذا الموضوع تبين لنا أن المسألة كلها لا تعدو أن تكون زوبعة فى كستبان لا فى فنجان إن كان للزوابع أن تهيج فى الفناجين والكستبانات!
وهذا كله إن كان عمرو بن العاص ويوحنا النحوى قد تقابلا أو حتى تعاصرا، اللهم إلا ثلاث سنوات تبدأ من ولادة عمرو وتنتهى بوفاة يوحنا، وكان بينهما من المسافة ما بين مصر والحجاز، ومن الثقافة ما بين فيلسوف ورجل دين مصرى فى القرن السادس الميلادى وبين رجل عربى كل ما يقدر عليه فى ميدان الثقافة هو القراءة والكتابة. أما والنحوى قد مات، وعمرو حديث عهد بالولادة[6]، فلا ريب أنه من المضحك القول بأنه كان بينهما بعد ذلك بعشرات السنين أى كلام بشأن المكتبة أو بشأن أى شىء آخر. ذلك أن الموتى لا يتكلمون، فضلا عن أن يتناقشوا فى الفلسفة والعقائد والمذاهب الدينية. أم هناك من يجادل فى تلك الحقيقة؟ ولقد تركت هذه المعلومة لآخر لحظة حتى يشعر القارئ بتفاهة الاتهام شعورا قويا لا ينساه مدى الدهر. أما لو كنت ألقيتها له منذ الوهلة الأولى لما أدرك قيمتها كما ينبغى، إذ إن ما نحصل عليه م بعد تعب وصعوبة أقوى فى الرسوخ فى الذاكرة وأبلغ فى البرهنة على ما نريد مما لو كنا حصلنا عليه بسهولة.
ومع ذلك كله فلسوف نمضى مع الاتهام نناقشه وكأننا لم نقم الدليل على سخفه ونسفناه نفسا. ولم لا؟ إنها لفرصة لعرض عظمة الإسلام ورجاله. وكم من نِقْمَةٍ حَوَتْ فى طَيِّها نعمةً بل نِعَمًا! أما بالنسبة إلى شخصية ابن العاص وابن الخطاب فقد كان كل منهما من القارئين الكاتبين القلائل قى مكة قبل الإسلام، فلم يكن أى منهما بالذى يجهل قيمة القراءة والكتابة والكتب. ولم يُعْرَف عن أى منهما تنطع ولا تنطس دينى من أى نوع. لقد كانا من رجال الدول الكبار الواسعى الأفق بحيث لا يمكن أن يتصورهما الإنسان واقفين ولو للحظة واحدة أمام موضوع المكتبة بوصفه يمثل أية مشكلة على الإطلاق: فأما ابن الخطاب فكان حاكم دولة عبقريا قوى الشخصية يغوص إلى أعماق الإسلام فى بصيرة نادرة وعقل متفتح وقلب شجاع مقدام لا يعرف سُخْف الصِّغَار من ضيقى الأفق الذين ينظرون إلى الدنيا والناس والدين من ثَقْب إبرة، بل كانت له آراؤه واجتهاداته اللوذعية العجيبة[7]. وكان طُلَعَةً يحب معرفة ما عند الآخرين، فكان يذهب على أيام النبى إلى اليهود ويخالطهم وينظر فى كتبهم، وإن كان التبى صلى الله عليه وسلم قد نهاه عن ذلك، لكن لا بد مع ذلك من مراعاة أنه صلى الله عليه وسلم لم يأمر بحرق مثل تلك الكتب فى يوم من الأيام. كما ظل رضى الله عنه يروى شعر الجاهلية ويسمعه بعد الإسلام دون أى تحرج. والمعروف أنه كان عليما بتاريخ العرب وأيامها ومفاخر أنسابها وسائر أمثالها. أليس معنى ذلك إدراكه أن الثقافة غير محصورة بين دفتى المصحف رغم أن فى القرآن تبيانا لكل شىء؟ نعم فى القرآن تبيان لكل شىء، لكن من ناحية الخطوط العامة فلا يحتوى هو من ثم على التفصيلات إلا قليلا. ولو كان عمر بهذا الضيق فى التفكير لانتهز الفرصة التى واتته على طبق من ذهب من تلقاء نفسها ولصَلَّى فى كنيسة القيامة وصَيَّرها، أو أَوْعَز لرجاله أن يصيِّروها، مسجدا حين عرض عليه صفرنيوس بَطْريقُ القدس أن يؤدى فيها الصلاة لَدُنْ دخول وقتها، لكنه رضى الله عنه رفض وأصر على الصلاة خارجها رهبةَ أنْ يأتى المسلمون من بعده فيستولوا عليها ويجعلوها مسجدا بحجة أن عمر صلى فيها. فهل من يصل فى نبله وتجرده وكرمه وسعة أفقه وشفقته على عقائد المخالفين واحترامه لدور عبادتهم إلى هذا المدى البعيد يمكن أن يتدهدى إلى حضيض الغُشْم الذى تدّعيه تلك الرواية الفاشلة فيأمر بحرق مكتبة لا تضره ولا تضر المسلمين فى شىء؟ ثم إن المكتبات لم تكن بالنسبة لعُمَرَ وعَمْرٍو شيئا جديدا، إذ كان عند بعض الصحابة كتب، كسعد بن عُبَادة مثلا، الذى كانت له مكتبة خاصة صغيرة تحتوى، ضمن ما تحتوى، على أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم[8].
ثم هل يصح أن نصدق ما نُسِب إلى عمر فى حق مكتبة الإسكندرية، وهو الذى كان يقول للقاضى عند تعيينه: "إذا جاءك شىء فى كتاب الله فاقض به، ولا يَلْفِتََّك عنه الرجال. فإن جاءك أمر ليس فى كتاب الله فانظر سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم فاقض بها. فإن جاءك أمر ليس فى كتاب الله ولم يكن فى سنة من رسول الله فانظر ما اجتمع عليه الناس فخذ به. فإن جاءك ما ليس فى كتاب الله ولم يكن فيه سنة من رسول الله ولم يتكلم فيه أحد قبلك فاختر أى الرأيين شئت: إن شئت أن تجتهد رأيك وتَقَدَّم فتَقَدَّمْ، وإن شئت أن تَأَخَّرَ فتَأَخَّرْ. ولا أرى التأخير إلا خيرا لك"؟ ترى إذا كان ممكنا فى رأيه ألا يجد القاضى فى كتاب الله، بل ولا فى سنة رسول الله، حكما دينيا فى مسألة ما، فكيف يتصور أن فى القرآن ما يغنى عن مكتبة كمكتبة الإسكندرية فيها من علوم الدنيا ما ليس من أمور الوحى؟ كذلك أنشئت فى عهده دواوين الإحصاء والخراج والمحاسبة، وكذلك البريد وبيت المال وبيت سك النقود وما إلى ذلك، وأوكل الإشراف على بعضها لغير العرب بلغاتهم. فهل مثل هذا الرجل يمكن أن يأمر بحرق مكتبة للسبب الذى نعرفه؟
وأما ابن العاص فكان واحدا من كبار قادة الإسلام. كما كان سفيرا لقريش إلى النجاشى، وللرسول إلى مَلِكَىْ عُمَان ابنى الجَلَنْدَى. وكان كذلك تاجرا صاحب جولات داخل البلاد وخارج البلاد، وزار مصر فى الجاهلية ورأى ما هى عليه من عمران وحضارة، ومن المؤكد أنه قد عَرَف ما للكِتَاب هناك من قيمة. وكان رجلا أريبا دوخ خصومه فى ميدانَىِ السياسة والحرب، وفتح الأقطار وساسها خير سياسة. ومثل ذلك الشخص لا يمكن أن يكون بهذا التنطع أو ضيق ال

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

أسطورة إحراق المسلمين لمكتبة الإسكندرية

كتبها ibrahim awad ، في 24 سبتمبر 2011 الساعة: 20:40 م

 

أسطورة إحراق المسلمين لمكتبة الإسكندرية
د. إبراهيم عوض
ibrahim_awad9@yahoo.com
لدى مناقشتنا للموضوع الخاص بإحراق مكتبة الإسكندرية ينبغى أن نتناوله أولاً من ناحية الرواية التى نقلته لنا حتى ندرك مدى معقولية مثل هذا الخبر أساسا، ثم ننظر فى نص الرواية ذاته لنرى مبلغ ما فيه من تماسك ومنطقية، ثم نتناول الأمر من الناحية النظرية لمعرفة موقف الإسلام من إحراق الكتب، وبخاصة الكتب الموجودة فى المكتبات العامة، ثم رابعا نناقش الأمر فى ضوء ما نعرفه عن شخصية كل من ابن الخطاب وابن العاص، ثم خامسا نعالج المسألة من الزاوية التاريخية. والآن نشرع بالنظر فى النص من ناحية الرواية. وأول ما يلفت النظر فيها أنها لم تظهر إلا بعد فتح مصر بأكثر من خمسة قرون، لم يذكرها ذاكر لا من المسلمين ولا من أعداء المسلمين طوال تلك الفترة المتطاولة. فأين كانت تلك الرواية كل هذه المدة؟ هل يعقل أن يقع أمر جلل كهذا دون أن يكتب عنه أحد شيئا على مدار تلك القرون إلى أن يأتى عبد اللطيف البغدادى والقفطى وأبو الفرج العبرى (ق6- 7هـ) فيشيروا إلى حكاية الحرق هذه؟ هل يمكن أن يختفى كل هاتيك القرون مثل هذا الخبر التاريخى الذى لو كان وقع لعرفت به الدنيا كلها وسجلته وتناقلته واستغربته وأنكرته، لكن مع ذلك كله لا تعرف الدنيا عنه شيئا ولاتسجله ولا تتناقله ولا تستغربه ولا تنكره، ثم فجأة يكتب عنه البغدادى والقفطى وابن العبرى بعد ما يزيد على خمسة قرون؟ فما مصدرهم فى هذه الحكاية؟ هل يا ترى يصح أن نقبل مثل ذلك الخبر كما هو بعوراته وسوآته دون أن نقف إزاءه لنتساءل من أين أتى، ومن أتى به، وفى أية ظروف أتى به، وكيف وصل للبغدادى والقفطى وابن العبرى دون الناس جميعا… إلخ؟ بكل يقين لم ينزل عليهم به وحى من السماء، فمن إذن أخبرهم به؟ ولماذا سكتوا فلم يحاول أى منهم أن يناقش هذه النقطة، وهو يعرف أنه أول من تناول الأمر؟ إن مثل ذلك الخبر لم يكن ليصح أن يمر على هؤلاء الكتاب دون أن يقلّبوه على كل وجوهه فيذكروا لنا مصدره وقائله والظروف التى سمعوا به فيها؟ كذلك فمثل ذلك الخبر ليس مما يصح تسجيله بهذه الخفة واللامبالاة التى سجله بها هؤلاء الثلاثة. إنه اتهام خطير لا يُقْبَل من أى إنسان إلقاؤه هكذا دون التثبت من صحة مصدره والظروف التى سمعه فيها. لقد كان هناك كتاب نصارى مثل ثيوفانس (البيزنطى) ويحيى بن عَدِىّ (العربى) ويوحنا النقيوسى وابن البطريق (المصريين) مثلا قبل هؤلاء الثلاثة بزمن طويل، وكلهم كان يهمه تشويه صورة الإسلام والمسلمين ورجالاتهم الكبار بكل سبيل، أفلو كان ذلك الخبر صحيحا أكان هؤلاء جميعا، وأشباههم كثيرون، يسكتون عنه فلا يشيروا إليه من قريب أو من بعيد؟
ومن هنا فلا معنى لما قاله جرجى زيدان، الذى يفترض أن المصادر الإسلامية المبكرة تكلمت عن هذا الموضوع، لكن المسلمين بعد تمدنهم حذفوا هذا الكلام تصورا منهم أنه يسىء إلى دينهم وكبار رجالهم[1]. إنها حجة غير مقبولة البتة لأن السكوت عن هذا الموضوع لا يقتصر على المصادر الإسلامية وحدها كما رأينا، فضلا عن أن المسلمين، على العكس مما يقول، كانوا لا يتركون صغيرة ولا كبيرة إلا وسجلوها وأفاضوا فيها القول مهما كان من إساءتها إليهم حتى إننا لنشكو مُرَّ الشكوى من هذا الأمر الذى يستغله خصوم الإسلام الآن، وأرى أن المسلمين المتقدمين ما كانوا ليبالوا به أدنى بالة، إذ كانوا من القوة والعافية والثقة بأنفسهم وبدولتهم وتاريخهم ورجالهم بحيث ما كانوا ليفكروا فى هذه الاعتبارات. ولو افترضنا أنهم فعلا قد تصوروا فيما بعد أنها مسيئة إليهم لقد كان فى مناقشتهم لها وردهم على ما جاء فيها مندوحة واسعة بدلا من حذفها. ومعروف أن مناقشة الفكرة بفكرة مثلها كانت سُنَّة المسلمين، وإلا فكيف وصلت إلينا كتب الملاحدة والشكّاكين من المنتسبين إلى الإسلام، وكذلك كتب الفرق المختلفة التى يكذب بعضها بعضا وتتصور كل فرقة أنها هى وحدها الصواب؟ بل كيف وصلت إلينا كتب اليهود والنصارى التى هاجموا فيها الإسلام؟ وحتى لو غضضنا النظر عن ذلك وقلنا إن الحذف قد حصل فهو خاص بالنسخ الجديدة، أما القديمة فبقيت على حالها، اللهم إلا إذا زعمنا كذبا وبهتانا أن متولى رقابة المخطوطات داروا على أصحاب النسخ الجديدة واحدا واحدا فأعطوه نسخة جديدة وأخذوا منه القديمة ودمروها بحيث لا يتبقى منها أى أثر. ولنفترض أننا غضضنا البصر عن هذا أيضا أمن الممكن أن يتواطأ على ذلك المسلمون والمنتسبون إلى الإسلام جميعا سُنّةً وخوارجَ ومعتزلةً ومتصوفةً وملاحدةً ومنافقين، ودعنا من اليهود والنصارى والصابئة والمجوس الذين كانوا يستظلون بظل الدولة الإسلامية آنذاك. ولا تنس الشيعة وكتابهم ومؤرخيهم، فما كانوا ليفلتوا مثل تلك الفرصة الخطيرة دون أن ينتهزوها ليشوهوا صورة عمر بن الخطاب، الذى لم يتركوا مثلبة إلا وألصقوها به وافْتَرَوْا عليه المفتريات التى لا تدخل العقل كما يعرف ذلك كل أحد، وكذلك عمرو بن العاص، الذى اتخذ جانب معاوية ضد على بن أبى طالب، لكننا ننظر فلا نلفى أحدا منهم ينبس ببنت شفة واحدة فى هذ الموضوع! ولو كان عمرو وعمر قد أحرقا مكتبة الإسكندرية لَطَنْطَنُوا بالزِّرَايَة عليهما والمقارنة بين هذين الكارِهَيْن للكتب والمكتبات وبين عَلِىّ بن أبى طالب باب مدينة العلم كما يصفونه، ولكن الشيعة لم يفعلوا، فما معناه؟ ثم فلنفترض أننا غضضنا النظر أيضا عن كل ما قلناه، فلم يا ترى ترك المسلمون ما كتبه عبد اللطيف البغدادى والقفطى فلم يحذفوه ما دام الحذف عندهم سهلا إلى هذا المدى؟
ثم بعد الانتهاء من خطوتنا الأولى نُثَنِّى بتحليل النص ذاته. وسوف أنقل ما كتبه كل واحد من الثلاثة اذين أوردوا فى كتبهم هذه الحكاية: فأما البغدادى فعبارته شديدة الإيجاز وتجرى على النحو التالى: "وفيها (أى فى دار العلم التى أنشأها الإسكندر الأكبر بمدينة الإسكندرية) كانت خزانة الكتب التى أحرقها عمرو بن العاص بإذن عمر رضى الله عنه"[2]. ولا ينبغى أن يفوتنا أن البغدادى كان مارا بمصر، إذ كان رحالة يجوب البلاد، ولم يكن من أهلها.
وأما ما كتبه القفطى فهو متاح فى المادة المخصصة ليحيى النحوى من كتابه: "تاريخ الحكماء"، وهو يجرى هكذا: "يحيى النحوى المصرى الإسكندرانى تلميذ شاوارى. كان أسقفا فى كنيسة الإسكندرية بمصر، ويعتقد مذهب النصارى اليعقوبية، ثم رجع عما يعتقده النصسارى فى التثليث لما قرأ كتب الحكمة واستحال عنده جًعْل الواحد ثلاثة، والثلاثة واحدا. ولما تحققت الأساقفة بمصر رجوعه عزَّ عليهم ذلك، فاجتمعوا إليه وناظروه، فغُلِب وزُيِّف طريقُه، فعَزَّ عليهم جهله واستعطفوه وآنسوه وسألوه الرجوع عما هو عليه وترك إظهار ما تحققه وناظرهم عليه، فلم يرجع، فأسقطوه من المنزلة التى هو فيها بعد خطوب جرت. وعاش إلى أنْ فتح عمرو مصر والإسكندرية، ودخل على عمرو، ورأى له موضعا، وسمع كلامه أيضا فى انقضاء البدهر، ففُتِن به وشاهد من حججه المنطقية، وسمع من ألفاظه الفلسفية التى لم تكن للعرب بها أُنْسَةٌ ما هَالَهُ. وكان عمرو عاقلا حسن الاستماع صحيح الفكر، فلازمه. وكان لا يكاد يفارقه، ثم قال له يحيى يوما: إنك قد أحطت حواصل الإسكندرية وختمتَ على كل الأصناف الموجودة بها: فأما ما لك به انتفاع فلا أعارضك فيه، وما لا انتفاع لكم به فنحن أولى به، فَأْمٌرْ بالإفراج عنه. فقال له عمرو: وما الذى تحتاج إليه؟ قال: كُتُب الحكمة التى فى الخزائن الملوكية". ثم مضى يصف ما فيها من الكتب، ذاكرا من أنشأها ومن اعتنى بها… فـ"قال (عمرو): لا يمكننى أن آمر فيها إلا بعد استئذان أمير المؤمنين عمر بن الخطاب. وكتب إلى عمر وعرَّفه قولَ يحيى الذى ذكرناه واستأذنه ماذا يصنع فيها. فورد إليه كتاب عمر يقول فيه: وأما الكتب التى ذكرتَها فإن كان فيه ما يوافق كتابَ الله ففى كتاب الله عنه غِنًى. وإن كان فيها ما يخالف كتاب الله فلا حاجة إليه، فتَقَدَّمْ بإعدامها. فشرع عمرو بن العاص فى تفرقتها على حمامات الإسكندرية وإحراقها فى مواقدها. وذُكِرَت عِدّة الحمامات يومئذ، وأُنْسيتُها، فذكروا أنها استُنْفِدَتْ فى مدة ستة أشهر. فاسمع ما جرى واعجب!"[3]
ويبقى ابن العبرى، الذى كان يضع كلام القفطى أمام عينيه وهو يسطر ما كتبه، والذى لا يوجد فى النسخة السريانية من كتابه النص التالى الذى يتناول الموضوع ذاته: "وفى هذا الزمان (أى فى خلافة عمر بن الخطاب) اشتهر بين الإسلاميين يحيى المعروف عندنا بـ"غرماطيقوس"، أى النحوى. وكان إسكندريا يعتقد اعتقاد النصارى اليعقوبية ويشيد عقيدة ساورى. ثم رجع عما يعتقده النصارى فى التثليث، فاجتمع إليه الأساقفة بمصر وسألوه الرجوع عما هو عليه، فلم يرجع، فأسقطوه عن منزلته. وعاش إلى أن فتح عمرو بن العاص مدينة الإسكندرية. ودخل على عمرو وقد عرف موضعه من العلوم، فأكرمه عمرو وسمع من ألفاظه الفلسفية التى لم تكن للعرب بها أُنْسَةٌ ما هَالَهُ ففُتِنَ به. وكان عمرو عاقلا حسن الاستماع صحيح الفكر فلازمه، وكان لا يفارقه. ثم قال له يحيى يوما: إنك قد أحطتَ بحواصل الإسكندرية وختمت على كل الأصناف الموجودة بها: فما لك به انتفاع فلا أعارضك فيه، وما لا انتفاع به فنحن أولى به. فقال له عمرو: وما الذى تحتاج إليه؟ قال: كُتُب الحكمة التى فى الخزائن الملوكية. فقال له عمرو: لا يمكننى أن آمر فيها إلا بعد استئذان عمر بن الخطاب. وكتب إلى عمر وعرَّفه قَوْلَ يحيى، فورد إليه كتاب عمر يقول فيه: وأما الكتب التى ذكرتَها فإن كان فيه ما يوافق كتابَ الله ففى كتاب الله عنه غِنًى. وإن كان فيها ما يخالف كتاب الله فلا حاجة إليه، فتَقَدَّمْ بإعدامها. فشرع عمرو بن العاص فى تفريقها على حمامات الإسكندرية وإحراقها فى مواقدها، فاستُوقِدَتْ فى مدة ستة أشهر. فاسمع ما جرى واعجب"[4].
وبعدما أوردنا ما قاله كل من الثلاثة نشرع على بركة الله فى التحليل، فنقول: من المعروف أن يوحنا النحوى لم يكن عربيا، فلم يكن يعرف العربية من ثم، مثلما لم يكن ابن العاص مصريا، وعليه لم يكن يعرف اللغة المصرية، كما لم يكن يعرف أية لغة أخرى غير العربية يمكنه التخاطب من خلالها مع يوحنا النحوى، فكيف إذن كانا يتفاهمان؟ الحق أن أقصى ما يمكن أن نتخيله هو أن يكون يوحنا النحوى قد التقط بعض الكلمات والعبارات الأولية العربية فى تلك الأشهر القليلة جدا التى انقضت ما بين دخول العرب مصر وفتحهم الإسكندرية يستطيع بها أن يتبادل مع العرب التحية وما إلى ذلك من الموضوعات البسيطة التى لا تحوج صاحبها ولا مستمعها أبدا إلى التبحر فى اللغة كما يحدث للواحد منا حين يذهب إلى بريطانيا مثلا أو فرنسا، ولا يكون قد ألم بشىء ذى قيمة من لغة ذلك البلد، اللهم إلا بضع كلمات وعبارات تساعده على طلب الطعام أو السؤال عن الطريق مثلا. وقد جعلتُ يوحنا هو الذى يتعلم لغة العرب لأنهم هم الفاتحون، فمن الطبيعى أن يتعلم هو المصرىَّ لغةَ عمرو لا العكس. أما الكلام فى الفلسفة والعلوم الطبيعية والمفاهيم الفلسفية والعلمية الدقيقة فهذا هو المستحيل بعينه. فلو زدتَ على ذلك أن ابن العاص لم يكن مؤهلا بطبيعة ظروفه الثقافية أن يتابع مثل تلك المناقشات، كما لم تكن العربية قد تأهلت بعد لتسع الفلسفات والعلوم بمصطلحاتها الكثيرة المعقدة ونظرياتها ومفاهيمها العالية التى لم يكن للعرب بها أى عهد، وبالتالى لا يمكن المترجم، لو كان هناك مترجم، أن ينقل هذه المصطلحات والمفاهيم إلى العربية، لتبين لنا أن جريان مناقشة بين ابن العاص ويوحنا النحوى فى الموضوعات التى ذكر ابن العبرى أنهما كانا يتناقشان فيها أمر لا يتصوره من كان فى رأسه مُسْكَةٌ من عقل. ثم هل كان وقت ابن العاص، فى تلك الأيام المضطربة المملوءة بالقتال والمعاهدات والمؤامرات والترقب والقلق والتوجس ويُصْنَع فيها التاريخ صناعة، ليسمح بمثل تلك الجلسات والمناقشات التَّرَفِيّة، إن كان أمثاله فى ذلك الحين يميلون إليها؟
كذلك كان يوحنا، كما يُفْهَم من كلام القفطى وابن العبرى، قريبا جدا من دين المسلمين، إذ هو لا يؤمن بالتثليث ولا بالصليب، فمن المستبعد أن يرفض عمرو له طلبا كهذا كان يستطيع على الأقل أن يحققه له جزئيا فيتركه يأخذ من كتب المكتبة الإسكندرانية ما يكفى استعماله الشخصى مثلا دون أن يضر المسلمين ولا شخصه هو فى شىء بدلا من أن يعقّد المسألة كل هذا التعقيد الذى تصوره الرواية، وفى نفس الوقت يتألف قلبه ولا يخزيه أمام الآخرين ممن يدينون بالصليب والثالوث. على أن الطريف لى المسألة هو أن يوحنا إنما تحدث عن حاجته هو وأمثاله إلى تلك الكتب، لنفاجأ بابن الخطاب يتحدث كما لو كان العرض المقترح هو أن يستعملها المسلمون. ولكن ما دام لن يستعملها المسلمون، بل المصريون، فما معنى أن يقول إنها إن كانت توافق القرآن ففى القرآن غُنْيَةٌ عنها، وإن كانت تخالفه فلا يصحّ للمسلم قراءتها؟ إن ابن العاص يسأله عن شىء، فيجيبه هو عن شىء آخر لم يُسْتَفْتَ فيه ولا كان مطروحا أصلا للبحث. وفى أمثال العرب: "أُرِيها السُّهَا، وتُرِينى القمر"! ليس ذلك فحسب، إذ كان العرب لا يقدرون أصلا على استعمال المكتبة لأنهم لم يكونوا فى ذلك الطور من تاريخهم الثقافى مؤهَّلين للنظر فى كتبها ولا حتى لقراءتها مجرد قراءة لجهلهم اللغة المصرية أو اليونانية التى كُتِبَتْ بها. أى أنها، لو أبقى ابن العاص عليها، لن تشكّل لهم أى ضرر على الإطلاق. كما يلفت النظر فى كلام يوحنا قوله لعمرو: "ما لك به انتفاع فلا أعارضك فيه، وما لا انتفاع به فنحن أولى به"، فهل من المتصور أن يجرؤ يوحنا، مهما كان قربه من عمرو، على مخاطبة الفاتح المنتصر بهذه اللهجة، وكأنه كان قادرا على أن يعارض العرب فى شىء؟ وهل كان يوحنا من أهل السياسة حتى يفكر فى مفاوضة ابن العاص على هذا النحو؟ فمن فوّضه يا ترى فى الحديث عن أهل الإسكندرية؟ ودعنا من مصر كلها. بل هل كان هناك مجال للمفاوضة، وقد استسلمت الإسكندرية وتم الصلح وأُقِرَّت شروطه واتُّفِق فيه على كل شىء يتعلق بها؟ثم لماذا يتكلف عمرو مشقة متابعة نقل الكتب من المكتبة إلى حمامات المدينة بدلا من الأمر بحرقها فى مكان واحد؟ ولقد قام رفيق العظم بحساب الكتب التى تلزم لإيقاد النار فى حمامات الإسكندرية الأربعة الآلاف على أساس أن كل حمام يلزمه فى اليوم مائة مجلد، فوجد أن عدد الكتب فى مكتبة الإسكندرية ينبغى أن يكون اثنين وسبعين مليون مجلد. وأى مكتبة فى العالم تحتوى على هذا القدر من الكتب كما يقول بحق؟[5] ثم لماذا يتكلف عمرو مشقة متابعة نقل الكتب من المكتبة إلى حمامات المدينة بدلا من الأمر بحرقها فى مكان واحد؟ فإذا علمنا أن الرقوق، التى كانت تكتب عليها الكتب فى الغالب أوانذاك، لا تقبل الاشتعال كما يقول ألفرد بتلر فى الفصل الذى خصصه من كتابه عن فتح مصر لهذا الموضوع تبين لنا أن المسألة كلها لا تعدو أن تكون زوبعة فى كستبان لا فى فنجان إن كان للزوابع أن تهيج فى الفناجين والكستبانات!
وهذا كله إن كان عمرو بن العاص ويوحنا النحوى قد تقابلا أو حتى تعاصرا، اللهم إلا ثلاث سنوات تبدأ من ولادة عمرو وتنتهى بوفاة يوحنا، وكان بينهما من المسافة ما بين مصر والحجاز، ومن الثقافة ما بين فيلسوف ورجل دين مصرى فى القرن السادس الميلادى وبين رجل عربى كل ما يقدر عليه فى ميدان الثقافة هو القراءة والكتابة. أما والنحوى قد مات، وعمرو حديث عهد بالولادة[6]، فلا ريب أنه من المضحك القول بأنه كان بينهما بعد ذلك بعشرات السنين أى كلام بشأن المكتبة أو بشأن أى شىء آخر. ذلك أن الموتى لا يتكلمون، فضلا عن أن يتناقشوا فى الفلسفة والعقائد والمذاهب الدينية. أم هناك من يجادل فى تلك الحقيقة؟ ولقد تركت هذه المعلومة لآخر لحظة حتى يشعر القارئ بتفاهة الاتهام شعورا قويا لا ينساه مدى الدهر. أما لو كنت ألقيتها له منذ الوهلة الأولى لما أدرك قيمتها كما ينبغى، إذ إن ما نحصل عليه م بعد تعب وصعوبة أقوى فى الرسوخ فى الذاكرة وأبلغ فى البرهنة على ما نريد مما لو كنا حصلنا عليه بسهولة.
ومع ذلك كله فلسوف نمضى مع الاتهام نناقشه وكأننا لم نقم الدليل على سخفه ونسفناه نفسا. ولم لا؟ إنها لفرصة لعرض عظمة الإسلام ورجاله. وكم من نِقْمَةٍ حَوَتْ فى طَيِّها نعمةً بل نِعَمًا! أما بالنسبة إلى شخصية ابن العاص وابن الخطاب فقد كان كل منهما من القارئين الكاتبين القلائل قى مكة قبل الإسلام، فلم يكن أى منهما بالذى يجهل قيمة القراءة والكتابة والكتب. ولم يُعْرَف عن أى منهما تنطع ولا تنطس دينى من أى نوع. لقد كانا من رجال الدول الكبار الواسعى الأفق بحيث لا يمكن أن يتصورهما الإنسان واقفين ولو للحظة واحدة أمام موضوع المكتبة بوصفه يمثل أية مشكلة على الإطلاق: فأما ابن الخطاب فكان حاكم دولة عبقريا قوى الشخصية يغوص إلى أعماق الإسلام فى بصيرة نادرة وعقل متفتح وقلب شجاع مقدام لا يعرف سُخْف الصِّغَار من ضيقى الأفق الذين ينظرون إلى الدنيا والناس والدين من ثَقْب إبرة، بل كانت له آراؤه واجتهاداته اللوذعية العجيبة[7]. وكان طُلَعَةً يحب معرفة ما عند الآخرين، فكان يذهب على أيام النبى إلى اليهود ويخالطهم وينظر فى كتبهم، وإن كان التبى صلى الله عليه وسلم قد نهاه عن ذلك، لكن لا بد مع ذلك من مراعاة أنه صلى الله عليه وسلم لم يأمر بحرق مثل تلك الكتب فى يوم من الأيام. كما ظل رضى الله عنه يروى شعر الجاهلية ويسمعه بعد الإسلام دون أى تحرج. والمعروف أنه كان عليما بتاريخ العرب وأيامها ومفاخر أنسابها وسائر أمثالها. أليس معنى ذلك إدراكه أن الثقافة غير محصورة بين دفتى المصحف رغم أن فى القرآن تبيانا لكل شىء؟ نعم فى القرآن تبيان لكل شىء، لكن من ناحية الخطوط العامة فلا يحتوى هو من ثم على التفصيلات إلا قليلا. ولو كان عمر بهذا الضيق فى التفكير لانتهز الفرصة التى واتته على طبق من ذهب من تلقاء نفسها ولصَلَّى فى كنيسة القيامة وصَيَّرها، أو أَوْعَز لرجاله أن يصيِّروها، مسجدا حين عرض عليه صفرنيوس بَطْريقُ القدس أن يؤدى فيها الصلاة لَدُنْ دخول وقتها، لكنه رضى الله عنه رفض وأصر على الصلاة خارجها رهبةَ أنْ يأتى المسلمون من بعده فيستولوا عليها ويجعلوها مسجدا بحجة أن عمر صلى فيها. فهل من يصل فى نبله وتجرده وكرمه وسعة أفقه وشفقته على عقائد المخالفين واحترامه لدور عبادتهم إلى هذا المدى البعيد يمكن أن يتدهدى إلى حضيض الغُشْم الذى تدّعيه تلك الرواية الفاشلة فيأمر بحرق مكتبة لا تضره ولا تضر المسلمين فى شىء؟ ثم إن المكتبات لم تكن بالنسبة لعُمَرَ وعَمْرٍو شيئا جديدا، إذ كان عند بعض الصحابة كتب، كسعد بن عُبَادة مثلا، الذى كانت له مكتبة خاصة صغيرة تحتوى، ضمن ما تحتوى، على أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم[8].
ثم هل يصح أن نصدق ما نُسِب إلى عمر فى حق مكتبة الإسكندرية، وهو الذى كان يقول للقاضى عند تعيينه: "إذا جاءك شىء فى كتاب الله فاقض به، ولا يَلْفِتََّك عنه الرجال. فإن جاءك أمر ليس فى كتاب الله فانظر سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم فاقض بها. فإن جاءك أمر ليس فى كتاب الله ولم يكن فى سنة من رسول الله فانظر ما اجتمع عليه الناس فخذ به. فإن جاءك ما ليس فى كتاب الله ولم يكن فيه سنة من رسول الله ولم يتكلم فيه أحد قبلك فاختر أى الرأيين شئت: إن شئت أن تجتهد رأيك وتَقَدَّم فتَقَدَّمْ، وإن شئت أن تَأَخَّرَ فتَأَخَّرْ. ولا أرى التأخير إلا خيرا لك"؟ ترى إذا كان ممكنا فى رأيه ألا يجد القاضى فى كتاب الله، بل ولا فى سنة رسول الله، حكما دينيا فى مسألة ما، فكيف يتصور أن فى القرآن ما يغنى عن مكتبة كمكتبة الإسكندرية فيها من علوم الدنيا ما ليس من أمور الوحى؟ كذلك أنشئت فى عهده دواوين الإحصاء والخراج والمحاسبة، وكذلك البريد وبيت المال وبيت سك النقود وما إلى ذلك، وأوكل الإشراف على بعضها لغير العرب بلغاتهم. فهل مثل هذا الرجل يمكن أن يأمر بحرق مكتبة للسبب الذى نعرفه؟
وأما ابن العاص فكان واحدا من كبار قادة الإسلام. كما كان سفيرا لقريش إلى النجاشى، وللرسول إلى مَلِكَىْ عُمَان ابنى الجَلَنْدَى. وكان كذلك تاجرا صاحب جولات داخل البلاد وخارج البلاد، وزار مصر فى الجاهلية ور

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

مسلمات أمريكيات يتهمن مفسرى القرآن بظلم المرأة ويقدمن تفسيرا نسويا بديلا

كتبها ibrahim awad ، في 4 يونيو 2011 الساعة: 22:45 م

 

مسلمات متأمركات

يتّهمن مفسرى القرآن بظلم المرأة

ويقدّمن تفسيرا نسويا بديلا!

د. إبراهيم عوض

فى كتابها:""Believing
women" in Islam: unreading patriarchal interpretations of the:Qur’ān
النساء
المؤمنات داخل الإسلام - نَسْخ التفسير البطرياركى للقرآن" (ط.
/University
of Texas Press
2002م) تؤكد د. أسماء
بارْلَس المتأمركة ذات الأصل الباكستانى (
Asma Barlas.
وبالمناسبة فـ"بارلس" هو اسم القبيلة المغولية التى كان ينتمى إليها
جنكيز خان وتيمورلنك كما جاء فى كل من مادة "
Tamerlane"
بـ"موسوعة الإنكارتا" الإنجليزية/ ط2009م، ومادة "
Barlas"
بـ"موسوعة الويكيبيديا" الفرنسية) أن القرآن لا يعكس من خلال نصوصه
وجهةَ نظرٍ بطرياركيةً، ولكن تفسيره خضع مع ذلك لتأثير المجتمع البطرياركى الذى
نزل فيه، فكان لزاما عليها، كما تقول، أن تنقى التفسير من تلك التأثيرات
البطرياركية (ص
XI).
هذا ما قالته بارلس: فأما أن القرآن لا يعكس وجهة النظر البطرياركية فهو أمر
طبيعى، إذ هو من عند الله رب البشر جميعا، أى رب الرجال والنساء معا لا رب الرجال
وحدهم، بالضبط كما أنه سبحانه وتعالى ليس رب النساء وحدهن. ومن ثم لا يمكن أن
يحابى جنس الرجال أو جنس النساء، بل يعاملهما جميعا بالعدل بل بالإكرام، معطيا كل
ذى حق حقه وزيادة.

ثم تضيف قائلة
إنها ألَّفت هذا الكتاب لتبين للمرأة المسلمة أنها تستطيع المناضلة من داخل
الإسلام نفسه ضد الظلم الواقع عليها على عكس ما يعتقد المحافظون  والتقدميون على السواء، وإنها لتشعر بالإحباط جَرّاء
ما تسمعه من بعض الناس من أن الإسلامية هى الإسلامية، بمعنى أنه لا أمل فى أن تحصل
المرأة المسلمة على حقوقها من داخل الإسلام، إذ ترى أن الربط بين الإسلام وظلم
المرأة هو انعكاس للقراءة الخاطئة للقرآن المجيد والاعتقاد بأنه لا بد من وجود
علماء دينيين يؤخَذ عنهم تفسير كتاب الله. على أنها ترى مع ذلك أن الأمر لن يكون
سهلا بحال فى ظل تحكم "الظلاميين" فى أمور الدين رغم تأكيدها المتكرر
بأنه ليس من حق أحدٍ ادعاءُ احتكار الفهم الصحيح للدين، وكذلك فى ظل عمل الدول
الإسلامية وبعض علماء الدين على منع المسلمين من القراءة. تقصد، فيما أتصور، منعهم
من قراءة القرآن والعمل على فهمه فهما مستقلا. وهو ما يشكل، كما تقول، مفارقة
مضحكة فى ظل ما نعرفه من أن أول آية نزلت على النبى الأمى هى الأمر بالقراءة: "اقرأ".

ونحن معها فى
أن عزوف المسلمين بوجه عام عن القراءة يشكل مفارقة تبعث على الغيظ والإحباط، إذ إن
أول آية نزلت من كتاب الله على رسولنا الكريم كما هو معلوم للجميع هى قوله عز
شأنه: "اقرأ باسم ربك الذى خَلَق". فكيف وصل الحال بأمة الإسلام إلى أن
تكره القراءة كل هذه الكراهية رغم ما للعلم وللسعى فى سبيل تحصيله فى الإسلام من
مكانة لا تكاد تدانيها مكانة حتى إن الإسلام ليفضل العالم على العابد تفضيلا
كبيرا، وحتى إن الشىء الوحيد الذى أُمِر الرسول الكريم بالاستزادة منه هو العلم: "وقل:
ربِّ، زدْنى علما"، بل حتى إن السعى وراء تحصيل العلم هو فرض واجب يأثم
المسلم بإهماله، وليس مجرد حق من الحقوق يمكنه أخذه أو تركه؟ أما أن هناك دولا
إسلامية تمنع الناس من قراءة القرآن وفهمه فلا أدرى عن أية دولة أو دول تتحدث
الكاتبة، إذ لم أسمع يوما بشىء من هذا. اللهم إلا إذا كانت تقصد أن العلماء قد
يبدون استنكارهم حين يرون شخصا غير مؤهل، على الأقل: فى نظرهم، يتصدى للحديث
والفتيا فى أمور الدين. فإن كان الأمر كذلك لقد كان يجب عليها، وهى الأستاذة
الجامعية، أن تعرف أن التخصص أمر لا بد منه إذا أراد الإنسان أن يزج بأنفه فى قضية
ما. أليس كذلك؟ وليس شرطا أن يكون الإنسان متخرجا من كلية دينية حتى يكون متخصصا.
ذلك أنه من الممكن جدا تعويض هذا بالقراءة الواسعة العميقة والمثابرة ومدارسة
العلماء والانشغال بالأمر انشغالا جادا والمراجعة المستديمة له، فضلا عن أن يكون
الشخص مؤهلا للفهم السليم العميق والتفكير المستقل… إلخ.

ثم تمضى قائلة
إنها، حين ألفت كتابها هذا، لم تضع فى ذهنها أنها تخاطب المسلمين وحدهم، بل
المسلمين ومن يعيشون معهم فى نفس المجتمع، وهو ما جلب عليها العداوة طول الوقت.
تقصد عداوة قطاعات من المسلمين الذين يَرَوْن، حسبما وَضَّحَتْ، أنهم شىء مختلف عن
الآخرين وأن هناك حدودا حاسمة تفصل بينهم وبين أولئك الآخرين، إذ يؤمنون بأن هؤلاء
الآخرين لا يشتركون معهم فى أى شىء، على عكس ما تعتقد هى. فأما أن المسلمين
متفردون بأشياء فهذا صحيح، فهم الوحيدون فى العالم الآن الذين يوحدون الله حق
توحيده، وهم الوحيدون الذين لم يمدوا أيديهم إلى كتابهم المقدس فيحرفوه كما فعلت
أمم أخرى عبثت بكتابها أو نسيته وأهملته فضاع فى أطواء التاريخ. كما أن دينهم دين
عالمى. لكنهم من جهة أخرى بشر من البشر لا يفترقون فى هذا عن أية أمة أخرى من
الأمم. بيد أن قولها إنها، حين ألفت كتابها هذا، قد وضعت غير المسلمين فى اعتبارها
فأخشى ما أخشاه أن يؤثر ذلك على عرضها للإسلام فتعمل على تقريبه ممن يوجدون حولها
من غير المسلمين. فنرجو التنبه إلى هذا حتى لا تنزلق قدم الواحد منا إلى ما لا
تحمد عقباه. أقول هذا وفى ذاكرتى ما صنعته د. لالَة بختيار، وهى أستاذة إيرانية
(متأمركة أيضا) تخطت الستين بأعوام، إذ نراها، فى ترجمتها للقرآن الكريم، تستعمل
على سبيل المثال كلمة"
submission:
الخضوع" بدلا من"
Islam:
الإسلام"، و"
ungrateful:
منكر للنعمة" بدل "
:disbeliever
كافر"، و"
way of life:
طريقة حياة" مكان "
religion:
دين"…، كل ذلك كى لا تؤذى غير المسلمين فى مشاعرهم، وهو ما يفسد الأمور
إفسادا شديدا دون أى وجهٍ سوى الشعور بالنقص ومحاولة التقرب إلى الآخرين على حساب
الإسلام نفسه. ولو كان هذا الذى صنعته تلك السيدة صحيحا، فكيف لم يفعله الله
سبحانه وتعالى؟ أتراها تعدّل ما عمله الله؟ لكنْ هل ما عمله الله خطأ حتى تأتى هى
فتستدرك عليه؟ الواقع أنه لو فعل كل أصحاب دينٍ هذا الذى صنعته ما بقى هناك دين
على حاله ولصارت الأديان شيئا آخر غير ما هى عليه، فما بالنا بالإسلام، الذى جاء
كى يكون مهيمنا على الكتب الدينية الأخرى ويصحِّحها لا أن يصحَّح ليتطابق معها؟

جدير بالذكر أن
د. بختيار هى ابنة طبيب إيرانى تلقى تعليمه فى أمريكا وممرضة أمريكية بروتستانتية،
وتربت تربية أمريكية كاثوليكية ثم تحولت إلى الإسلام بعدما كبرت وتزوجت ورجعت إلى
إيران، وإن كانت قد طُلِّقَتْ وعادت من جديد إلى الولايات المتحدة عام 1988م حيث
خلعت الحجاب بعد أن ظلت ترتديه فترة طويلة، وذلك تجنبا للفت الأنظار واستعراض
تمسكها بالإسلام بعد أحداث الحادى عشر من سبتمبر 20001 حسبما أخبرتنا. وقد وفرت
لها دار النشر التى أصدرت الترجمة المذكورة كل وسائل الراحة المادية والمعنوية كى
تنجز ترجمتها، التى أرجو أن أتمكن من الحصول على نسخة منها عما قريب وأن تتاح لى
الفرصة لدراستها دراسة مفصلة قبل أن أصدر حكمى عليها (انظر هذا الرابط:
http://www.asmasociety.org/news/ct.pdf).
وإذا كان الشىء بالشىء يُذْكَر فقد جرى محمد أسد فى ترجمته للقرآن المجيد، التى
أصدرها فى ثمانينات القرن الماضى، على شىء مثل هذا، وهو ما نبهت إليه فى كتابى: "فكر
محمد أسد (ليوبولد فايس) كما لا يعرفه الكثيرون". والغريب أن الحجة التى
استندت إليها السيدة بختيار لتسويغ فعلتها هى أن الإسلام دين عالمى يخاطب الناس
جميعا. ذلك أن ما صنعته إنما يتناقض مع تلك العالمية، إذ بدلا من دعوة الناس
للدخول فى دين الله وتغيير أنفسهم حتى تتسق حياتهم معه نراها تغير الدين نفسه
ومفاهيمه حتى تتسق مع أوضاع غير المسلمين. وهَبِ الأمر كما تقول، أيصح أن أُهْمِل
المسلمين وأَضْبِط أمرى على أوضاع غيرهم؟

وهذا نص كلامها
فى الموضوع (وهو موجود على الرابط التالى:
http://www.sublimequran.org/):"In addition to the translation being
unbounded by time, in several sensitive cases, the word chosen to translate an
Arabic word is also of a universal rather than a particular nature. This then
broadens the perspective and scope of the Quran so that it becomes inclusive
rather than exclusive to one particular group of people. In other words, in
this way a larger audience can relate to its message. Examples of this would be
the translation of the derivatives of k f r, literally meaning: To hide or
cover over something. Most English translations use the verb"to
disbelieve” making the active participle"one who disbelieves” or"one
who is an infidel.” In the present translation the more inclusive viable
terminology is used, namely,"to be ungrateful,” the active participle
being"one who is ungrateful.”

The
Quran itself declares its timelessness and universality. Therefore, its
understanding or interpretation must also be eternal and for all time,
inclusive of all of humanity rather than exclusive to one group of people.
Applying the above criterion to the word aslama,"he who submits,” in the
eight times that it appears in the form of islam, it is translated according to
its universal meaning as"submission,” and the forty-two times that its
form as muslim, it is translated according to its universal meaning,"one
who submits.” Or the word for religion, a word clearly misunderstood and even
denigrated by some, the word din actually means"way of life” in its
universal sense and is so translated in the Sublime Quran.
".

وتطرح د. أسماء بارْلَسْ عددا من التساؤلات من بينها السؤال
التالى: هل الإسلام يدعو إلى ظلم المرأة أو على الأقل: يرضى به؟ أم هو على العكس
من ذلك يشجع حرية النساء؟ وهل الله فى الإسلام أب يميل إلى الذكور وله علاقة خاصة
بهم ويرى فيهم تجسيدا لصفاته الإلهية، وينظر إلى النساء على أنهن ضعيفات نجسات
خاطئات؟ وهل يرى فى إدارة الذكور لشؤون الأسرة أمرا ينبغى استمراره بوصفه قاعدة
خالدة كما يقول البطرياركيون؟ وهل الإسلام يقيم فروقا بين الجنسين وانحيازا إلى
الذكور وتفضيلا لهم على أساس الاختلافات البيولوجية بينهم وبين النساء؟ أم إن
تعاليم القرآن تنتصر للمساواة والتشابه بين الجنسين؟

فأما أن القرآن
يحابى الرجال فكلا ثم كلا، فليس الله ذكرا ولا أنثى حتى يقال إنه يميل ناحية جنسه،
أستغفر الله تعالى! لكنى فى ذات الوقت لا أفهم كيف يشجع الله حرية النساء، إذ ما
المقصود بالحرية هنا؟ الواقع أنه ما من دين، بل ما من فلسفة أو نظام إلا وله قيوده
التى لا بد لأتباعه أن يتقيدوا بها. هذه هى الحياة، وتلك هى أوضاعها، ولا محيد عن
ذلك أبدا. ومن ثم فلا الرجل ولا المرأة حران تاما الحرية، إذ هناك الحلال والحرام
والأعراف والتقاليد واللائق وغير اللائق… إلخ، ولا مناص من مراعاة ذلك كله، وإلا
فالحرية المطلقة إنما هى وهم لا وجود له فى أى مكان فى الدنيا لا فى السماوات ولا
فى الأرضين، فنحن مخلوقون، وكل أمورنا نسبية بما فيها بل على رأسها الحرية. والله
سبحانه وتعالى لا يرى فى الرجال تجسيدا لصفاته الإلهية، إذ هذه نظرة وثنية لعلاقة
الله بعباده، نعوذ بالله منها. وهناك دائما ذلك الفرق بين الله ومخلوقاته، وهى أن
كل ما فى أيديهم أو يتصفون به هو هِبَةٌ من الله لا كَسْبٌ أنجزوه بأنفسهم من
العدم، كما أن كل ما يتمتعون به من صفات هو نسبى محدود له بداية ونهاية، على حين
أن صفات المولى مطلقة لا تحد، فليس لها من ثم بدء ولا انتهاء.

ثم إن الرجل
والمرأة يستويان فى خضوعهما لتلك القيود، أى فى نسبية الحرية. ونفس الشىء يقال عن
قيود الدين، أى أوامره ونواهيه، إذ هى تلزم الجنسين جميعا لا النساء وحدهن. ومن ثم
فإذا كان الإسلام مثلا يحرّم على الزوجة الزنا، فهو يحرّمه أيضا وبنفس القوة على
الزوج. وعلى ذلك فقس كل أوامر الدين ونواهيه بالنسبة إليهما. لكن لا بد فى نهاية
المطاف أن نكون على ذِكْرٍ من أن للرجل على المرأة درجة بنص القرآن المجيد:"ولهنَّ
مِثْلُ الذى عليهن بالمعروف. وللرجال عليهن درجة" (البقرة/ 228). والمفهوم أن
هذه الدرجة هى درجة القوامة، التى أعطيت للرجل من دون المرأة، إذ ما من مؤسسة أو
شركة إلا ولها رئيس يقوم بمسؤوليتها ويتحمل أعباءها، وإن لم يترتب على هذا أن يكون
هناك سادة وعبيد، بل هى مسألة تنظيمية بحتة. وهذا هو حكم القرآن، فلا مشاحة لمسلم
فى هذا. ولسوف نأتى إلى هذه النقطة بعد قليل. ثم إن الرجل والمرأة فيما وراء ذلك
حُرَّانِ يمكنهما أن ينتجا ويبدعا ويستمتعا بالحياة طعاما وشرابا وجنسا وسماعا
وقراءة وترحالا وبيعا وشراء وعملا ونوما واسترخاء واسترجاعا للذكريات وتطلعا إلى
المستقبل وتربية للأولاد وتزويجا لهم…

أما قولها: هل
ينظر الله إلى النساء على أنهن ضعيفات نجسات خاطئات؟ فالجواب عليه هو أن الله قد
خلق البشر جميعا ضعفاء: الرجال منهم والنساء على السواء. يقول المولى جل جلاله: "وخُلِق
الإنسان ضعيفا". إلا أننا نرى بأعيننا ونلمس بأيدينا ونشعر فى قرارة قلوبنا
ونستنتج بعقولنا التى فى رؤوسنا ونسمع بآذاننا ونحس فى أعماق ضمائرنا صوت الواقع
الحاضر والتاريخ الماضى مؤكدا أن مُنَّة النساء أقلّ من مُنَّة الرجال رغم ما
قلناه من أن الجنسين جميعا قد خُلِقا منذ البداية الأولى ضعيفين كما ورد فى القرآن
الكريم. ذلك أن الرجل أقوى عضليا من المرأة، كما أنه أقدر على تحمل مصاعب الحياة
ولا ينهار أمامها بسهولة، أو على الأقل: لا يسارع إلى البكاء إزاءها كما تفعل
المرأة. ودعنا من أن إنجازاته العقلية أغزر وأعمق من إنجازات شقيقته فى الإنسانية
وتوأم روحه ومكملة وجوده وجاعلة حياته ذات طعم ومعنى، أو (إن كان لابد من القفشة
هنا) محوّلتها جحيما لا يطاق. أما إن لج بعض الناس وقال بغير ما هو مشاهد معلوم لا
ينكره إلا معاند عريق فى المِرَاء فشأنه وذاك.

وإذا كان جون
ستيوارت مِلْ مثلا ينكر أن يكون للتفوق العضلى أى قيمة فى هذا السبيل بحجة أن
الفيل أقوى عضليا من الإنسان، ومع هذا فليست قوة عضلاته ميزة يمتاز بها عليه،
فالرد سهل جدا لمن يريد. فنحن لا نقول إن الرجل لا يملك مثل الفيل سوى القوة
العضلية، ثم تتفوق المرأة عليه بعد ذلك بعقلها، نحن لا نقول هذا، وإلا لكانت
المرأة تلقائيا هى صاحبة القوامة مثلما أن الإنسان هو الذى يقود الفيل حسبما يريد
ويستخدمه فى أعماله لا العكس رغم تفوق الأخير على الأول فى الحجم والقوة الجسدية.
ذلك أن العبرة فى تلك الحالة بالفكر والذكاء والدهاء والتخطيط، بخلاف الأمر فى
المقارنة بين الرجل والمرأة، اللذين لو قلنا على فَرْضًا بتساويهما فى العقل
والذكاء والاختراع والإبداع وسائر الصفات المعنوية لبقى أن الرجل يمتاز عليها
بالقوة العضلية، وهى عامل مرجح شديد الأهمية، إذ هو فى نظر النسويين والنسويات
السبب فى تسيّده عليها منذ فجر التاريخ حتى عصرنا هذا، وليس ذلك بالشىء القليل.

وهذه عبارة
الفيلسوف الإنجليزى:"
But (it is said) there is anatomical
evidence of the superior mental capacity of men compared with women: they have
a larger brain. I reply, that in the first place the fact itself is doubtful.
It is by no means established that the brain of a woman is smaller than that of
a man.If it is inferred merely because a woman’s bodily frame generally is of
less dimensions than a man’s, this criterion would lead to strange
consequences. A tall and large-boned man must on this showing be wonderfully
superior in intelligence to a small man, 
and an elephant or a whale must prodigiously excel mankind
".

كذلك فجون
ستيورات مل يصف عمل المرأة داخل البيت بأنه يحولها إلى خادمة للرجل، على حين أن
عملها خارج البيت يصيّرها شريكة له، والشريكة غير الخادمة. وهذا خطأ فى الوصف
والتشخيص، إذ بهذه الطريقة ينبغى أن نقول عن الرجل، الذى "يطفح الدم" كى
يأتى آخر الشهر فيضع فى يد زوجته ما كسبه كله أو معظمه لتنفق منه عليه وعلى نفسها
هى والأولاد، إنه يشتغل خادما عندها هى وأولادها. وهو ما لا نقوله ولا يقوله عاقل.
ثم إن الناس، رَضُوا أم كرهوا، هم بعض لبعض، وإن لم يشعروا، خدمٌ. خدمٌ بالمعنى
الواسع النبيل، إذ عليهم التعاون معا، وإلا استحالت الحياة والحضارة. أليس كذلك؟
ثم ما الذى فى قيام المرأة مثلا بتعليم أبنائها فى البيت مِنْ عيبٍ ينتفى عند
تعليمها أبناء الآخرين فى المدرسة إذا اشتغلت مدرّسة، وكثيرا ما تشتغل؟ أو ما الذى
فى قيام المرأة بتمريض أبنائها فى البيت مِنْ عَيْبٍ ينتفى عند تمريضها أبناء
الآخرين فى المستشفى إذا اشتغلت ممرضة، وكثيرا ما تشتغل؟ أهى معاندة لمجرد
المعاندة، والسلام؟ هذا، ولا بد أن نوضح أن إنفاق الرجل على زوجته ليس تفضلا منه
يستطيع إيقافه متى أراد، بل هو واجب عليه دينا وعقلا وعدلا. أليست تشتغل فى البيت؟
فهذا مقابل لعمله هو خارج المنزل. فهى، حين تأخذ منه مصروف البيت وثمن ملابسها
وزينتها ونزهتها، إنما تأخذه بوصفه حقا لها لقاء ما تؤديه من أعمال داخل البيت.

أنا لا أقول
إنه يجب على المرأة أن تعود إلى البيت حتما، لكنى شخصيا أوثره على عملها خارج
المنزل. وقبل أن يذهب وهم بعض القراء بعيدا أود أن أبين أن زوجتى حاصلة على
الماجستير، ولولا مؤامرة سخيفة وصغيرة تمت فى غيابنا خارج مصر لكانت قد حصلت أيضا
على الدكتورية. ومع هذا فقد اتفقنا منذ البداية على أن تبقى معززة مكرمة داخل
المنزل، فأعطانا هذا الفرصة للسفر إلى كثير من المدن والقرى المصرية للفرجة
والمتعة وتوسيع المدارك والتغلب على الملل. وقد عملتُ كل ما فى وسعى لتقرأ كثيرا
وعميقا، فاستجابت إلى حد رائع، وإن كانت قد أخلدت فى السنوات الأخيرة إلى الاكتفاء
بمطالعة الكتب السهلة. وكثيرا ما بيضت لى مسودات كتبى على خير وجه، وكانت تتقاضانى
مالا على ذلك فأعطيها إياه وأنا أضحك. وكثيرا أيضا ما علقتْ على ما أكتب، وكان لها
بعض المقترحات التى أخذتُ بعضها بعين الاعتبار ونفذته دون تأفف أو غضاضة.

وهناك من
النسويات المنتسبات إلى الإسلام من ترفض أن يكون للرجل أى تفوق على المرأة، وتنظر
إلى من يقول به على أنه مثل إبليس، الذى دفعته غطرسته إلى رفض السجود لآدم بحجة
أنه مخلوق من نار، وآدم من طين، والنار أسمى من الطين كما جاء فى القرآن الكريم.
وصاحبة هذا الكلام هى د. عزيزة الهِبْرى، وهى متأمركة عربية الأصول. وهى تسمى منطق
القائلين بأن الرجل متفوق على المرأة بـ"المنطق الإبليسى". والحق إنى
لأخشى أن يكون المنطق الإبليسى هو منطقها هى، فنحن حين نقول بهذا لا نقصد أن
الرجال كلهم فى الجنة، والنساء فى النار، بل نقول إن الرجل هو قائد الأسرة، وهذا
كل ما هنالك. وشتان بين هذا وبين ما تقوله الهبرى. ثم هل نفهم من كلامها عن غطرسة
إبليس ورفضه السجود لآدم أنه ينبغى أن يسجد الرجل للمرأة، وإلا كان مصيره هو مصير
أبى الشياطين؟ لا ريب أن هذا منتهى الخلط والتلبيس. ونحن نؤكد أن من المحتمل جدا
أن تدخل كثير من النساء الجنة، ويُلْقَى بأزواجهن رغم ذلك فى قعر الجحيم، إذ لا
نقول بتفوق الرجل على نصفه الحلو من الناحية الأخلاقية، بل من الناحية العضلية
والعقلية، وهى الناحية التى تؤهله أفضل من المرأة للإمساك بزمام الأسرة. لكن ليس
معنى هذا أن كل زوج لا بد أن يكون متفوقا على امرأته، بل يمكن جدا أن تتفوق امرأة
على رجلها فى الشخصية وفى التفكير. إلا أن هذا ليس هو القاعدة، فلا يُعْتَدّ به من
ثم. ثم ما دامت السيدة عزيزة الهبرى قد استشهدت بالقرآن فى قصة آدم وإبليس، فكيف
تجاهلت أن القرآن أيضا هو الذى منح الرجال القوامة على النساء، وجعل لهم عليهن
درجة؟ أم تراها تؤمن ببعض الكتاب وتتنكر لبعض؟ أم ماذا؟

ويجد القارئ
عرضا لكلام الهبرى بقلم أسماء بارلس فى ص 260 من الفصل الذى عقدته لهذا الموضوع
بعنوان "
Women’s
readings of the Quran
"
فى كتاب "
The
Cambridge Companion to the Quran
".
وهذه عبارة بارلس فى نصها الإنجليزى: "
The point of departure for al-Hibri’s
reading of the Quran’s position on sexual equality is different. To her, it is
the principle of God’s unity, or tawhıd, that ‘provides the basis for the
fundamental metaphysical sameness of all humans as creatures of God’. As she
too argues, this sameness is also a function of the fact that all human beings
were created from the same nafs. Thus, while differences exist by divine will,
as the Quran teaches, the most honoured in God’s sight is the most pious; as
such, gender alone cannot render men superior to women. In fact, al-Hibri
derives the same moral from the story of Satan’s fall from divine grace because
of his refusal ‘to bow to Adam in direct contravention of a divine order’.
Satan’s disobedience, she points out, stemmed from his belief that he was
better than Adam ‘because God created him from… “Satanic logic”’ and
maintains that it also underpins patriarchies. Early Muslim jurists, unaware of
this logic, readily accepted ‘the central thesis of patriarchy, namely, that
males were superior to females’. She thus rejects patriarchal readings of
Muslim law on the grounds that ‘they are based on Satanic logic and conflict
with tawhıd’. Since such interpretive reasoning was a product of its own time,
al-Hibri believes that it needs ‘to be reexamined in light of the change in
human consciousness
".

 وأما تساؤل بارلس عن نجاسة النساء فلا موضع له
فى الإسلام، إذ المؤمن لا يَنْجُس أبدا بنص كلام الرسول الكريم صلى الله عليه
وسلم. ومثله المؤمنة أيضا، فـ"المؤمنون والمؤمنات بعضهم من بعض" كما جاء
فى القرآن المجيد، و"النساء شقائق الرجال" كما ورد فى الحديث الشريف.
فعن أبى هريرة قال: "لقيني رسول الله صلى الله عليه وسلم في طريق من طرق
المدينة وأنا جُنُبٌ، فاختنست فذهبت فاغتسلت ثم جئت، فقال: أين كنت يا أبا هريرة؟
قال: قلت: إني كنت جُنُبًا، فكرهت أن أجالسك على غير طهارة. فقال: سبحان الله! إن
المسلم لا يَنْجُس". وعن ابن عباس: "اغتسل بعض أزواج رسول الله صلى الله
عليه وسلم من جفنة، فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم ليغتسل منها أو ليتوضأ،
فقالت له: يا رسول الله، إني كنت جُنُبًا. فقال: إن الماء لا ينجس". ليس ذلك
فحسب، بل إن المسلم إذا مات لا ينجس كذلك، ففى حديث للنبى عليه السلام: "لا
تنجسوا موتاكم، فإن المسلم لا ينجس حيا ولا ميتا". ولعل الكاتبة تشير إلى ما
يعترى النساء من دماء الحيض والنفاس. لكنها ينبغى أن تفهم أن وضع المرأة من هذه
الناحية فى الإسلام يختلف تماما عن وضعها فى اليهودية. فالمسلمة لا تنجس أبدا، ولا
تنجّس أى شىء تلمسه. وفى حالة حيضها أو نفاسها لا يُطْلَب من أهل بيتها الابتعاد
عنها، بل يتعاملون معها بنفس السهولة التى يتعاملون بها فى غير أوقات حيضها
ونفاسها، فيؤاكلونها ويشاربونها ويتحدثون إليها ويلمسونها ويتناولون منها ما تقدمه
إليهم ويجلسون إلى جوارها كأنها لا حائض ولا نفساء، اللهم ما عدا مجامعة زوجها لها
فى تلك الفترة حذرا من التعرض لضرر صحى فيما أفهم. وما عدا هذا فيحق لزوجها أن
يناله منها دون أى حرج. وهذا كل ما هنالك، فلا نجاسة إذن البتة.

أما فى شريعة
العهد القديم فنقرأ فى الإصحاح الخامس عشر من سفر "اللاويين" ما يلى:
"16«وَإِذَا حَدَثَ مِنْ رَجُل اضْطِجَاعُ زَرْعٍ، يَرْحَضُ كُلَّ جَسَدِهِ
بِمَاءٍ، وَيَكُونُ نَجِسًا إِلَى الْمَسَاءِ. 17وَكُلُّ ثَوْبٍ وَكُلُّ جِلْدٍ
يَكُونُ عَلَيْهِ اضْطِجَاعُ زَرْعٍ يُغْسَلُ بِمَاءٍ، وَيَكُونُ نَجِسًا إِلَى الْمَسَاءِ.
18وَالْمَرْأَةُ الَّتِي يَضْطَجِعُ مَعَهَا رَجُلٌ اضْطِجَاعَ زَرْعٍ،
يَسْتَحِمَّانِ بِمَاءٍ، وَيَكُونَانِ نَجِسَيْنِ إِلَى الْمَسَاءِ. 19«وَإِذَا
كَانَتِ امْرَأَةٌ لَهَا سَيْلٌ، وَكَانَ سَيْلُهَا دَمًا فِي لَحْمِهَا،
فَسَبْعَةَ أَيَّامٍ تَكُونُ فِي طَمْثِهَا. وَكُلُّ مَنْ مَسَّهَا يَكُونُ
نَجِسًا إِلَى الْمَسَاءِ. 20وَكُلُّ مَا تَضْطَجِعُ عَلَيْهِ فِي طَمْثِهَا
يَكُونُ نَجِسًا، وَكُلُّ مَا تَجْلِسُ عَلَيْهِ يَكُونُ نَجِسًا. 21وَكُلُّ مَنْ
مَسَّ فِرَاشَهَا يَغْسِلُ ثِيَابَهُ وَيَسْتَحِمُّ بِمَاءٍ، وَيَكُونُ نَجِسًا
إِلَى الْمَسَاءِ. 22وَكُلُّ مَنْ مَسَّ مَتَاعًا تَجْلِسُ عَلَيْهِ، يَغْسِلُ
ثِيَابَهُ وَيَسْتَحِمُّ بِمَاءٍ، وَيَكُونُ نَجِسًا إِلَى الْمَسَاءِ. 23وَإِنْ
كَانَ عَلَى الْفِرَاشِ أَوْ عَلَى الْمَتَاعِ الَّذِي هِيَ جَالِسَةٌ عَلَيْهِ
عِنْدَمَا يَمَسُّهُ، يَكُونُ نَجِسًا إِلَى الْمَسَاءِ. 24وَإِنِ اضْطَجَعَ
مَعَهَا رَجُلٌ فَكَانَ طَمْثُهَا عَلَيْهِ يَكُونُ نَجِسًا سَبْعَةَ أَيَّامٍ.
وَكُلُّ فِرَاشٍ يَضْطَجِعُ عَلَيْهِ يَكُونُ نَجِسًا. 25«وَإِذَا كَانَتِ
امْرَأَةٌ يَسِيلُ سَيْلُ دَمِهَا أَيَّامًا كَثِيرَةً فِي غَيْرِ وَقْتِ
طَمْثِهَا، أَوْ إِذَا سَالَ بَعْدَ طَمْثِهَا، فَتَكُونُ كُلَّ أَيَّامِ
سَيَلاَنِ نَجَاسَتِهَا كَمَا فِي أَيَّامِ طَمْثِهَا. إِنَّهَا نَجِسَةٌ. 26كُلُّ
فِرَاشٍ تَضْطَجِعُ عَلَيْهِ كُلَّ أَيَّامِ سَيْلِهَا يَكُونُ لَهَا كَفِرَاشِ
طَمْثِهَا. وَكُلُّ الأَمْتِعَةِ الَّتِي تَجْلِسُ عَلَيْهَا تَكُونُ نَجِسَةً
كَنَجَاسَةِ طَمْثِهَا. 27وَكُلُّ مَنْ مَسَّهُنَّ يَكُونُ نَجِسًا، فَيَغْسِلُ
ثِيَابَهُ وَيَسْتَحِمُّ بِمَاءٍ، وَيَكُونُ نَجِسًا إِلَى الْمَسَاءِ. 28وَإِذَا
طَهُرَتْ مِنْ سَيْلِهَا تَحْسُبُ، لِنَفْسِهَا سَبْعَةَ أَيَّامٍ ثُمَّ تَطْهُرُ.
29وَفِي الْيَوْمِ الثَّامِنِ تَأْخُذُ لِنَفْسِهَا يَمَامَتَيْنِ أَوْ فَرْخَيْ
حَمَامٍ، وَتَأْتِي بِهِمَا إِلَى الْكَاهِنِ إِلَى بَابِ خَيْمَةِ الاجْتِمَاعِ.
30فَيَعْمَلُ الْكَاهِنُ: الْوَاحِدَ ذَبِيحَةَ خَطِيَّةٍ، وَالآخَرَ مُحْرَقَةً.
وَيُكَفِّرُ عَنْهَا الْكَاهِنُ أَمَامَ الرَّبِّ مِنْ سَيْلِ نَجَاسَتِهَا.
31فَتَعْزِلاَنِ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَنْ نَجَاسَتِهِمْ لِئَلاَّ يَمُوتُوا فِي
نَجَاسَتِهِمْ بِتَنْجِيسِهِمْ مَسْكَنِيَ الَّذِي فِي وَسَطِهِمْ. 32«هذِهِ
شَرِيعَةُ ذِي السَّيْلِ، وَالَّذِي يَحْدُثُ مِنْهُ اضْطِجَاعُ زَرْعٍ
فَيَتَنَجَّسُ بِهَا، 33وَالْعَلِيلَةِ فِي طَمْثِهَا، وَالسَّائِلِ سَيْلُهُ:
الذَّكَرِ وَالأُنْثَى، وَالرَّجُلِ الَّذِي يَضْطَجِعُ مَعَ نَجِسَةٍ»".

ويقول المودودى
فى هذا الصدد فى تفسيره للآية 27 من سورة "النساء" فى تفسيره للقرآن:

ونأتى إلى
الخطيئة. والحق أن الأصل فى الإنسان طبقا لعقيدة الإسلام الطاهرة الكريمة هو
البراءة، وهو ما لا تختلف فيه المرأة عن الرجل بشىء، فهما بريئان إلى أن يرتكب
أحدهما إثما. ومتى استغفر الله وجد الله غفورا رحيما. أما إذا كانت الإشارة هنا
إلى ما يسمى بـ"الخطيئة الأصلية" فهذا أمر لا يمت إلى ثقافة المسلمين
بصلة، إذ الخطيئة الأولى التى اقترفها آدم وحواء قد فُرِغ منها فى التو واللحظة،
وطُوِيَتْ صفحتها تماما بتوبة الله على أبينا وأمنا الأَوَّلَيْن، وأصبحت فى خبر
كان: "وَقُلْنَا يَا آَدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلاَ
مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلاَ تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا
مِنَ الظَّالِمِينَ* فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا
كَانَا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي
الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ* فَتَلَقَّى آَدَمُ مِنْ رَبِّهِ
كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ" (البقرة/
35- 37). بل إن هناك شيئا يلفت النظر فى هذه القضية، ألا وهو أن القرآن، حين يتحدث
عن عصيان الإنسان الأول ووقوعه فى الغَوَاية قبل هبوطه من الجنة التى كان يرتع هو
وامرأته فى بحبوحتها وخيراتها، لا يذكر إلا آدم، وكأن حواء لا وجود لها، أو كأنها
لم تشاركه تلك المعصية: "فعَصَى آدمُ ربَّه فغَوَى* ثم اجتباه ربُّه فتاب
عليه وهَدَى" (طه/121- 122). وأنا، وإن كنت أعتقد أن آدم المذكور فى سياق
العصيان والغواية هو الإنسان عموما لا الإنسان الذكر وحده، أرى أن لهذا الأمر
مغزاه الذى لا ينبغى أن يفوت العين الفاحصة.

هذا ما يقوله
القرآن، أما ما يقوله الكتاب المقدس عند اليهود والنصارى فى ذات الموضوع فموجود فى
الإصحاح الرابع من سفر"التكوين"، وهذا نصه، ومنه يتبين أن الكتاب المقدس
يدين المرأة ويلقى بكل المسؤولية على أم رأسها معفيا الرجل من كل ذنب، وهو ما
يختلف فيه الكتاب المقدس عن كتاب الله: "1وَكَانَتِ الْحَيَّةُ أَحْيَلَ
جَمِيعِ حَيَوَانَاتِ الْبَرِّيَّةِ الَّتِي عَمِلَهَا الرَّبُّ الإِلهُ،
فَقَالَتْ لِلْمَرْأَةِ: «أَحَقًّا قَالَ اللهُ لاَ تَأْكُلاَ مِنْ كُلِّ شَجَرِ
الْجَنَّةِ؟» 2فَقَالَتِ الْمَرْأَةُ لِلْحَيَّةِ: «مِنْ ثَمَرِ شَجَرِ الْجَنَّةِ
نَأْكُلُ، 3وَأَمَّا ثَمَرُ الشَّجَرَةِ الَّتِي فِي وَسَطِ الْجَنَّةِ فَقَالَ
اللهُ: لاَ تَأْكُلاَ مِنْهُ وَلاَ تَمَسَّاهُ لِئَلاَّ تَمُوتَا». 4فَقَالَتِ
الْحَيَّةُ لِلْمَرْأَةِ: «لَنْ تَمُوتَا! 5بَلِ اللهُ عَالِمٌ أَنَّهُ يَوْمَ
تَأْكُلاَنِ مِنْهُ تَنْفَتِحُ أَعْيُنُكُمَا وَتَكُونَانِ كَاللهِ عَارِفَيْنِ
الْخَيْرَ وَالشَّرَّ». 6فَرَأَتِ الْمَرْأَةُ أَنَّ الشَّجَرَةَ جَيِّدَةٌ
لِلأَكْلِ، وَأَنَّهَا بَهِجَةٌ لِلْعُيُونِ، وَأَنَّ الشَّجَرَةَ شَهِيَّةٌ
لِلنَّظَرِ. فَأَخَذَتْ مِنْ ثَمَرِهَا وَأَكَلَتْ، وَأَعْطَتْ رَجُلَهَا أَيْضًا
مَعَهَا فَأَكَلَ. 7فَانْفَتَحَتْ أَعْيُنُهُمَا وَعَلِمَا أَنَّهُمَا
عُرْيَانَانِ. فَخَاطَا أَوْرَاقَ تِينٍ وَصَنَعَا لأَنْفُسِهِمَا مَآزِرَ.
8وَسَمِعَا صَوْتَ الرَّبِّ الإِلهِ مَاشِيًا فِي الْجَنَّةِ عِنْدَ هُبُوبِ رِيحِ
النَّهَارِ، فَاخْتَبَأَ آدَمُ وَامْرَأَتُهُ مِنْ وَجْهِ الرَّبِّ الإِلهِ فِي
وَسَطِ شَجَرِ الْجَنَّةِ. 9فَنَادَى الرَّبُّ الإِلهُ آدَمَ وَقَالَ لَهُ:
«أَيْنَ أَنْتَ؟». 10فَقَالَ: «سَمِعْتُ صَوْتَكَ فِي الْجَنَّةِ فَخَشِيتُ،
لأَنِّي عُرْيَانٌ فَاخْتَبَأْتُ». 11فَقَالَ: «مَنْ أَعْلَمَكَ أَنَّكَ
عُرْيَانٌ؟ هَلْ أَكَلْتَ مِنَ الشَّجَرَةِ الَّتِي أَوْصَيْتُكَ أَنْ لاَ
تَأْكُلَ مِنْهَا؟» 12فَقَالَ آدَمُ: «الْمَرْأَةُ الَّتِي جَعَلْتَهَا مَعِي هِيَ
أَعْطَتْنِي مِنَ الشَّجَرَةِ فَأَكَلْتُ». 13فَقَالَ الرَّبُّ الإِلهُ
لِلْمَرْأَةِ: «مَا هذَا الَّذِي فَعَلْتِ؟» فَقَالَتِ الْمَرْأَةُ: «الْحَيَّةُ
غَرَّتْنِي فَأَكَلْتُ». 14فَقَالَ الرَّبُّ الإِلهُ لِلْحَيَّةِ: «لأَنَّكِ
فَعَلْتِ هذَا، مَلْعُونَةٌ أَنْتِ مِنْ جَمِيعِ الْبَهَائِمِ وَمِنْ جَمِيعِ
وُحُوشِ الْبَرِّيَّةِ. عَلَى بَطْنِكِ تَسْعَيْنَ وَتُرَابًا تَأْكُلِينَ كُلَّ
أَيَّامِ حَيَاتِكِ. 15وَأَضَعُ عَدَاوَةً بَيْنَكِ وَبَيْنَ الْمَرْأَةِ،
وَبَيْنَ نَسْلِكِ وَنَسْلِهَا. هُوَ يَسْحَقُ رَأْسَكِ، وَأَنْتِ تَسْحَقِينَ
عَقِبَهُ». 16وَقَالَ لِلْمَرْأَةِ: «تَكْثِيرًا أُكَثِّرُ أَتْعَابَ حَبَلِكِ،
بِالْوَجَعِ تَلِدِينَ أَوْلاَدًا. وَإِلَى رَجُلِكِ يَكُونُ اشْتِيَاقُكِ وَهُوَ
يَسُودُ عَلَيْكِ». 17وَقَالَ لآدَمَ: «لأَنَّكَ سَمِعْتَ لِقَوْلِ امْرَأَتِكَ
وَأَكَلْتَ مِنَ الشَّجَرَةِ الَّتِي أَوْصَيْتُكَ قَائِلا: لاَ تَأْكُلْ مِنْهَا،
مَلْعُونَةٌ الأَرْضُ بِسَبَبِكَ. بِالتَّعَبِ تَأْكُلُ مِنْهَا كُلَّ أَيَّامِ
حَيَاتِكَ. 18وَشَوْكًا وَحَسَكًا تُنْبِتُ لَكَ، وَتَأْكُلُ عُشْبَ الْحَقْلِ.
19بِعَرَقِ وَجْهِكَ تَأْكُلُ خُبْزًا حَتَّى تَعُودَ إِلَى الأَرْضِ الَّتِي
أُخِذْتَ مِنْهَا. لأَنَّكَ تُرَابٌ، وَإِلَى تُرَابٍ تَعُودُ»".

ثم إن الكاتبة
الباكستانية المتأمركة تشير إلى ما تقول إنه ممارسة عنف ضد المرأة فى بلاد
المسلمين من مشرقها إلى مغربها، لتنتهى إلى تأكيد أن الإسلام ليس دينا ذكوريا أو
يكره المرأة، بل يقف مع حريتها بكل يقين. وإذا كان هناك، كما تقول، إسلامان: إسلام
يقف فى صف المرأة، وآخر يقف معاديا لها، فإنها فى هذا الكتاب تقوم بما يجب أن تقوم
به، ألا وهو قراءة القرآن قراءة سليمة تضع الأمور فى نصابها الصحيح، تلك القراءة
التى تستعيد الصوت المساواتى العنيد فى الإسلام (ص2 وما بعدها).

وكنت أود لو أن
د. أسماء بارلس لم تختص البلاد الإسلامية بالكلام عن العنف ضد المرأة، إذ إن هذا
أمر لا ينحصر وقوعه فى بلاد المسلمين وحدها دون بقية بلاد المسكونة بل يعم العالم
كله، وعلى رأسها الدول الغربية، التى ينتشر فيها أيضا، وعلى نطاق واسع، اغتصاب
المرأة والمتاجرة بجسدها فى الإعلانات وبيوت الدعارة وشرائط السينما، والتحرش بها
فى أماكن العمل رغم ما يشيع فى تلك البلاد من تفلت وشذوذ جنسى بجميع أنواعه، علاوة
على أن الأب فى بلاد المسلمين عادة ما يحمل عبء ابنته حتى تتزوج، على عكس ما يجرى
عليه الأمر فى بلاد الغرب، إذ تُتْرَك البنت لمصيرها متى بلغت الحلم فتكد وتشقى
دون أن يفكر أحد فى مد يد العون لها. وقل مثل ذلك فى مسؤولية الابن تجاه أمه عندنا
وعندهم. إلا أن آلة الدعاية الغربية الجهنمية، متى ما أرادت لسبب أو لآخر، وما
أكثر أسبابها الإبليسية، قادرة على شيطنة الملائكة ومَلأَكَة الشياطين!

كذلك ليس الظلم
فى الأسرة بمقتصر على الوقوع من الرجال ضد النساء، فكثيرا ما تظلم المرأة الرجل
وتكيد له مثلما يظلمها هو ويكيد لها، وإن كان الرجال قد درجوا على عدم إثارة تلك
المسائل. وما أكثر ما نسمع عن نساء قتلن أزواجهن أو جرجروهن فى المحاكم ظلمًا
وافتراءً أو خُنَّ الأمانة التى وضعوها فيهن: سواء كانت أمانة مال أو أمانة عِرْضٍ
وشرف. لكن النزعة النسوية تضخم للأسف كل ما يهم المرأة، وتقلل فى ذات الوقت من شأن
كل ما يتعلق بحقوق الرجل. والشىء الثالث هو أن النسويات، وكذلك النسويين الذين
يلهثون خلفهن، يحاولون أن يقلبوا كل الأوضاع رأسا على عقب متهمين الرجال على
الدوام بأنهم يظلمون النساء. فإذا قال المسلم مثلا، طبقا لما يقوله القرآن، إن
القوامة فى البيت للرجل ردت النسويات والنسويون بأن هذا إجحاف بحقوق المرأة وظلم
لها. وعلى ذلك فَقِسْ.

وفى ضوء هذا
يمكننا أن نفهم مغزى السؤال الذى طرحته السيدة بارلس قبل قليل حين قالت: هل يرى
الله فى إدارة الذكور لشؤون الأسرة أمرا ينبغى استمراره بوصفه قاعدة خالدة كما
يقول البطرياركيون؟ وجوابنا هو: نعم، فهكذا يقول النص الكريم. ألم يقل المولى:"الرجال
قوامون على النساء" بألف ولام الماهيّة (لا بألف ولام العهد) بما يدل على أنه
وضع دائم لا مؤقت؟ أما إن كان لها رأى آخر فلتبينه لنا، على ألا تلجأ فى تفسير
الآية إلى الألاعيب التى يبرع فيها بعض ذوى النزعة النسوية المتطرفة وذواتها لنصرة
مذهبهم وإفساد أوضاع الأسرة ونشر الاضطراب فى بنيانها، وكأنهم لا يَلَذّون إلا
الصراع والشقاق بين الزوجين بحجة الوقوف إلى جانب المرأة والقضاء على أسباب
شكواها، مع أن الشكوى فى كثير من الأحيان هى مجرد شقشقة فارغة تلوكها ألسنة النساء
الفاشلات فى بناء أسر هانئة تتمتع بالسكينة والسلام، فهنّ يردن هدم كل الأسر،
متلذذات بإضرام النار فى البيوت السعيدة من حولهن إرضاء لأحقادهن وشرور نفوسهن.
وأود هنا أن أكرر أننى إنما أتكلم الآن على المتطرفات من ذوات النزعة النسائية لا
اللاتى يعملن على تحسين أوضاع النساء المهضومات الحقوق فعلا لا ادعاء.

وقد تنبه د.
محمد محمد حسين من قبل فى كتابه: "حصوننا مهددة من داخلها" إلى مثل هذا
الذى ذكرناه فقال: "زعم أعداء المرأة المتسَمَّوْن بـ"أنصارها" أن
لزومها للمنزل انتقاص لحقوقها وقتل لشخصيتها واعتداء على كيانها. ومِنْ قَلْب
الأوضاع أن نسمى الـمَصُونَ المخدومَ المكفِىَّ حاجتَه: "سجينًا"… وقد
عاشت المرأة ما عاشت مكرمة معززة مدللـة حاكمة على زوجها من خلف ستار، ولم تحس
يوما أنها مهضومة الحق أو أنها مضطهدة أو سجينة أو مهدرة الكرامة والشخصية، حتى
ظهر ذلك النفر من الكتاب فأحل الصراع والتنازع بين الجنسين محل التواد والتراحم.
ومن عجبٍ أن الذين حملوا اللواء إلى ما يسمونه: "حقوق المرأة" كانوا من
الرجال، ولم يكونوا من النساء. ولم يكن من صنيعهم إلا إفساد الحياة على المرأة
والرجل كليهما. ذلك لأن الحياة تحتاج إلى طمأنينة توفر للناس السعادة والاستقرار.
وثورة الرجال والنساء كل منهما على الآخر تُحِلّ القلق والبغضاء محل الطمأنينة
والحب بين الجنسين، اللذين أراد الله سبحانه أن يجعل بينهما مودة ورحمة ينبنى
عليهما عمران الكون وحفظ النوع البشرى. والمجتمع السليم يقوم على التواد والتراحم
وعلى إخلاص كل عضو فيه لوظيفته وقيامه بها راضيا لا يملّ ولا يتذمر، فهو كالجسم
الذى ينصرف كل عضو فيه إلى أداء عمله ووظيفته، لو توقف أحد أعضائه عن أدائها لتوقف
واختل… والرجل الذى يكد ويجهد نفسه ويرهقها فى العمل خارج البيت محتاج إلى زوجة
متزينة متعطرة ناعمة البال يأنس بها ويسكن إليها مما يجده من عناء، وتُسَرِّى عنه
بعض ما يعتريه من السأم والإجهاد وما يترك فى نفسه عنف التعامل مع الناس من آثار
الضيق والملل. وكدح المرأة فى ميادين الأعمال العامة يصرفها عن رعاية الزوج والولد
كليهما لا شك فى ذلك لأنها تعود إلى البيت مكدودة مرهقة كالرجل. فأيهما هو الذى
يُسَرِّى عن الآخر؟ وأيهما هو الذى سيتسع صدره لمداعبة البنين واحتمال ما لا بد أن
يُحْتَمَل فى تربيتهم من ضجيج مرحهم وأنين ألمهم وصراخ أوجاعهم؟ وهل تصبح الحياة
عند ذلك إلا عناء وشقاء للمرأة والرجل كليهما؟ وهل يصبح الفرد، رجلا كان أو امرأة
أو طفلا، إلا تُرْسًا من تروس آلة صماء فى حياة لا سكن فيها ولا قرار؟ ويستطيع كل
ذى لب وبصيرة أن يدرك آثار الفشل الذى حاق بتجارب المجتمع الأوربى والأمريكى فى
هذه الناحية، مع أن هذه الآثار لم تبلغ بعدُ مداها، ولا تزال سائر عقابيلها فى
الطريق. فهذا الجيل الغربى من التائهين والضائعين المحطَّمى الأعصاب المبلبَلى
الأفكار القلقى النفوس، وهذه النسبة الآخذة فى الارتفاع حسب إحصاء الغربيين أنفسهم
للانحراف والشذوذ بكل ضروبه وألوانه، هذه الظواهر والآثار كلها هى من آثار التجربة
التى خاضها الغرب فى المرأة، لأن هؤلاء جميعا هم أبناء العاملات والموظفات الذين
عانَوْا من إرهاق أمهاتهم وهم فى بطونهن، ثم تعرضوا لإهمالهن بعد أن وضعنهم. وماذا
يبقى للناس من تجربة فاشلة كهذه؟ ألا يتدبرون؟" (د. محمد محمد حسين/ حصوننا
مهددة من داخلها/ ط6/ مؤسسة الرسالة/ 1401هـ- 1981م/ 92- 94).

هذا، ولا أنكر
أن المرأة قد تكون فى بعض ا لحالات أقوى من الرجل شخصية وأقدر منه على التصرف
وتدبير الأمور. وأذكر فى هذا السياق أنه كانت تسكن بجوارنا فى يوم من الأيام أسرة
مكونة من زوج وزوجة وأبناء. وكانت الزوجة أمية، والزوج خريج جامعة، ومع ذلك كان
الزوج بوجه عام يخاف مواجهة الناس، وكانت الزوجة هى التى تدبر كثيرا من أمور
الأسرة، وكل ما عليه هو أن يعطيها مصروف الشهر وما يحتاجه البيت، والله يحب المحسنين.
وفى مثل هذه الحالة تسوّى الحياة أوضاعها حسب ما يجرى فى الطبيعة والواقع، فتكون
الإدارة الفعلية بيد المرأة. إلا أن هذا قليل، ولا ينبغى أن يكسر القاعدة العامة
التى قررها القرآن الكريم. فمن المعروف أنه ما من قاعدة عامة إلا وهناك حالات تشذ
عنها، لكنها لا تهدمها، وإلا لبطلت جميع القواعد والقوانين فى الدنيا. بل قد تكون
الزوجة قوية الشخصية، وزوجها قوى الشخصية أيضا، فيستشيرها ولا يجد غضاضة فى أن
يأخذ برأيها كالذى كان بين أبى العباس السفاح الخليفة العباسى وزوجته أم سلمة بنت
يعقوب بن عبد الله المخزومى، إذ كانت سيدة ذات عقل وحزم غلبت على أمر زوجها غلبة
شديدة، فكان لا يقطع أمرا إلا بمشورتها. وكان قد حلف ألا يتزوج عليها أو يتسرى
بأمة أو يغيرها، فوفى لها بما حلف عليه (انظر عمر رضا كحالة/ أعلام النساء/ مؤسسة
الرسالة/ بيروت/ 2/ 235- 236). 

وفى رأى السيدة
بارلس أن المشكلة فى الظلم الواقع على النساء لا تعود إلى القرآن ذاته، بل إلى
تفسير القرآن تفسيرا خاطئا بسبب الاعتماد على الأحاديث غير الصحيحة التى يظن
المسلمون صحتها مع ذلك. ولا بد إذن من إعادة تفسير القرآن من قِبَل المرأة كما
تقول. ذلك أنه لا يمكن تغيير وضع المرأة فى المجتمعات الإسلامية إلا إذا انطلقنا
من القرآن وتعاليمه وتفسير تلك التعاليم تفسيرا تحرريا، وهو ما يفوت العلمانيين
المنتسبين إلى الإسلام، إذ ينطلقون من منطلق آخر، ومن ثم يفشلون فى مهمتهم.

وأنا مع السيدة
بارلس فى أن القرآن ينبغى أن يكون هو المنطلق السليم لا لمعرفة حقوق المرأة فقط،
بل حقوق الرجل أيضا والأمّة، وكذلك الواجبات قبل الحقوق. ذلك أن الحياة ليست حقوقا
وحسب، بل حقوقا وواجبات، بل واجبات قبل الحقوق، إذ كيف يحصل الإنسان فردا كان أو
جماعة على حقوقه قبل أن يقوم بواجباته؟ ترى هل يمكن أن يتم أى إنجاز يطالب الشخص
أو الجماعة بحقوقهما فيه قبل أن يقوما بواجباتهما فينحزاه فعلا وعلى نحو متقن؟
الواقع أن الواجب لا بد أن يسبق الحق، إذ إن هذا مترتب على ذاك بالبداهة. لكنى لست
معها فى أن السبيل إلى ذلك بالضرورة هو قيام النساء بالتفسير، لأنه إذا كان الدافع
لها إلى هذا القول هو اتهامها للرجال بالخطإ فى فهم النص القرآنى أو لَيّه عن
مقاصده لسبب أو لغيره، فإن النساء لسن أفضل حالا من الرجال، فهن بشر مثلما أن
الرجال بشر. وإذا قيل إن الرجال سوف ينحازون فى تفسيرهم إلى جنسهم فيظلمون المرأة
من ثم، فإنه يمكن القول من نفس المنطلق بأن النساء سوف ينحزن إلى جنسهن فيزعمن
لأنفسهن ما ليس من حقهن من ثم. لو أنها قالت إن المطلوب هو تعاون الجميع فى تقديم
أفضل تفسير ممكن لما خالفناها فى شىء. فالأمر أولا وأخيرا هو أمر تعاون لا تخاصم
ولا تطاحن بين الرجل والمرأة، إذ هما شقيقان كما قال رسولنا الكريم.

كذلك فإن قولها
إن النساء المسلمات لا يهتممن بمعرفة حقوقهن ولا بالقراءة الصحيحة التحررية للنص
القرآنى، بل يقبلن بالقراءة الأبوية لتلك النصوص، وهو ما يؤدى إلى استمرار
المعاملة الظالمة لهن، ومن هنا كان لا بد من إظهار وجه الخطإ فى المنهج التقليدى
لقراءة القرآن وتقديم منهج آخر تحررى لقراءته، إن قولها هذا يعنى أن جميع
التفسيرات القرآنية حتى الآن هى تفسيرات خاطئة تقوم على ظلم المرأة وهضم حقوقها،
لا لشىء إلا لأنها مثلا تقول بأن للرجال على النساء درجة، وهو الأمر الذى لا
نوافقها عليه. كما أن النقطة الذى تبدأ منها هى أن الرجال يكرهون النساء ويعملون
دائما على إيقاع الظلم بهن. وكلامها هذا مما ينشر التباغض بين الجنسين ويغرس
النفور من الرجال فى نفوس النساء. ونحن فى غنى عن هذا كله، فالمرأة هى أم الرجل
وبنته وأخته وزوجته وعمته وخالته وجدته… وليست واحدة من الأعداء. وإذا كان هناك
تقصير من الرجال فى حقهن فليس شرطا أن يكون تقصيرا مقصودا، فضلا عن أن هناك أيضا
تقصيرا، وتقصيرا كبيرا أحيانا، من النساء فى حق الرجال كما هو مشاهد فى كل مكان.

وتوضح بارلس
دعوتها قائلة إن قراءة أى نص، وبخاصة النصوص الدينية كالقرآن مثلا، لا تعتمد فقط
على النص بل على السياق الذى تمت قراءتها فيه. ومن هنا نراها تفرق بين النص  القرآنى فى حد ذاته وبين تفسير المسلمين له
متأثرين ببيئاتهم وقيمهم ونظرتهم للحياة. فهى إذن تدعو إلى التفرقة بين الإلهى
والبشرى حسبما تقول. كذلك نراها تؤكد أن أى نص يقبل بطبيعته قراءات متعددة تبعا
لتعدد نوعية القارئين. والواقع أن الإنسان يخضع فعلا لمثل تلك المؤثرات، لكن ليس
من اللازم خضوعه لها، إذ باستطاعة المفسر عن طريق يقظته ووعيه بتلك المؤثرات ألا
يقع فريسة لتأثيرها الضار. ولكن من ناحية أخرى نرجو أن تكون د. أسماء هى بدورها
يقظة وواعية بالمؤثرات التى يمكن أن تمارسها البيئة الأمريكية عليها وهى تفسر
القرآن. فنحن نعرف أن هناك صراخا عاليا بل مصما للآذان وجالبا للصداع فى الولايات
المتحدة يندد بالإسلام وبنظرته إلى المرأة ويدعو إلى إعادة تفسير آياته المتعلقة
بالمرأة من جديد. والمقصود بهذا التفسير الجديد هو تبنى الرؤية الغربية،
والأمريكية بوجه خاص، لقضية المرأة. فالحذر الحذر حتى لا تسقط بارلس وغيرها ممن
نشطن فى الآونة الأخيرة إلى تفسير القرآن الكريم من الوقوع فى هذا الفخ المنصوب.
وهذه مهمة شاقة، بل هى أشق من مهمة المفسر القديم الذى تتهمه بارلس بالتجنى على
المرأة وإنكار حقوقها، بغض النظر الآن عن أنها، فى اتهامها لذلك المفسر القديم،
على صواب أو على خطإ. وكل ذلك بافتراض صلاحيتها الأخلاقية والعلمية للقيام بتلك
المهمة الخطيرة، فهل تصرفاتها فى هذا المجال تصدّق يا ترى ذلك الافتراض؟

تعالوا
نقرأ
هذا الخبر الذى لا يمكن أن يخطئ
أى إنسان فهمه ولا مغزاه، إذ نشرت "السفير" بتاريخ 17/8/2006 ما يلى:
"دعا المفوض الأوروبي للشؤون الداخلية فرانكو
فراتيني في لندن أمس، إلى تأسيس "إسلام أوروبي" وتنظيم
"دورات تأهيل
للأئمة على المستوى الأوروبي"، مطالبا في الوقت ذاته
المسلمين باحترام "الحق
في الحياة".وفي أعقاب اجتماع وزاري أوروبي بحث "السبل
الكفيلة
بمحاربة التشدد" قال فراتيني: "نريد إسلاما أوروبي"، موضحا أن أوروبا تريد "أن
تثبت أنها تحترم الديانات الأخرى
وتتوقع في المقابل أن تحترم "هذه الديانات" الحقوق
والقوانين الوطنية والأوروبية
وقبل كل شيء الحق في الحياة". كما أكّد فراتيني على ضرورة "إقامة تعاون وثيق مع المجموعات المسلمة"، مشددا على ضرورة
"معاقبة الجريمة"…". يقول المفوض الأوربى هذا، وكأن المسلمين هم
الذين كانوا يستعمرون البلاد الأوربية ويستنزفون ثرواتها ويقتلون أحرارها ويودعونهم
غياهب السجون أو يعلقونهم على المشانق، وما زالوا يضعون أيديهم فى أيدى جلاديهم
ويتخذونهم سياطا لإلهاب ظهورهم ويعملون على حماية هؤلاء الجلادين كى يكونوا أداة
ينالون بها من تلك الشعوب غاياتهم الشيطانية، وكأنهم هم الذين امتلخوا من أوربا
قطعة غالية وأعطوها لليهود ليقيموا عليها دولتهم بعدما طردوا معظم أهلها منها
ويشددون الحصار على من بقى فيها منهم رغم ذلك ولم يهاجر مويذيقونه أشد ألوان
الهوان والعذاب والتضييق ويهدمون منازلهم وييتمون أطفالهم ويعتدون على أعراض
نسائهم. أليس هذا دليلا على فجور هؤلاء المجرمين العالميين، الذين يهينوننا
ويحتلون بلادنا ويسرقون مواردنا ويعملون على إفقارنا ويقتلون أحرارنا وينتهكون شرف
نسائنا، ثم يستديرون من الناحية الأخرى ويلقون علينا العظات الإبليسية فى كيفية
احترام الحياة وحقوق الآخرين والامتناع عن مقارفة الجريمة، نحن الذين لا تمثل حياتنا
ولا حقوقنا أية قيمة فى نظرهم؟

وتمضى أسماء
بارلس فتؤكد أيضا أن القرآن فى الواقع، وعلى عكس ما هو مشهور بين كثير من
الدارسين، يسوّى بين الرجل والمرأة رغم ما يتضمنه من تفرقة فى المعاملة بين الرجال
والنساء كما هو الحال فى أمور الزواج والطلاق والشهادة على سبيل المثال، إذ قد
تكون المعاملة مختلفة للطرفين، وفى ذات الوقت تكون هناك مساواة بينهما، على حين قد
تكون المعاملة واحدة ولا تكون ثم مساواة رغم ذلك (ص5). صحيح أن القرآن يشرع تعدد
الزجات ويقول بضرب المرأة (المقصود طبعا: المرأة الناشز التى لا صلاح لها بالوسائل
السلمية الكريمة)، ويعطى الرجل حق القوامة فى المجتمعات الأبوية القائمة فعلا، إلا
أنه ينبغى التفرقة بين مخاطبة القرآن لتلك المجتمعات الأبوية وبين اعترافه بما
يسودها من أوضاع حسبما تقول الكاتبة، إذ الأمران مختلفان على عكس ما يظن كثير من  الناس، فضلا عن أن تعدد الزوجات وضربهن وما
أشبه هى تشريعات ذات طبيعة تقييدية لا إطلاقية، وأن القرآن إنما نزل فى بيئة بدوية
أبوية تنتمى إلى القرن السابع الميلادى مما يشبه الوضع تحت حكم طالبان فى
أفغانستان اليوم. وعلى هذا فإن قراءتنا للقرآن فى ظل هذا السياق الذى نزل فيه
يطلعنا على ما فيه من نزعة مساواتية بين الرجل والمرأة لا على ما يُظَنّ أنه يشتمل
عليه من ظلم للجنس اللطيف. إلا أنها تسارع فتنبه إلى أن كلامها هذا ليس معناه أن
القرآن لا يقصد بنصوصه شيئا محددا البتة أو أنه يفتقر إلى العالمية أو العمومية
بمعنى أن ما فيه من نزعة نحو المساواة بين الرجال والنساء إنما هو كذلك فى سياق
القرن السابع الميلادى ليس إلا، على حين أنه ليس كذلك فى عصرنا الحالى.

وتعقيبى على
ذلك أنه لو كان الأمر كما تقول بارلس فمن باب الأولى ألا يكون فهم النص فى ضوء
ظروف عصرنا ومجتمعاتنا الحديثة هو الفهم الصحيح. ذلك أنه، ما دام القرآن نفسه قد
خضع للمجتمع الأبوى فى جزيرة العرب أثناء القرن السابع الهجرى كما تشير الكاتبة
بكل وضوح، فمن الحتم الذى لا محيص عنه أن تخضع هى بدورها لضغوط المجتمع الأمريكى
فى القرن الحادى والعشرين بكل ما يحمله هذا المجتمع فى قلبه من كراهية للإسلام
وكتابه ورسوله وتاريخه وقيمه ودعوته وتشريعاته، إذ لا يمكن أن تكون هى بكل ضعفها
كبشر وكإنسانة مكتسبة للجنسية الأمريكية لا أمريكية أصيلة كسيدنى شيهان مثلا،
وكسيدة لا رجل قوى كإدوارد سعيد مثلا يستطيع أن يتحمل من الضغوط ما لا تستطيعه هى،
فضلا عن أنها تمثل الجيل الأول من مهاجرى أسرتها وليس لها بَعْدُ جذور بعيدة الغور
فى الولايات المتحدة، كما أن بلدها الأصلى ليس بلدا أوربيا قويا عزيز الجانب
تَعِزّ بعِزّته وتَقْوَى بقُوّته، بل بلدها هو الباكستان، تلك الدولة الإسلامية
الضعيفة التى تتبع أمريكا فى سياساتها المعادية للإسلام وتحارب معركة الولايات
المتحدة ضد الإسلام وتزج بنفسها لهذا السبب فى مآزق سياسية وعسكرية واقتصادية هى
فى غنى عنها، أقول: إنها لا يمكنها، والحالة هذه، أن تكون أشد استعصاء من القرآن
على مراعاة أوضاع المجتمع الذى تعيش فيه. أم ترى المجتمع الأمريكى الذى تعيش وتعمل
فيه هو مجتمعا من الملائكة الذين لا يسيئون أبدا ولا يمكن أن يمارسوا، ولو عن غير
قصد منهم، أى تأثير ضار على من يريد من أفراده تفسير القرآن؟ وفوق هذا فلو أن ما
تقوله صحيح لما كان لمجىء الإسلام من معنى، إذ ها هو ذا الإسلام قد راعى ظروف
الناس وعقلياتهم عند نزوله، ولم يراع القيم والأوضاع التى جاء داعيا إليها. فما
الحكمة إذن من مجيئه أصلا؟ ثم إنه لو كان هذا صحيحا فكيف لم يراع القرآن أوضاع
المجتمع العربى الوثنى الأخرى آنذاك فدعا على العكس من ذلك إلى الوحدانية ونبذ
عبادة الأوثان ونهى عن الربا والزنا والتفرقة العنصرية وشرب الخمر والتفاخر
بالآباء والقبيلة وما إلى ذلك مما كان المجتمع العربى آنذاك يمارسه على نطاق واسع
ويتمسك به، ويرى خلافه أمرا غير متصور ولا مقبول أبدا؟ وقل مثل ذلك فيما قاله
القرآن عن اليهودية والنصرانية. وإذا كان المهاجرون إلى الحبشة من المسلمين، وهم
قلة ضعيفة من الغرباء يمكن افتراسهم دون أن يسمع بهم، فضلا عن أن يهبّ لنجدتهم
أحد، لم يضعوا فى اعتبارهم ما كان الأحباش يعتقدونه آنذاك فى عيسى عليه السلام
وصدعوا فى مجلس النجاشى بما يعتقدون هم دون أن يلجأوا إلى مواراة أو مواربة أو
جمجمة بل دون أن يتلفتوا حولهم مجرد التفاتة تشى بقلق أو شعور بالضغط والضيق، فكيف
يقال عن القرآن هذا الذى تقوله السيدة بارلس؟ أترى المهاجرين إلى الحبشة كانوا
أقوى من الله وأخلص لمبادئه ودعوته، أستغفر الله؟ وهذا مجرد مثال واحد، وإلا فهناك
أمثلة أخرى كثيرة كما هو معروف. وإذا كان ما تشير إليه د. بارلس بكل وضوح صحيحا،
إذن فمن الواجب أن يراعى المسلمون الأمريكان أو المقيمون فى أمريكا ظروف المجتمع
الأمريكى فلا يفتحوا فمهم بكلمة عن التثليث ولا عن الخمر ولا عن الإباحية والشذوذ
الجنسى ولا عن الهجمة الأمريكية على بلاد المسلمين ولا عن الحشمة فى الملابس ولا
عن عالمية الإسلام… إلخ.

كذلك فالمفروض
فى فهمنا للنص أن نجتهد بكل ما أوتينا من قوة لإبعاد ظروفنا الخاصة حتى لا تؤثر فى
ذلك الفهم فينحرف عن مقصود النص بتأثير منها لا أن يراعى مبدع النص القرآنى ذاته
تلك الظروف، وإلا فلن نصل إلى أى معنى محدد للنص، بل يصير نصا مفتوحا قابلا لكل
تأويل إلى أبد الآبدين لا ينغلق أبدا. وحتى لو قلنا إن هذا مقبول فى بعض الأحيان
فيما يخص النصوص البشرية فإن النص القرآنى أمره مختلف، إذ هو نص إلهى يعلو على تلك
الاعتبارات النسبية. ثم لا ينبغى أن ننسى أن الفهم السليم للنص القرآنى لا يكون
بمراعاة ظروف المجتمع والعصر كما تريد بارْلَس، بل بمراعاة الروح العامة للقرآن
والإسلام ذاته ومراعاة جميع النصوص المتعلقة بذات الموضوع فى سور القرآن المختلفة
مصحوبة بأسباب نزولها وسياقاتها، ومراعاة ما قاله الرسول الكريم فى تفسير ذلك النص
كلاما أو سلوكا عمليا، ومراعاة فهم الصحابة لتلك النصوص باعتبارهم الجيل المعاصر
لنزولها ولتطبيق الرسول عليه السلام لها، وقبل ذلك كله دراسة اللغة العربية ذاتها
دراسة متعمقة فى ضوء النصوص الشعرية الجاهلية والإسلامية وغيرها، وهو ما أظنه ينقص
د. بارلس نقصانا شديدا. وبعد، فهل يمكن د. بارلس أن تدلنا على نص فى القرآن دل على
ما قالته عن مراعاة كتاب الله لمواضعات المجتمع العربى البدوى فى القرن السابع
الميلادى؟ أم هل بمستطاعها أن تبرز لنا نصا للرسول أو لأحد الصحابة يقول فيه، أو
على الأقل: يُفْهَم منه، أن كلام القرآن فى هذا الموضوع هو كلامٌ مرحلىٌّ لا
يُقْصَد به التأبيد بل يُراعِى ظروف المجتمع العربى فى ذلك الوقت، إلى أن تتغير
الأمور ويتجاوز العرب المرحلة البطرياركية؟ إن ما تقوله لهو خطير فى منتهى
الخطورة. ولنفترض جدلا، وهو ما لا يمكن أن يكون، أن ما تقوله صحيح، فكيف لم يتنبه إلى
ذلك علماء الفرس ومصر وما وراء النهر وبلاد المغرب والأندلس فيقولوا بما تقوله
بارلس الآن؟ لقد كانوا يعيشون فى مجتمعات زراعية لا بدوية، وأعجمية لا عربية، كما
كانوا ينتمون إلى عصور تختلف عن القرن السابع الميلادى. فلم يا ترى ظلوا يقولون
بما قاله القرآن؟ أوكانوا هم أيضا يراعون ظروف المجتمع العربى البدوى الذى ينتمى
إلى القرن السابع الميلادى والذى تشبه ظروفه، كما تقول هى، ظروف طالبان رغم
اختلافها عن ظروف بيئاتهم وعصورهم؟ ولنلاحظ مغزى الزَّجّ فى هذا السياق باسم
طالبان، التى ترتبط فى أذهان الأمريكان، بسبب الدعاية الجهنمية، بالتخلف الفظيع
والتى تكرهها أمريكا كراهية العمى وتنساق الباكستان وراءها فى محاربتها رغم أن
طالبان لم تسئ إليها فى شىء ورغم أن طالبان تنتمى، مثلما تنتمى هى، إلى الإسلام
وإلى دول العالم الثالث المتخلف، مما كان ينبغى أن يعطفها عليها ويدفعها إلى التعاون
معها لا العكس. وهذا كله يدل بكل تأكيد على أن بارلس فى اتخاذها هذا الموقف وذلك
التفسير متأثرة بظروف المجتمع الأمريكى ونظرته وقيمه الثقافية ومواقفه السياسية،
وهو ما حذرنا منه قبل قليل. ثم أين عالمية الدعوة القرآنية من كل هذا إذا كان
القرآن فى أول فرصة ينبذها ويتقهقر إلى الإقليمية الضيقة على هذا النحو المخزى؟
أترى أمريكا وبارلس تفهمان الإسلام خيرا من رب الإسلام؟ ألا إن ذلك لغريب!

ولنفترض جدلا
مرة أخرى أن الأمر كما تقول بارلس، فكيف يا ترى تفسر لنا نزول الآيات التالية، وهى
فى المرأة أيضا، وتضرب الأوضاع البدوية التى كانت مستتبة فى الجزيرة العربية آنذاك
فى الصميم؟: "وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا
تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ
بِالْمَعْرُوفِ ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ
وَالْيَوْمِ الآَخِرِ ذَلِكُمْ أَزْكَى لَكُمْ وَأَطْهَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ
وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ" (البقرة/ 232)، "لا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ
طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً
وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعًا
بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ* وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ
قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا
فَرَضْتُمْ إِلاَّ أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ
النِّكَاحِ وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَلا تَنْسَوُا الْفَضْلَ
بَيْنَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ" (البقرة/ 236-
237)"، "وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا
وَصِيَّةً لأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ فَإِنْ
خَرَجْنَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِي مَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ مِنْ
مَعْرُوفٍ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ* وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ
حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ* كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آَيَاتِهِ
لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ" (البقرة/ 240- 242)، "لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ
مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ
الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا
مَفْرُوضًا" (النساء/ 7)، " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لا يَحِلُّ
لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا
بِبَعْضِ مَا آَتَيْتُمُوهُنَّ إِلاَّ أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ
وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا
شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا* وَإِنْ أَرَدْتُمُ
اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآَتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلا
تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا*
وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ
مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا* وَلا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آَبَاؤُكُمْ مِنَ
النِّسَاءِ إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ
سَبِيلا* حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ
وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالاتُكُمْ وَبَنَاتُ الأَخِ وَبَنَاتُ الأُخْتِ
وَأُمَّهَاتُكُمُ اللاَّتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ
وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللاَّتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ
نِسَائِكُمُ اللاَّتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ
بِهِنَّ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ
أَصْلابِكُمْ وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّ
اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا* 
وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلاَّ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ
كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ
تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ…" (النساء/
19- 24)، "وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا
فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ
وَأُحْضِرَتِ الأَنْفُسُ الشُّحَّ وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ
كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا* وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ
النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا
كَالْمُعَلَّقَةِ وَإِنْ تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا
رَحِيمًا* وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلا مِنْ سَعَتِهِ وَكَانَ اللَّهُ
وَاسِعًا حَكِيمًا" (النساء/ 128- 130)، "أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ
سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ وَلا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ وَإِنْ
كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ
فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآَتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ
بِمَعْرُوفٍ وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى* لِيُنْفِقْ ذُو
سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا
آَتَاهُ اللَّهُ لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ مَا آَتَاهَا سَيَجْعَلُ
اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا" (الطلاق/ 6- 7).

وبالمثل كيف
تفسر لنا السيدة بارلس الأقاويل والمواقف النبوية التالية التى تخالف بل تناقض فى
كثير من الأحيان أوضاع العرب فى القرن السابع الميلادى؟ لنقرأ معا تلك الأحاديث
التى تدل على عكس ما تحاول إيهامنا به من أن الأحاديث النبوية هى المسؤولة عن
الظلم الذى كان واقعا فى زعمها على رؤوس النساء المسلمات على طول التاري

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

رابعة العدوية بين الحقيقة والأوهام

كتبها ibrahim awad ، في 28 أبريل 2011 الساعة: 20:35 م

 

رابعة العدوية 
فى الجزء الثانى من كتاب د. يوسف القرضاوى: "من هدى الإسلام- فتاوى معاصرة" سؤال عن رابعة العدوية: هل هى شخصية حقيقية أم هل هى من اختراع الصوفية؟ وهذا هو السؤال: "سمعت أحد الخطباء المعروفين يحمل على السيدة رابعة العدوية الزاهدة الصالحة المشهورة ويقول إنها أسطورة اخترعتها الصوفية لينسبوا إليها ما لا يُقْبَل ولا يُعْقَل من الأقوال والأشعار مثل قولها فى مناجاة الله تعالى:
فليتك تحـــــلو، والحيــــاة مـــــريــــرة
وليت الذى بينى وبينك عــــــــامرٌ
 
وليتك ترضى، والأنام غضـــابُ
وبينى وبين العـــــالمين خــــــــرابُ
وقولها:
كلـــهـــــم يعبــــدوك من خـــوف نارٍ
أو لأن يدخلــــوا الجِنَـــــان فيَحْظَوْا
ليس لى فى الجنــــان والنـــار حظ
                                *
فـــــأمـــّـا الذى هــــو حب الهــــوى
وأمــــــا الـــــذى أنت أهــــــــل لـــــه
ومـــــــــا الحــمد فى ذا ولا ذاك لى
 
 
 
*
ويــَــرَوْنَ النجاة حظــــا جـــــزيلا
بنعيمٍ و يشـــــربـــوا ســـلسبيــــلا
أنـــــا لا أبــتــــغى بحبِّــــى بــــديلا
*
فشُغْـِــــلى بذِكْــــرِكَ عمــا سواكَ
فكَشْفُك لِى الحُجْبَ حتى أراكَ
ولكــــنْ لك الحمـد فى ذا وذاكَ   
وأطال الخطيب فى إنكار هذه الأشعار وماتضمنته من كفر وضلال حسب قوله. فهل ما ذكر هذا الخطيب صحيحٌ ومُسَلَّم، ولا وجود لهذه المرأة الصالحة؟ وهل هذه الأشعار تتضمن ضلالا و كفرا حقا؟
نرجو بيان رأيكم الذى عرفنا فيه الاعتدال، مبينا الأدلة من القران والسنة". فأجاب الدكتور بكلام كثير تناول فيه أشياء متعددة سوف نكتفى منها بما يهمنا هنا مع بعض التصرف، وهو أن  الخطيب المذكور، إن صح ماذكره السائل عنه، أخطأ خطأين كبيرين: أنه اتخذ مجرد الجحود و الإنكار سلاحا فى نفى الوقائع التاريخية، وهذا أمر مرفوض فى منطق العلم، وإلا لقال من شاء ما شاء. ولكن يُقْبَل منه ومن مثله فى هذا المقام أن يقول إنه رجع إلى كتب التاريخ وكتب التراجم والطبقات التى عُنِيَتْ بالأعلام عامة، وبالزُّهّاد والعُبّاد خاصة، فلم يجد ذكرا لهذه العابدة الصالحة التى اخترعوها وسَمَّوْها: رابعة العدوية، بل يوجد من ثقات المؤرخين من أنكر وجودها وعاب على الصوفية ذكر أخبارها فى كتبهم. لكن الخطيب لم يقل هذا، ولايستطيع أن يقوله لأن الحقائق العلمية تكذبه، والوقائع التاريخية تصدمه. فكتب التاريخ والتراجم تثبت وجود رابعة العدوية وتترجم لها وتذكر بعض أقوالها وأعمالها وأشعارها، فضلا عن كتب الصوفية أنفسهم: ترجم لها أبو نعيم فى "حلية الأولياء"، وابن الجوزى فى "صفة الصفوة"، وابن خلكان فى "وَفَيَات الأعيان"، والذهبى فى "سِيَر أعلام النبلاء"، وابن كثير فى "البداية والنهاية"، وابن العماد فى "شَذَرات الذهب"، وصاحبة "الدُّرّ المنثور فى طبقات ربات الخدور"، والزِّرِكْلى فى"الأعلام". كما ذكرها القُشَيْرى فى "الرسالة"، وأبو طالب المكى فى "قوت القلوب"، والغزالى فى "الإحياء"، والسهروردى فى "عوارف المعارف"، والشعرانى فى "طبقاته"، وغيرهم. و ذكر ابن الجوزى فى "صفة الصفوة" أنه أفرد لها كتابا جمع فيه كلامها وأخبارها.
والخطأ الثانى أن الخطيب عالج الموضوع الذى يريد معالجة تعتمد على الإثارة والتهييج لا على التنوير والتحقيق. والإثارة قد تعجب بعض سامعيه المعجبين به والذين تستهويهم الجرأة فى النقد أو النقض والهجوم والخروج على المسلَّمات عند الناس، ولكنها لا تعجب خاصةَ المثقفين و المستنيرين ممن يزنون الأمور بعقولهم ولا يأخذون كل مايقال قضيةً مسلَّمة. وقد كان حَسْبُ الخطيب هنا طريقين لا يملك ذو علم أو فكر أن ينكرهما أو أحدهما عليه: الطريق الأول التحقيق فيما يُنْسَب إلى رابعة العدوية أو غيرها من أقوال ومواقف، فليس كل ما نُسِب اليها صحيحا موثقا، بل قد يكون مقطوعا بنفيه عنها. من ذلك أنهم نسبوا اليها هذه الأبيات المشهورة تناجى بها ربها سبحانه:
فليتك تحـــــلو، والحيـــــاةُ مـــــريـــرةٌ
وليت الذى بينى و بينك عــــــامرٌ
إذا صـــــح منك الــــوُدُّ فالكُلُّ هينٌ
 
وليتك ترضى، والأنام غِضَـــابُ
وبينى وبين العـــــالمين خــــــــرابُ
وكل الذى فوق الــــتراب تــــرابُ
و الأبيات ليست لرابعة بل البيتان الأول و الثانى من شعر أبى فراس الـحَمْدانى فى خطاب ابن عمه الأمير المشهور سيف الدولة، وهما مذكوران فى ديوانه من قصيدة مطلعها:
أَمَـــــا لجميـــــلٍ عنـــــدكـــــنّ ثــوابُ
لقد ضَلَّ من تَحْوِى هــواه خـــريدةٌ
 
ولا لمسئٍ عنــــدكـــــن متـــابُ؟
وقد ذَلَّ من تَقْضىِ عليه كَعَابُ
وأبو فراس كان فى القرن الرابع الهجرى، ورابعة فى القرن الثانى. أما البيت الأخير فهو من قصيدة المتنبى فى مدح كافور، وفيه "المال" مكان "الكُلّ". وكل مافى الأمر أن الصالحين وجدوا أن هذا الشعر لا يجوز أن يخاطَب به إلا الله جل جلاله فنسبوا الخطاب فيه لمن هو أهله. ولا أدرى من نسب الشعر إلى رابعة، خاصة ولم أقرأ هذا فى كتاب معتبر، وإن كان مشهورا على الألسنة، وليس كل مشهور على الألسنة حجة. وكذلك ماينسب اليها من الشعر الذى تقول فى آخره:
ليس لى فى الجِنَـان و النــــار حَظٌّ
 
أنـــــــا لا أبتغـــى بحبـــى بديــــــلا
لا أدرى مدى صحة نسبته إليها". ثم مضى الدكتور القرضاوى فأورد بعض ما ينسب إليها من أقوال وأشعار ومواقف ممحصا له ليرى أهو حقيقى تاريخى أم لا، ومدليا برأى الإسلام فيما يُتَصَوَّر صدوره عنها. وما يهمنا من هذا كله هو أن هناك من يشكك فى وجود هذه العابدة الزاهدة بناء على ما ينسب إليها من شعر وتصرفات لا يقتنع بها عقله.
والواقع أن هناك أشياء كثيرة تنسب إلى رابعة لا يمكن أن تكون صحيحة، وبخاصة أن أقرب من ترجموا لها، وهو الجاحظ الذى عاش فى القرن التالى لقرن وفاتها، لم يذكر عنها إلا أنها كانت من النساء الناسكات الزاهدات من أهل البيان، وذلك فى "البيان والتبيين" و"الحيوان" و"المحاسن والأضداد"، ثم أورد عنها فى الكتاب الأول الحكايتين التاليتين: "قيل لرابعة القيسيّة: لو كلّمتِ رجالَ عشيرتِك فاشتَرَوْا لكِ خادما تكفيك مهنةَ بيتِك؟ قالت: واللَّه إني لأستحي أن أسأل الدُّنيا مَن يملك الدنيا، فكيف أسألها من لا يملكُها؟"، "وقيل لرابعة القيسية: هل عملتِ عملا قطُّ تَرَيْنَ أنَّه يُقْبَلُ منك؟ قالت: إنْ كان شيءٌ فخوفي من أن يُرَدَّ عليَّ"، وهذا كل ما هنالك، وهو ما يدفع إلى التساؤل: إذا كان الجاحظ المستقصِى، وهو أقرب من كتبوا عنها إلى عصرها، لم يزد فى الكتابة عنها على هذه السطور القلائل، فضلا عن أن أحدا آخر من كتاب عصره أو من العصر الذى يليه لم يكتب شيئا فى هذا الموضوع، فمن أين أتى من جاؤوا بعده بهذا الذى يُعْزَى إليها من أشعار وأنثار ومواقف وحكايات؟ ومن نقله إليهم يا ترى؟ يمكن أن يقال إن بعض هذا المنسوب إليها قد يكون صحيحا، إذ لعله كان موجودا فى كتب مبكرة ضاعت فلم تصل إلينا أو لعله استمر يُتَنَاقَل شفويا حتى سجله بعض من أتى بعد الجاحظ. ولا أريد أن أجادل فى هذا رغم غرابته، إذ من المستبعد جدا أن تكون رابعة بهذه الأهمية التى تُظْهِرها بها تلك الكتابات المتأخرة ثم لا يهتم بها أحد من القرنين التاليين لها اهتماما يُذْكَر، بل أنا الذى طرحته رغبة فى حل لتلك المشكلة، لكننى فى ذات الوقت لا أستطيع أن أقبل ما يمتلئ من تلك الأخبار بالمبالغة التى لا يقبلها العقل أو التى تتعارض مع ما نعرفه من الطبيعة البشرية، مع أخذنا فى الاعتبار أن هناك دائما استثناءات من الطابع الشائع لهذه الطبيعة، إلا أن هناك دائما سقفا لا يمكن أن ترتفع فوقه تلك الطبيعة. وأرجو أن يتنبه القارئ إلى أن الاختلاف فى سنة وفاة رابعة يبلغ خمسين عاما، إذ يقول بعض إنها ماتت سنة 135هـ، وبعض آخر سنة 185هـ. فإذا كان الشك فى تاريخ وفاتها يبلغ هذا المدى، فما بالنا بأخبارها وأقاويلها وأشعارها، التى لم تسجل إلا بعد تلك الوفاة بزمنٍ جِدِّ طويل؟
وقد وجدتُ د. عبد الرحمن بدوى