هل أسس النبى محمد دينه على الوثنية؟ (3)

كتبها ibrahim awad ، في 1 يوليو 2009 الساعة: 15:48 م

أما مع هارون عليه السلام فنحن أمام مصيبة متلتلة، إذ صنع، وهو النبى وأخو النبى، عجلا من الذهب كى يعبده بنو إسرائيل ويرقصوا حوله عرايا بلابيص. وإلى القارئ نص ذلك بالحرف من الإصحاح الثانى والثلاثين من سفر "الخروج": "1وَلَمَّا رَأَى الشَّعْبُ أَنَّ مُوسَى أَبْطَأَ فِي النُّزُولِ مِنَ الْجَبَلِ، اجْتَمَعَ الشَّعْبُ عَلَى هَارُونَ وَقَالُوا لَهُ: «قُمِ اصْنَعْ لَنَا آلِهَةً تَسِيرُ أَمَامَنَا، لأَنَّ هذَا مُوسَى الرَّجُلَ الَّذِي أَصْعَدَنَا مِنْ أَرْضِ مِصْرَ، لاَ نَعْلَمُ مَاذَا أَصَابَهُ». 2فَقَالَ لَهُمْ هَارُونُ: «انْزِعُوا أَقْرَاطَ الذَّهَبِ الَّتِي فِي آذَانِ نِسَائِكُمْ وَبَنِيكُمْ وَبَنَاتِكُمْ وَاتُونِي بِهَا». 3فَنَزَعَ كُلُّ الشَّعْبِ أَقْرَاطَ الذَّهَبِ الَّتِي فِي آذَانِهِمْ وَأَتَوْا بِهَا إِلَى هَارُونَ. 4فَأَخَذَ ذلِكَ مِنْ أَيْدِيهِمْ وَصَوَّرَهُ بِالإِزْمِيلِ، وَصَنَعَهُ عِجْلا مَسْبُوكًا. فَقَالُوا: «هذِهِ آلِهَتُكَ يَا إِسْرَائِيلُ الَّتِي أَصْعَدَتْكَ مِنْ أَرْضِ مِصْرَ». 5فَلَمَّا نَظَرَ هَارُونُ بَنَى مَذْبَحًا أَمَامَهُ، وَنَادَى هَارُونُ وَقَالَ: «غَدًا عِيدٌ لِلرَّبِّ». 6فَبَكَّرُوا فِي الْغَدِ وَأَصْعَدُوا مُحْرَقَاتٍ وَقَدَّمُوا ذَبَائِحَ سَلاَمَةٍ. وَجَلَسَ الشَّعْبُ لِلأَكْلِ وَالشُّرْبِ ثُمَّ قَامُوا لِلَّعِبِ…"، و"25… رَأَى مُوسَى الشَّعْبَ أَنَّهُ مُعَرًّى لأَنَّ هَارُونَ كَانَ قَدْ عَرَّاهُ لِلْهُزْءِ بَيْنَ مُقَاوِمِيهِ". ولنلاحظ أن هارون قد مارس الوثنية وصنع العجل وهو نبى وأخو نبى، وليس إنسانا عاديا يعيش فى الجاهلية. ولم يقتصر الأمر، كما نرى، على متابعة قومه على عبادة عجل كان موجودا من قبل، بل هو الذى صنعه بيديه. كما أن المسألة ليست مجرد أكل من لحم مذبوح للأوثان، بل صنعا للأوثان ذاتها لتسهيل عبادتها لمن يعبدها ويرقص عريانا حولها.

وفى الإصحاح الأول من "أخبار الملوك" الثانى نقرأ أيضا أن الله قد تراءى لسليمان: "7فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ تَرَاءَى اللهُ لِسُلَيْمَانَ وَقَالَ لَهُ: «اسْأَلْ مَاذَا أُعْطِيكَ». 8فَقَالَ سُلَيْمَانُ ِللهِ: «إِنَّكَ قَدْ فَعَلْتَ مَعَ دَاوُدَ أَبِي رَحْمَةً عَظِيمَةً وَمَلَّكْتَنِي مَكَانَهُ. 9فَالآنَ أَيُّهَا الرَّبُّ الإِلهُ لِيَثْبُتْ كَلاَمُكَ مَعَ دَاوُدَ أَبِي، لأَنَّكَ قَدْ مَلَّكْتَنِي عَلَى شَعْبٍ كَثِيرٍ كَتُرَابِ الأَرْضِ. 10فَأَعْطِنِي الآنَ حِكْمَةً وَمَعْرِفَةً لأَخْرُجَ أَمَامَ هذَا الشَّعْبِ وَأَدْخُلَ، لأَنَّهُ مَنْ يَقْدِرُ أَنْ يَحْكُمَ عَلَى شَعْبِكَ هذَا الْعَظِيمِ» 11فَقَالَ اللهُ لِسُلَيْمَانَ: «مِنْ أَجْلِ أَنَّ هذَا كَانَ فِي قَلْبِكَ، وَلَمْ تَسْأَلْ غِنًى وَلاَ أَمْوَالا وَلاَ كَرَامَةً وَلاَ أَنْفُسَ مُبْغِضِيكَ، وَلاَ سَأَلْتَ أَيَّامًا كَثِيرَةً، بَلْ إِنَّمَا سَأَلْتَ لِنَفْسِكَ حِكْمَةً وَمَعْرِفَةً تَحْكُمُ بِهِمَا عَلَى شَعْبِي الَّذِي مَلَّكْتُكَ عَلَيْهِ، 12قَدْ أَعْطَيْتُكَ حِكْمَةً وَمَعْرِفَةً، وَأُعْطِيكَ غِنًى وَأَمْوَالا وَكَرَامَةً لَمْ يَكُنْ مِثْلُهَا لِلْمُلُوكِ الَّذِينَ قَبْلَكَ، وَلاَ يَكُونُ مِثْلُهَا لِمَنْ بَعْدَكَ»".

إلا أن سليمان، الذى آتاه الله الحكمة والمعرفة، يرسب رغم ذلك فى الامتحان وبجدارة، ففى الإصحاح الثالث والعشرين من سفر "الملوك" الثانى تقابلنا "13َالْمُرْتَفَعَاتُ الَّتِي قُبَالَةَ أُورُشَلِيمَ، الَّتِي عَنْ يَمِينِ جَبَلِ الْهَلاَكِ، الَّتِي بَنَاهَا سُلَيْمَانُ مَلِكُ إِسْرَائِيلَ لِعَشْتُورَثَ رَجَاسَةِ الصِّيدُونِيِّينَ، وَلِكَمُوشَ رَجَاسَةِ الْمُوآبِيِّينَ، وَلِمَلْكُومَ كَرَاهَةِ بَنِي عَمُّونَ، نَجَّسَهَا الْمَلِكُ". وسليمان نبى من أنبياء الله وملك كبير من ملوك بنى إسرائيل بل أعظم ملوكهم، وليس شخصا وثنيا من قوم وثنيين لم يأتهم رسول من عند الله بدعوة التوحيد حتى نقول إنه معذور، ولو إلى حد ما، فى متابعة قومه. وفى الإصحاح الحادى عشر سفر "الملوك" الأول نجد شيئا من التفصيل لهذا الانحراف الوثنى: "1وَأَحَبَّ الْمَلِكُ سُلَيْمَانُ نِسَاءً غَرِيبَةً كَثِيرَةً مَعَ بِنْتِ فِرْعَوْنَ: مُوآبِيَّاتٍ وَعَمُّونِيَّاتٍ وَأَدُومِيَّاتٍ وَصِيدُونِيَّاتٍ وَحِثِّيَّاتٍ 2مِنَ الأُمَمِ الَّذِينَ قَالَ عَنْهُمُ الرَّبُّ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ: «لاَ تَدْخُلُونَ إِلَيْهِمْ وَهُمْ لاَ يَدْخُلُونَ إِلَيْكُمْ، لأَنَّهُمْ يُمِيلُونَ قُلُوبَكُمْ وَرَاءَ آلِهَتِهِمْ». فَالْتَصَقَ سُلَيْمَانُ بِهؤُلاَءِ بِالْمَحَبَّةِ. 3وَكَانَتْ لَهُ سَبْعُ مِئَةٍ مِنَ النِّسَاءِ السَّيِّدَاتِ، وَثَلاَثُ مِئَةٍ مِنَ السَّرَارِيِّ، فَأَمَالَتْ نِسَاؤُهُ قَلْبَهُ. 4وَكَانَ فِي زَمَانِ شَيْخُوخَةِ سُلَيْمَانَ أَنَّ نِسَاءَهُ أَمَلْنَ قَلْبَهُ وَرَاءَ آلِهَةٍ أُخْرَى، وَلَمْ يَكُنْ قَلْبُهُ كَامِلا مَعَ الرَّبِّ إِلهِهِ كَقَلْبِ دَاوُدَ أَبِيهِ. 5فَذَهَبَ سُلَيْمَانُ وَرَاءَ عَشْتُورَثَ إِلهَةِ الصِّيدُونِيِّينَ، وَمَلْكُومَ رِجْسِ الْعَمُّونِيِّينَ. 6وَعَمِلَ سُلَيْمَانُ الشَّرَّ فِي عَيْنَيِ الرَّبِّ، وَلَمْ يَتْبَعِ الرَّبَّ تَمَامًا كَدَاوُدَ أَبِيهِ. 7حِينَئِذٍ بَنَى سُلَيْمَانُ مُرْتَفَعَةً لِكَمُوشَ رِجْسِ الْمُوآبِيِّينَ عَلَى الْجَبَلِ الَّذِي تُجَاهَ أُورُشَلِيمَ، وَلِمُولَكَ رِجْسِ بَنِي عَمُّونَ. 8وَهكَذَا فَعَلَ لِجَمِيعِ نِسَائِهِ الْغَرِيبَاتِ اللَّوَاتِي كُنَّ يُوقِدْنَ وَيَذْبَحْنَ لآلِهَتِهِنَّ. 9فَغَضِبَ الرَّبُّ عَلَى سُلَيْمَانَ لأَنَّ قَلْبَهُ مَالَ عَنِ الرَّبِّ إِلهِ إِسْرَائِيلَ الَّذِي تَرَاءَى لَهُ مَرَّتَيْنِ، 10وَأَوْصَاهُ فِي هذَا الأَمْرِ أَنْ لاَ يَتَّبعَ آلِهَةً أُخْرَى، فَلَمْ يَحْفَظْ مَا أَوْصَى بِهِ الرَّبُّ". أرأيت كيف يصور العهد القديم نبى الله سليمان شيخا بريالة تلعب نساؤه بقلبه وعقله فيتحول من دين التوحيد إلى دين الوثنية، هكذا بكل بساطة، ورغم إيتاء الله إياه العلم والحكمة ورغم مشاهدته له سبحانه مرتين؟

وفى الإصحاح الثانى من سفر "إرميا": "8اَلْكَهَنَةُ لَمْ يَقُولُوا: أَيْنَ هُوَ الرَّبُّ؟ وَأَهْلُ الشَّرِيعَةِ لَمْ يَعْرِفُونِي، وَالرُّعَاةُ عَصَوْا عَلَيَّ، وَالأَنْبِيَاءُ تَنَبَّأُوا بِبَعْل، وَذَهَبُوا وَرَاءَ مَا لاَ يَنْفَعُ". وفى الإصحاح الثالث والعشرين من نفس السفر نجده عز وجل يقول إن "َ11الأَنْبِيَاءَ وَالْكَهَنَةَ تَنَجَّسُوا جَمِيعًا، بَلْ فِي بَيْتِي وَجَدْتُ شَرَّهُمْ، يَقُولُ الرَّبُّ. 12لِذلِكَ يَكُونُ طَرِيقُهُمْ لَهُمْ كَمَزَالِقَ فِي ظَلاَمٍ دَامِسٍ، فَيُطْرَدُونَ وَيَسْقُطُونَ فِيهَا، لأَنِّي أَجْلِبُ عَلَيْهِمْ شَرًّا سَنَةَ عِقَابِهِمْ، يَقُولُ الرَّبُّ. 13وَقَدْ رَأَيْتُ فِي أَنْبِيَاءِ السَّامِرَةِ حَمَاقَةً. تَنَبَّأُوا بِالْبَعْلِ وَأَضَلُّوا شَعْبِي إِسْرَائِيلَ. 14وَفِي أَنْبِيَاءِ أُورُشَلِيمَ رَأَيْتُ مَا يُقْشَعَرُّ مِنْهُ. يَفْسِقُونَ وَيَسْلُكُونَ بِالْكَذِبِ، وَيُشَدِّدُونَ أَيَادِيَ فَاعِلِي الشَّرِّ حَتَّى لاَ يَرْجِعُوا الْوَاحِدُ عَنْ شَرِّهِ. صَارُوا لِي كُلُّهُمْ كَسَدُومَ، وَسُكَّانُهَا كَعَمُورَةَ"… ترى هل يكفى هذا؟ أم هل ينبغى أن أمضى فى تعداد هذه الوثنيات التى يعج بها العهد القديم فلا أنتهى لا اليوم ولا غدا ولا بعد غد؟ إننا لا نتكلم هنا عن أشخاص عاديين يعيشون فى مجتمعات وثنية، بل عن أنبياء آتاهم الله الحكمة والمعرفة وكلفهم تبليغ رسالة التوحيد فى أمة لم تتوقف يوما عن إنجاب الأنبياء!

هذا عن العهد القديم، أما فى النصرانية المثلِّثة (وهى غير النصرانية  الموحِّدة) فنجد الله يتجسد وينزل إلى الأرض ويصبح إنسانا يجوع ويعطش ويتبول ويتبرز وينام ويتعب ويمرض ويضعف وينسى ويتعرض للإهانات وألوان الأذى ويُصْلَب ويُشْتَم ويُضْرَب ويُتَهَكَّم عليه ويُطْعَن فى خاصرته وتُكْسَر ركبتاه ويموت ويُدْفَن، وذلك كله بعد أن حملت به أمه وولدته وأرضعته حتى نما وكبر وشَبَّ وبلغ مبلغ الرجال… إلخ. كما أنه سبحانه وتعالى لم يَعُدْ واحدا، بل صار ثلاثة: أب وابن وروح قدس… وهكذا. لقد أصبح الله، الذى كان خالقا ومطلقا لا حدود له وجودًا وقدرةً وإرادةً وعلمًا، بشرا مخلوقا ضعيفا محدودا فى كل شىء. وحين كان يموت على الصليب كان يصرخ من بُرَحاء الألم وينادى الله فى عليائه كى يهب فينقذه ويجيز عنه تلك الكأس المرة، ولكنْ ما من مجيب. كما أضحى النصارى يلقبونه بــ"الخروف" (انظر مادة "Lamb" فى "EncyclopediaWebBible" حيث نقرأ:

“The lamb was a symbol of Christ (Gen. 4:4; Ex. 12:3; 29:38; Isa. 16:1; 53:7; John 1:36; Rev. 13:8). Christ is called the Lamb of God (John 1:29، 36)، as the great sacrifice of which the former sacrifices were only types (Num. 6:12; Lev. 14:12-17; Isa. 53:7; 1 Cor. 5:7)”

وانظر كذلك مادة "الخروف" فى "دائرة المعارف الكتابية" حيث جاء فيها أنه "يُكَنَّى عن المسيح بــ"حَمَل اللـه" (إش 53: 7، يو 1: 29 و35، رؤ 5: 6)". وقد تكرر الكلام عن الخروف فى "رؤيا يوحنا اللاهوتى" مرارا كثيرة مقصودا به المسيح (الربّ بطبيعة الحال)، ومنها هذه النصوص الثلاثة الموجودة فى الإصحاحات: الخامس والسابع عشر والحادى والعشرين على التوالى: "وَرَأَيْتُ فَإِذَا فِي وَسَطِ الْعَرْشِ وَالْحَيَوَانَاتِ الأَرْبَعَةِ وَفِي وَسَطِ الشُّيُوخِ خَرُوفٌ قَائِمٌ كَأَنَّهُ مَذْبُوحٌ، لَهُ سَبْعَةُ قُرُونٍ وَسَبْعُ أَعْيُنٍ، هِيَ سَبْعَةُ أَرْوَاحِ اللهِ الْمُرْسَلَةُ إِلَى كُلِّ الأَرْضِ"، "14هؤُلاَءِ سَيُحَارِبُونَ الْخَرُوفَ، وَالْخَرُوفُ يَغْلِبُهُمْ، لأَنَّهُ رَبُّ الأَرْبَابِ وَمَلِكُ الْمُلُوكِ، وَالَّذِينَ مَعَهُ مَدْعُوُّونَ وَمُخْتَارُونَ وَمُؤْمِنُونَ»"، "10وَذَهَبَ بِي بِالرُّوحِ إِلَى جَبَل عَظِيمٍ عَال، وَأَرَانِي الْمَدِينَةَ الْعَظِيمَةَ أُورُشَلِيمَ الْمُقَدَّسَةَ نَازِلَةً مِنَ السَّمَاءِ مِنْ عِنْدِ اللهِ، 11لَهَا مَجْدُ اللهِ، وَلَمَعَانُهَا شِبْهُ أَكْرَمِ حَجَرٍ كَحَجَرِ يَشْبٍ بَلُّورِيٍّ. 12وَكَانَ لَهَا سُورٌ عَظِيمٌ وَعَال، وَكَانَ لَهَا اثْنَا عَشَرَ بَابًا، وَعَلَى الأَبْوَابِ اثْنَا عَشَرَ مَلاَكًا، وَأَسْمَاءٌ مَكْتُوبَةٌ هِيَ أَسْمَاءُ أَسْبَاطِ بَنِي إِسْرَائِيلَ الاثْنَيْ عَشَرَ. 13مِنَ الشَّرْقِ ثَلاَثَةُ أَبْوَابٍ، وَمِنَ الشِّمَالِ ثَلاَثَةُ أَبْوَابٍ، وَمِنَ الْجَنُوبِ ثَلاَثَةُ أَبْوَابٍ، وَمِنَ الْغَرْبِ ثَلاَثَةُ أَبْوَابٍ. 14وَسُورُ الْمَدِينَةِ كَانَ لَهُ اثْنَا عَشَرَ أَسَاسًا، وَعَلَيْهَا أَسْمَاءُ رُسُلِ الْخَرُوفِ الاثْنَيْ عَشَرَ".

وق

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

هل أسس النبى محمد دينه على الوثنية؟ (2)

كتبها ibrahim awad ، في 1 يوليو 2009 الساعة: 15:46 م

ترى هل كان الهيكل مهجورا طوال ذلك من قبل المؤمنين فلا يؤمّه إلا الوثنيون؟ هذا ما لا يمكن أن يكون، وإلا كان معنى ذلك أنه لم يعد ثم مؤمنون أو كان ثم مؤمنون لكنهم لم يكونوا يؤدون لله حق العبادة. الواقع أن المؤمنين كانوا يؤمونه هم أيضا لتأدية شعائر العبادة لربهم رغم وجود الأوثان بداخله كما شاهدنا. فهل نقول إن عبادة المؤمنين فى هذه الحالة وثنية؟ بالطبع كلا. إذن إلام يرمى سام شمعون بسخافاته تلك؟

ومما يدل على أن العبرة بالنية والتوجه هذه السطور التى ننقلها من الإنجيل الذى ألفه متى، إذ نقرأ فى مفتتح الإصحاح السادس: "1«اِحْتَرِزُوا مِنْ أَنْ تَصْنَعُوا صَدَقَتَكُمْ قُدَّامَ النَّاسِ لِكَيْ يَنْظُرُوكُمْ، وَإِلاَّ فَلَيْسَ لَكُمْ أَجْرٌ عِنْدَ أَبِيكُمُ الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ. 2فَمَتَى صَنَعْتَ صَدَقَةً فَلاَ تُصَوِّتْ قُدَّامَكَ بِالْبُوقِ، كَمَا يَفْعَلُ الْمُرَاؤُونَ فِي الْمَجَامِعِ وَفِي الأَزِقَّةِ، لِكَيْ يُمَجَّدُوا مِنَ النَّاسِ. اَلْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّهُمْ قَدِ اسْتَوْفَوْا أَجْرَهُمْ! 3وَأَمَّا أَنْتَ فَمَتَى صَنَعْتَ صَدَقَةً فَلاَ تُعَرِّفْ شِمَالَكَ مَا تَفْعَلُ يَمِينُكَ، 4لِكَيْ تَكُونَ صَدَقَتُكَ فِي الْخَفَاءِ. فَأَبُوكَ الَّذِي يَرَى فِي الْخَفَاءِ هُوَ يُجَازِيكَ عَلاَنِيَةً. 5«وَمَتَى صَلَّيْتَ فَلاَ تَكُنْ كَالْمُرَائِينَ، فَإِنَّهُمْ يُحِبُّونَ أَنْ يُصَلُّوا قَائِمِينَ فِي الْمَجَامِعِ وَفِي زَوَايَا الشَّوَارِعِ، لِكَيْ يَظْهَرُوا لِلنَّاسِ. اَلْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّهُمْ قَدِ اسْتَوْفَوْا أَجْرَهُمْ! 6وَأَمَّا أَنْتَ فَمَتَى صَلَّيْتَ فَادْخُلْ إِلَى مِخْدَعِكَ وَأَغْلِقْ بَابَكَ، وَصَلِّ إِلَى أَبِيكَ الَّذِي فِي الْخَفَاءِ. فَأَبُوكَ الَّذِي يَرَى فِي الْخَفَاءِ يُجَازِيكَ عَلاَنِيَةً. 7وَحِينَمَا تُصَلُّونَ لاَ تُكَرِّرُوا الْكَلاَمَ بَاطِلا كَالأُمَمِ، فَإِنَّهُمْ يَظُنُّونَ أَنَّهُ بِكَثْرَةِ كَلاَمِهِمْ يُسْتَجَابُ لَهُمْ. 8فَلاَ تَتَشَبَّهُوا بِهِمْ. لأَنَّ أَبَاكُمْ يَعْلَمُ مَا تَحْتَاجُونَ إِلَيْهِ قَبْلَ أَنْ تَسْأَلُوهُ… 16«وَمَتَى صُمْتُمْ فَلاَ تَكُونُوا عَابِسِينَ كَالْمُرَائِينَ، فَإِنَّهُمْ يُغَيِّرُونَ وُجُوهَهُمْ لِكَيْ يَظْهَرُوا لِلنَّاسِ صَائِمِينَ. اَلْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّهُمْ قَدِ اسْتَوْفَوْا أَجْرَهُمْ. 17وَأَمَّا أَنْتَ فَمَتَى صُمْتَ فَادْهُنْ رَأْسَكَ وَاغْسِلْ وَجْهَكَ، 18لِكَيْ لاَ تَظْهَرَ لِلنَّاسِ صَائِمًا، بَلْ لأَبِيكَ الَّذِي فِي الْخَفَاءِ. فَأَبُوكَ الَّذِي يَرَى فِي الْخَفَاءِ يُجَازِيكَ عَلاَنِيَةً". فها هو ذا السيد المسيح يؤكد أن صلاة اليهود وصيامهم غير مقبولين رغم أنهما لم يكونا يؤدَّيان لصنم ولا لوثن، إذ النية فيهما غير خالصة لوجه الله سبحانه.

كذلك كان بنو إسرائيل يأخذون على السيد المسيح امتزاجه بالعَشّارين والخطاة، لكنه لم يكن يرى بهذا بأسا، إذ كانت نيته طيبة، وهى العمل على هدايتهم، فلهذا كان رأيه مختلفا تماما عما يَرَوْن: ":«الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ الْعَشَّارِينَ وَالزَّوَانِيَ يَسْبِقُونَكُمْ إِلَى مَلَكُوتِ اللهِ، 32لأَنَّ يُوحَنَّا جَاءَكُمْ فِي طَرِيقِ الْحَقِّ فَلَمْ تُؤْمِنُوا بِهِ، وَأَمَّا الْعَشَّارُونَ وَالزَّوَاني فَآمَنُوا بِهِ. وَأَنْتُمْ إِذْ رَأَيْتُمْ لَمْ تَنْدَمُوا أَخِيرًا لِتُؤْمِنُوا بِهِ". كما انتقدوه هو وتلاميذه لعدم مراعاتهم شعيرة السبت، فأفحمهم بأن السبت إنما شُرِع للإنسان لا الإنسان للسبت، طبقا لما سجله متى فى الإصحاح الثانى عشر من الإنجيل الذى وضعه: "1فِي دلِكَ الْوَقْتِ ذَهَبَ يَسُوعُ فِي السَّبْتِ بَيْنَ الزُّرُوعِ، فَجَاعَ تَلاَمِيذُهُ وَابْتَدَأُوا يَقْطِفُونَ سَنَابِلَ وَيَأْكُلُونَ. 2فَالْفَرِّيسِيُّونَ لَمَّا نَظَرُوا قَالُوا لَهُ:«هُوَذَا تَلاَمِيذُكَ يَفْعَلُونَ مَا لاَ يَحِلُّ فِعْلُهُ فِي السَّبْتِ!» 3فَقَالَ لَهُمْ:«أَمَا قَرَأْتُمْ مَا فَعَلَهُ دَاوُدُ حِينَ جَاعَ هُوَ وَالَّذِينَ مَعَهُ؟ 4كَيْفَ دَخَلَ بَيْتَ اللهِ وَأَكَلَ خُبْزَ التَّقْدِمَةِ الَّذِي لَمْ يَحِلَّ أَكْلُهُ لَهُ وَلاَ لِلَّذِينَ مَعَهُ، بَلْ لِلْكَهَنَةِ فَقَطْ. 5أَوَ مَا قَرَأْتُمْ فِي التَّوْرَاةِ أَنَّ الْكَهَنَةَ فِي السَّبْتِ فِي الْهَيْكَلِ يُدَنِّسُونَ السَّبْتَ وَهُمْ أَبْرِيَاءُ؟ 6وَلكِنْ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ ههُنَا أَعْظَمَ مِنَ الْهَيْكَلِ! 7فَلَوْ عَلِمْتُمْ مَا هُوَ: إِنِّي أُرِيدُ رَحْمَةً لاَ ذَبِيحَةً، لَمَا حَكَمْتُمْ عَلَى الأَبْرِيَاءِ! 8فَإِنَّ ابْنَ الإِنْسَانِ هُوَ رَبُّ السَّبْتِ أَيْضًا».9ثُمَّ انْصَرَفَ مِنْ هُنَاكَ وَجَاءَ إِلَى مَجْمَعِهِمْ، 10وَإِذَا إِنْسَانٌ يَدُهُ يَابِسَةٌ، فَسَأَلُوهُ قَائِلِينَ:«هَلْ يَحِلُّ الإِبْرَاءُ فِي السُّبُوتِ؟» لِكَيْ يَشْتَكُوا عَلَيْهِ. 11فَقَالَ لَهُمْ:«أَيُّ إِنْسَانٍ مِنْكُمْ يَكُونُ لَهُ خَرُوفٌ وَاحِدٌ، فَإِنْ سَقَطَ هذَا فِي السَّبْتِ فِي حُفْرَةٍ، أَفَمَا يُمْسِكُهُ وَيُقِيمُهُ؟ 12فَالإِنْسَانُ كَمْ هُوَ أَفْضَلُ مِنَ الْخَرُوفِ! إِذًا يَحِلُّ فِعْلُ الْخَيْرِ فِي السُّبُوتِ!» 13ثُمَّ قَالَ لِلإِنْسَانِ:«مُدَّ يَدَكَ». فَمَدَّهَا. فَعَادَتْ صَحِيحَةً كَالأُخْرَى". وهذا ما نقوله، إذ المهم النية. قال رسولنا الكريم: "إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى". ومن هنا باء المنافقون فى عهده بغضب المولى عز شأنه رغم أنهم كانوا يصلون ويصومون ويشهدون ألا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ويصنعون كل شىء كما يصنع المؤمنون، ويتحدثون بذات الكلام الذى يتحدث به المؤمنون. وفى ذات الوقت بشر الله سبحانه وتعالى بالنجاة من اضْطُرَّ إلى إعلان الكفر به جل شأنه تحت ضغط معذبيه من الكفار ما دام قلبه منطويا على الإيمان به جل جلاله.

أما الأشهر الحرم، التى يقول سام شمعون إنها من أوضاع الجاهلية، فلا أدرى ما المشكلة فيها؟ أكان على الإسلام أن يعارض كل ما كان قائما فى المجتمع العربى آنذاك حتى لو كان أمرا نافعا طيبا كالأشهر الحرم؟ لقد كانت تلك الأشهر فرصة يلتقط فيها العرب أنفاسهم من الاقتتال المدمر الذى كان يحتدم بينهم لأتفه الأسباب. أفإن جاء الإسلام ووجد هذا النظام الجميل (الذى من الممكن أن يكون مرجعه إلى ديانة إبراهيم وإسماعيل أو دين أحد آخر من أنبياء العرب) أيقول لذلك النظام: كلا لا نريدك، وليبق العرب يحتربون دون هوادة ودون أن تكون هناك نسمة ملطفة تخفف من حر هذا الجحيم الحربى؟ وسواء كانت الأشهر الحرم اختراعا عربيا صرفا أو كانت جزءا من تشريعات ديانة من الديانات إنها لعبقرية من عبقريات الإسلام أن يحافظ على هذا التقليد العظيم و لا يرفسه كما يصنع الأغبياء الذين لا يريدون أن يبقى شىء من النظام القديم مهما بانت صحته وجدواه. لقد كان العرب يأكلون ويشربون ويتزاوجون ويعبدون الله ويسافرون ويتاجرون ويَرْعَوْن ويزرعون ويتضايفون ويتعاونون ويتحالفون ويكرم بعضهم بعضا، فهل كان واجبا على الإسلام أن يرفض كل ذلك لا لشىء إلا لأن العرب كانوا يفعلونه؟ هنا تظهر العبقرية الإسلامية: فما كان صالحا بوضعه القائم أبقاه الإسلام كما هو، وما كان بحاجة إلى مراجعةٍ راجعه الإسلام، وما كان يمترج فيه الصواب والخطأ، والهدى والضلال، نقاه الإسلام من الخطإ ونفى عنه الضلالة واستغله بعد هذا على خير وجه. وعلى كل حال أريد أن أسأل العقلاء: ما وجه الوثنية فى الأشهر الحرم؟ أويريد الله لعباده أن يظلوا يتحاربون حتى يفنى بعضهم بعضا دون أدنى هوادة أو استراحة؟ افإن وجد الرب عباده وقد فاؤوا إلى السلام أربعة أشهر فى العام غضب عليهم وسخط واغتاظ منهم وكرههم؟ لكن لماذا؟ أهو إله حرب وعدوان لا يرتوى من الدماء؟ إن مثل هذا الإله لا يمكن أن يكون هو إله الإسلام الرحمن الرحيم.

أما الطواف حول الكعبة والسعى بين الصفا والمروة سبع مرات فهذا مأخوذ من شريعة إبراهيم، وهو من الأمور التى احتفظ بها العرب لم يغيروها رغم تطاول الزمان. ومن التنطع الفاسد الذى لا معنى له ولا طعم ولا لون ولا رائحة أن يتساءل سام شمعون: ولماذا سَبْعٌ؟ وهو سؤال لن ننتهى منه إلى الأبد مهما غيرنا العدد فجعلناه ستا أو ثمانى أو أربعا أو عشرا أو ثلاثا أو عشرين أو مائة، إذ يمكن أى متساخف تافه أن يطرح ذات السؤال: ولماذا ثلاث؟ أو لماذا أربع؟ أو لماذا عشرون؟ أو لماذا تسعون؟ أما قول يوسف على، طبقا لما أورده سام شمعون، إن السبعة رقم صوفى، فهو كلام ليوسف على لا يلزمنا فى قليل أو كثير. وأنا لا أشاركه هذا التفسير بتاتا، وأراه تكلفا لا يستند إلى أى أساس. وكل ما أفهمه هو أنه هكذا كان الطواف والسعى منذ إبراهيم عليه السلام، وسيظل هكذا إلى يوم الدين. وثم رواية تشير إلى أن هاجر حين عطش رضيعها فى تلك البرية العربية المهلكة جعلت تذهب وتجىء سبع مرات إلى أن وجدت قدم ابنها الذى كان يدقها فى الأرض من بُرَحاء العطش قد فجرت عين ماء فعنئذ توقفت وسقته واستقت، فمن هنا كان العدد سبعة فى السعى بين الصفا والمروة.

أما تفسير السماوات السبع بأنها الكواكب فهو تفسير خاطئ لم يقل به القرآن ولا قالت به الأحاديث، لأن الكواكب ليست سبعة فقط، كما أن معنى السماوات يختلف عن معنى الكواكب كما يعلم كل من لديه ذرة من عقل، إذ السماء تشمل الكواكب والنجوم والمجرات والشموس والأقمار. إن أى عامى يرفع رأسه وينظر إلى فوق يقول ببساطة متناهية: هذه هى السماء. وذلك صحيح تماما. فهل السماء بهذا المعنى تقتصر على الكواكب السبعة، إن صح أنها سبعة فقط؟ وأين تذهب الشمس والقمر والنجوم التى تتناثر هنا وهناك فى صفحة السماء؟ إن الذى أفهمه من السماوات السبع أنها سبع سماوات كسمائنا هذه، مثلما هناك أرضون سبعٌ كأرضنا هذه، ومع كل سماء أرضها. أما كيف؟ فلا أدرى. إن علم الفلك، رغم تقدمه الهائل، لا يزال فى الواقع يحبو بالقياس إلى ما تحتويه السماء من أسرار وأجرام. وقد أكون مخطئا رغم ذلك كله فى فهمى. أقول هذا حتى لا يأتى متعلل فيعتل على القرآن بتفسيرى هذا الذى لا يزيد عن كونه مجرد اجتهاد بشرى.

وبالنسبة إلى الفارق الزمنى بين بناء الكعبة والمسجد الأقصى وأنه أربعون سنة كما جاء فى بعض الروايات فى البخارى، على حين أن الفارق بينهما هو مئات السنين كما علّق شمعون، فلا أرى أى موجب للقلق، إذ البخارى ليس قرآنا، ونحن غير مأمورين بتصديق كل ما جاء فيه عميانيًّا، بل علينا أن نعرضه على القرآن والمعارف اليقينية كى نتبين أنه لا يصادم أيا منهما. والبخارى وإخوانه أصحاب المجاميع الحديثية عباقرة بكل يقين، ولا يوجد لهم نظير فى أية ثقافة بشرية، إلا أنهم رغم عبقريتهم السامقة يَبْقَوْن بشرا فى نهاية المطاف يصيبون ويخطئون. ولا موجب من ثم للقلق، فالإسلام أكبر من البخارى ومسلم والنسائى والترمذى وابن داود وابن حنيل ومالك وسائر جامعى الحديث الشريف، رضى الله عنهم أجمعين.

وهذا لو كان المسجد الحرام قد وضعه إبراهيم أول واحد، وكان المسجد الأقصى هو هيكل بيت المقدس وأن سليمان هو أول من بناه، فهل هناك من يقطع أن المسجد الأقصى فى الحديث هو هيكل بيت المقدس الذى بناه سليمان عليه السلام وأن إبراهيم هو أول من بنى البيت الحرام؟ لقد سكت الحديث عن هذا وذاك، ومن ثم لا يجوز أن نخطِّئ الحديث بناء على ما نتصوره نحن. فلربما قصد النبى بالمسجد الأقصى شيئا آخر غير ما نظن. كما أن من الممكن جدا ألا يكون إبراهيم هو واضع المسجد الحرام أول واحد، أو لا يكون سليمان هو أو ل بناة الأقصى.

هذا ما خطر لى، ثم بدا لى أن اراجع ما قاله علماؤنا فى هذا الموضوع فوجدت على سبيل المثال هذا التوجيه فى "فتح البارى بشرح صحيح البخارى": "‏قال ابن الجوزي: فيه إشكال، لأن إبراهيم بنى الكعبة، وسليمان بنى بيت المقدس، وبينهما أكثر من ألف سنة… ومستنده في أن سليمان عليه السلام هو الذي بنى المسجد الأقصى ما رواه النسائي من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص مرفوعا بإسناد صحيح "أن سليمان لما بنى بيت المقدس سأل الله تعالى خلالا ثلاثا"… الحديث. وفي الطبراني من حديث رافع بن عميرة "أن داود عليه السلام ابتدأ ببناء بيت المقدس، ثم أوحى الله إليه: إني لأقضي بناءه على يد سليمان". وفي الحديث قصة، قال: وجوابه أن الإشارة إلى أول البناء ووضْع أساس المسجد، وليس إبراهيم أول من بنى الكعبة ولا سليمان أول من بنى بيت المقدس، فقد روينا أن أول من بنى الكعبة آدم ثم انتشر ولده في الأرض. فجائز أن يكون بعضهم قد وضع بيت المقدس، ثم بنى إبراهيم الكعبة بنص القرآن. وكذا قال القرطبي إن الحديث لا يدل على أن إبراهيم وسليمان لما بنيا المسجدين ابتدآ وضعهما لهما، بل ذلك تجديد لما كان أسسه غيرهما. قلت:

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

هل أسس النبى محمد دينه على الوثنية؟ (1)

كتبها ibrahim awad ، في 1 يوليو 2009 الساعة: 15:41 م

"رَمَتْنى بدائها وانْسَلَّتِ"

هل أسس النبى محمد دينه على الوثنية؟

(تفنيد سخافات المدعوّ: سام شمعون)

د. إبراهيم عوض

Ibrahim_awad9@yahoo.com

http://awad.phpnet.us/

http://www.maktoobblog.com/ibrahim_awad9

الوثنية، كما جاء فى تعريفها فى "الموسوعة العربية الميسرة"، هى "معتقَدٌ يقوم على عبادة غيرِ الله عز وجل أو صورٍ لآلهة أو روحٍ. وهذا التعبير يعني أيضًا عبادة الآلهة المزيفة". وفى "Encyclopædia Britannica: الموسوعة البريطانية" (إصدار 2008م) يعدد كاتب مادة "idolatry" بعضا من ألوان الوثنية قائلا إنها قد تتبدى فى تمجيد أى شخص أو أى شىء: مَلِكًا كان أو شمسًا أو حيوانًا أو صنمًا حتى لو صاحَبَ ذلك الإيمان بالله وعبادته كما حدث حين عبد بنو إسرائيل العجل الذهبى أثناء ذهاب موسى عليه السلام للقاء ربه فوق الجبل:

“Several forms of idolatry have been distinguished. Gross، or overt، idolatry consists of explicit acts of reverence addressed to a person or an object—the sun، the king، an animal، a statue. This may exist alongside the acknowledgment of a supreme being; e.g.، Israel worshiped the golden calf at the foot of Mount Sinai، where it had encamped to receive the Law and the covenant of the one true God”

وفى موسوعة الــ"Encarta " فى نسختها الفرنسية أن الوثنية هى

culte voué à une image figurant un être surnaturel، dont la représentation matérielle est vénérée comme la demeure de celui-ci”.

ونطالع فى موسوعة "Laousse" الضوئية أنها "Culte rendu à des idoles ou à des créatures adorées comme la divinité même".

وثم لون آخر من الوثنية، وهو النزول بالإله من علياء مجده إلى مرتبة المخلوقات حيث يتجسد ويتعدد ويظهر للبشر عيانا بيانا، وإن كان هذا الضرب من الاعتقاد يسير فى خط معاكس لخط الوثنية السالفة الذكر، مع انتهائه فى نفس الوقت إلى ذات النقطة التى تنتهى عندها، إذ الوثنية فى أصلها هى الارتفاع بالمخلوق إلى مرتبة الخالق، بينما الاعتقاد الذى نحن بصدده ينزل بالخالق إلى مرتبة المخلوق. أما النقطة التى يلتقى عندها الخطّان فهى التسوية بين الخالق ومخلوقاته.

وقد وقع لى فى الأيام الأخيرة كتاب بعنوان "محمد والوثنية" من تأليف شخص يُسَمَّى: سام شمعون ادعى فيه أن الرسول عليه الصلاة والسلام كان يمارس طقوس الوثنية قبل أن يَطْلُع على العالم بدينه، الذى كونه من تلك الطقوس بعدما أعطاه مضمونا توحيديا. ومن هذه الطقوس التى كان يمارسها الرسول الكريم حسبما ورد فى ذلك الكتاب أَكْلُه من ذبائح الأوثان وطوافه بالكعبة وسعيه بين الصفا والمروة… إلخ. والحق أن الكتاب وصاحبه قد أضحكانى كما لم أضحك منذ وقت طويل، إذ وجدتهما ينطبق عليهما المثل العربى المعروف: "رَمَتْنى بدائها وانْسَلَّتِ". أَوَدِينُ محمد دين وثنى؟ ومن يصفه بذلك؟ إنه سام شمعون وأشباهه، الذين يفيض دينهم بالوثنيات بعد أن حرفوه وعبثوا به. أليس ذلك أمرا يبعث على القهقهة؟

ولنفترض أن الأمر كما قال سام شمعون، فهل فيه ما ينال من النبى عليه الصلاة والسلام؟ كلا وألف كلا، إذ إنه عليه السلام لم يكن فى ذلك الوقت قد أصبح نبيا يُوحَى إليه بعد، ولم يكن فى بلاد العرب دين سماوى صحيح يتبعه الناس، بل كانوا فى معظمهم وثنيين، ومن المعتاد أن يكون الإنسان على دين قومه. لقد كان من العرب من يدين باليهودية والنصرانية، إلا أن أيا من هاتين الديانتين لم تكن ديانة قوم النبى عليه السلام، ودَعْنا من أن كلتا الديانتين كانت قد تم تحريفها والعبث بها. كذلك من المعروف أن الإسلام يَجُبّ ما قبله، إذ لا يكلف الله نفسا إلا وسعها، ولم يكن فى ذلك الوقت رسول ولا نبى يدعو الناس إلى الإيمان بما أتى به من دين مثلما وقع حين بُعِث رسول الله بعد ذلك رحمةً للعالمين. لهذا كله لا نرى، ولا يمكن أن يرى أى عاقل، فى اتباع محمد قبل البعثة ديانة قومه شيئا من الغرابة، بل العبرة كل العبرة بما بعد البعثة.

هذا من الناحية النظرية المبدئية، أما من الناحية التاريخية الواقعية فأول ما نتريث إزاءه هو ما نقله شمعون من "صحيح البخارى"، ونَصُّه أنه عليه الصلاة والسلام "لقي زيد بن عمرو بن نُفَيْل بأسفل بلدح، وذاك قبل أن ينزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم الوحي، فقدم إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم سفرة فيها لحم، فأبى أن يأكل منها. ثم قال: إني لا آكل مما تذبحون على أنصابكم، ولا آكل إلا مما ذُكِر اسم الله عليه"، إذ هناك رواية أخرى للحديث تقول إنه صلى الله عليه وسلم قد "لقي زيدَ بن عمرو بن نفيل بأسفل بلدح، وذاك قبل أن ينزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم الوحي، فقُدِّمَ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم سفرة فيها لحم، فأبى أن يأكل منها، ثم قال: إني لا آكل مما تذبحون على أنصابكم، ولا آكل إلا مما ذكر اسم الله عليه". والفرق بين الروايتين كبير كما ترى. وقد يُفْهَم من الروايتين، إذا ضممناهما معا، أن القوم كانوا قد قدموا إلى رسول الله ذلك الطعام فرفضه، ثم بدا له أن يعرضه على زيد، فرفض زيد كذلك، فاتفقت إرادتاهما على عدم الأكل منه.

وفى "فتح البارى" أن العلماء قد فسروا الأمر "بأن القوم الذين كانوا هناك قدموا السفرة للنبي صلى الله عليه وسلم، فقدمها لزيد، فقال زيد مخاطبا لأولئك القوم ما قال". ويؤكد هذا ما ورد فى حديث ثالث، إذ رُوِىَ "أن النبي صلى الله عليه وسلم لقي زيد بن عمرو بن نفيل بأسفل بلدح قبل أن ينزل على النبي صلى الله عليه وسلم الوحي، فقُدِّمَتْ إلى النبي صلى الله عليه وسلم سفرة، فأبى أن يأكل منها، ثم قال زيد: إني لست آكل مما تذبحون على أنصابكم، ولا آكل إلا ما ذكر اسم الله عليه، وأن زيد بن عمرو كان يعيب على قريش ذبائحهم ويقول: الشاة خلقها الله، وأنزل لها من السماء الماء، وأنبت لها من الأرض، ثم تذبحونها على غير اسم الله، إنكارا لذلك وإعظاما له".

كما أن الرواية الأولى تخلو مما يدل على أن اللحم كان من أضحية قدمها النبى إلى وثن من الأوثان، بل كل ما هنالك أنه عليه السلام كان معه لحم فقدمه إلى زيد، فرفض زيد أن يأكل منه، وهذا كل شىء. وفضلا عن ذلك قد يكون معنى كلام زيد أنه لا يرفض بالذات الأكل من السفرة التى قدمها النبى وزيد بن حارثة له، بل يعرض شروطه فى الأكل حتى إذا كان الطعام المقدم له متحققة فيه هذه الشروط أكل منه، وإلا فلا. وأتصور أن الأخير هو أقوى الاحتمالات لأنه لا يوجد ما يدل على ما ذهب إليه سام شمعون لا من قريب ولا من بعيد.

فكما هو واضح قد أورد شمعون ما يظن أنه موصِّله إلى ما يريد من تشويه صورة النبى عليه السلام، وتجنَّب عن عمد وسبق إصرارٍ الأحاديثَ الأخرى النافية أكله صلى الله عليه وسلم من لحوم الأنصاب. ولكن فلنسايره ونقول معه إنه صلى الله عليه وسلم قد كان يأكل منها، فماذا فى ذلك؟ لقد قلنا إن العرب لم يكونوا يحرّمون هذا النوع من الطعام، إذ لم يكن لهم دين ينهاهم عن ذلك، فكيف ننكر على محمد ما كان سائر قومه يأكلونه؟ ثم هل أكله صلى الله عليه وسلم من هذا اللحم معناه بالضرورة أنه كان يعبد الأوثان؟ الواقع أن من الصعب امتناعه هو أو أى إنسان آخر من بنى قومه بسهولة ودون وقوع باعث له على النظر فى ذلك عن أكل هذا اللحم. وفى "فتح البارى" عن الخطابى: "كان النبي صلى الله عليه وسلم لا يأكل مما يذبحون عليها للأصنام، ويأكل ما عدا ذلك وإن كانوا لا يذكرون اسم الله عليه لأن الشرع لم يكن نزل بعد، بل لم ينزل الشرع بمنع أكل ما لم يذكر اسم الله عليه إلا بعد المبعث بمدة طويلة".

وحتى لو أخذنا بحديث زيد بن حارثة عند أبي يعلى والبزار وغيرهما، وقد أورده ابن حجر فى "فتح البارى، ونصه: "خرجت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما من مكة وهو مُرْدِفِي، فذبحنا شاة على بعض الأنصاب فأنضجناها، فلقينا زيد بن عمرو… فقال زيد: إني لا آكل مما لم يذكر اسم الله عليه"، فليس معناه بالضرورة أنهما قد ذبحا الشاة باسم وثن من الأوثان، بل كل ما يدل عليه هو أنهما ذبحاها على نُصُبٍ من الأنصاب، والأنصاب هى الحجارة التى كانت قريش تذبح عليها عند الأوثان، فهى مواضع مهيأة لذبح الذبائح عليها. إنها فى هذا كالمسالخ هذه الأيام. والمسلمون فى البلاد الأوربية مثلا يمكنهم دون أى حرج أن يذبحوا حيواناتهم فى نفس المجازر التى يذبح فيها الأوربيون غير المسلمين حيواناتهم. وكذلك لو افترضنا أن مسلما هنديا ذبح ذبيحته بجوار معبد هندى وثنى أو حتى بداخل المعبد ذاته، فهل يقال إنه قد ذبح ما ذبح باسم البُدّ الموجود فى ذلك المعبد؟

وأنا وأمثالى كثيرا ما نصلى فى مساجد ذات أضرحة، ولا يعنى هذا أبدا أننا نشارك من يؤمنون بــ"الأولياء" فى إيمانهم ذاك المغبَّش، بل يعنى أننا نصلى فى تلك الجوامع فقط رغم أن هناك فريقا ممن يصلى معنا يعتقد فى الشيخ المدفون بضريح المسجد اعتقادات لا يستريح إليها دين محمد عليه الصلاة والسلام. فرغم أن الفريقين يصليان جنبا إلى جنب فإن قلوبهما فى هذه النقطة غير متفقة. والعبرة بالنية والتوجه، وإلا فصلاة طوائف كبيرة من المصريين باطلة وفيها شرك بالله، أستغفر الله، لأن كثيرا من مساجد مصر يحتوى على أضرحة ومزارات. ومن يقول بهذا إلا أحمق ضيق العطن؟ ولقد سمح الرسول للنصارى أن يؤدوا شعائر صلواتهم فى مسجد المدينة، فهل صاروا بذلك موحدين؟ لقد كانوا قبل ذلك، وظلوا أثناء ذلك وبعد ذلك، من المثلثين رغم كل هذا. ويقال، حسب رواية أوربية، إن فرانسيس الأسيزى، وهو راهب إيطالى عاش فى القرنين الثانى عشر والثالث عشر الميلاديين ووفد إلى مصر لمقابلة الملك الكامل الأيوبى أثناء الحروب الصليبية، قد صلى، بناء على اقتراح الملك الكامل، فى أحد المساجد المصرية قائلا إن دعاء الله مقبول فى أى مكان. فهل جعلته صلاته فى المسجد مسلما؟ كلا وألف كلا. بل لقد جاء إلى الملك وحاشيته كى يعرض بضاعته النصرانية على المسلمين لا ليدخل دين محمد عليه الصلاة والسلام. كما أن بطرك القدس، عند فتح المسلمين لها وحضور الفاروق مراسم تسليمها إليهم، قد عرض عليه أن يقيم صلاته داخل الكنيسة. ولولا أن عمر رضى الله عنه وأرضاه خشى أن يطالب المسلمون بتحويل الكنيسة مسجدا لصلاته فيها لاستجاب للبطرك، وعندذاك ما كانت صلاته لتنقص عن مثيلتها فى أى مسجد بسبب ذلك، إذ العبرة بالنية والتوجه كما ذكرنا مرارا.

وبناءً على هذه القاعدة أذكر أننى فى صيف 1982م قد صليت الظهر والعصر أنا وزوجتى فى مسجد القاديانيين بلندن. ولم يكن هناك أحد يصلى غيرنا. فهل من متنطع من شاكلة السيد شمعون يزعم أن صلاتنا تلك ليست صلاة إسلامية؟ لقد ناقشت من كان موجودا هناك فى اعتقاداتهم واختلفتُ معهم فى الرأى، وحمّلونى بعض كتبهم هديةً بالإضافة إلى ما اشتريته منها بالفلوس، وكانت هذه وتلك معتمدى فى كتابتى عنهم وانتقادى لهم فى الفصل الذى خصصته لعرض تفسيرهم للقرآن المجيد فى كتابى: "من الطبرى إلى سيد قطب- دراسة فى مناهج التفسير ومذاهبه". ولماذا نذهب بعيدا، ولدينا الكنيسة الأرثوذكسية المصرية تقيم كل عام إفطارا لكبار رجال الدولة وعلماء الإسلام داخل الكاتدرائية، فضلا عن صلاتهم المغرب هنالك، ويقوم بالخدمة أثناء ذلك رجال الكنيسة؟ فهل يصح الزعم بأن الصيام والصلاة غير مقبولين لأنهما تما داخل البطركية؟

(وهنا أستأذن القارئ فى استطرادة أود أن أقوم بها لأنفس قليلا عن ضيق صدرى من عجز المسلمين الذين يبلغون نحو المليارين عن معاقبة أولئك الذين تجرأوا فى عصرنا هذا من علوج الكفر على النبى محمد عليه الصلاة والسلام فى الكتب والصحف والمنتديات والبرلمانات والفضائيات فى كل مكان يرون فيه لأنفسهم منعة مستغلين حالة الذلة والخزى التى عليها المسلمون بعامة حكاما وشعوبا على السواء، فأُورِد هذه السطور التى سجلها ابن خلكان فى كتابه: "وفيات الأعيان" عن الملك الكامل الأيوبى المتقدم ذكره تحت عنوان "منقبة للملك الكامل جرت في هذه النوبة"، أى فى مواجهة المسلمين للصليبيين آنذاك فى دمياط وانتصارهم الساحق عليهم: "لما وقع الحصار على مدينة دمياط اتفق أن عِلْجًا منهم، لعنه الله، قد ألهج لسانه بسبب النبي صلى الله عليه وسلم، معلنًا به على خنادقهم، ومُنْكِيًا لمن يليهم من حرس الإسلام ورجالهم. وكان أمره قد استفحل، وداء اشتهاره بهذه العظيمة قد أَعْضَل. وقد جعل هذا الأمرَ دَيْدَن جهاده، وذهب عنه أن الله تعالى ينتقم لنفسه من عُتُوّ هذا اللعين وعناده.

فلما كانت الوقعة المشهورة في شعبان من سنة عشرة التي أُسِر فيها أعلاج الكفر وكنودهم، وأفاء الله على أهل دينه عدوهم وعديدهم، واستولى منهم على ما يناهز ألفي فارس، عُرِف هذا العلج في جملة من اشتمل عليه الاستيلاء منهم حصرًا وعدًّا، وعوجل بعقوبة كفره الذي تكاد السموات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هَدًّا. فلما صُفِّد في وَثَاقه، وخَرِسَتْ شقاشق شِقَاقه، أُشْعِر السلطان الملك الكامل بموضعه، فتنوعت المشورات بصورة قتل هذا الكافر واللحاق

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

“واحة الغروب” رواية متوسطة القيمة (3)

كتبها ibrahim awad ، في 21 مايو 2009 الساعة: 20:13 م

 "واحة الغروب" رواية متوسطة القيمة (3)

د. إبراهيم عوض

 

وتنبع الشاعرية التى تتخلل بعض فقرات الفصل الخاص بالإسكندر الأكبر فى رواية "واحة الغروب" من طبيعة الموضوع التى تتعرض له، ألا وهو موضوع الحيرة التى تصيب العقل غير المؤمن لدن تفكيره فيما بعد الموت: على أى نحو يكون؟ وهل هناك حياة؟ وإن كان فعلى أية كيفية؟ وإنى لأرى المؤلف قد اتخذ من الإسكندر مشجبا يعلق عليه حيرة ذلك الصنف من الناس، فضلا عن إحسانه تصوير مشاعر الإسكندر حين قسا فى بعض تصرفاته وهو حاكم فقتل هذا الشخص أو أقدم على ذلك السلوك الوحشى دون مسوغ، وكذلك حين استيقظ ضميره فندم على ما فرط منه، بغض النظر عما إذا كان القائد الإغريقى قد ندم فعلا أو لا على ما اجترحه من جرائم، فهذا موضوع آخر. ومن الممكن القول بأن بهاء طاهر قد أتى بشىء جيد وسط هذا الركام الفنى، شىء له بعض العبق الزكى. صحيح أنه عبق هادئ ليس له قوة العبق الذى يسطع من قصة "المعتزلة" ولا نفاسته ولا تميزه، لكنه عبق على كل حال.

وإلى القارئ هذه السطور التى أقتطفها من الفصل المذكور، وفيه يخاطب الإسكندرُ ذلك الشخصَ الذى يعمل على إزعاجه فى مرقده البرزخى والذى يتصور أنه امرأة لا رجل كما سلف القول. وأرجو من القارئ أن يغض الطرف عن التناقضات والسذاجات المضحكة التى فى الفصل كقول القائد الإغريقى إن روحه هى التى اختارت هذه الأرض الموحشة لتهيم فيها، وكأن الإسكندر هو الذى اختار عالم البرزخ الذى يتحدث إلى كاثرين منه، وكقوله إنه لا يدرى كنه الشخص الذى يتحدث إليه: "هل هو رجل أو امرأة؟" رغم معرفته ما هو أهم من ذلك، وهى أن كاثرين تريد أن تكتشف هل قبره موجود فى معبده بالواحة أو لا… إلخ، وليركز القارئ العزيز الآن على ما فى النص من بعض نفحات الشاعرية.

يقول القائد اليونانى: "لماذا تُقْلِقين روحى التى اختارت هذه الأرض الموحشة لتهيم فيها، تلحين بالنداء علىّ من دنياكم وتطلبين شيئا لا أعرف ما هو؟ تحسبين أنى أعلم أكثر مما تعلمين؟ لا. أرواحنا بعد الموت تجوس فى الظلمة، وأنا الآن مثل سمكة عمياء لا تدرك من المحيط الواسع سوى أنها تسبح وسط ماء أسود يليه ماء مثله. هكذا أتخبط فى ظلمة من بعدها ظلمة. فهل هذا جحيم هاديس، الذى جعله اليونان مستقرا للأشرار، بينما تسبح الأرواح الطيبة فى النور مع الأرباب؟ أم هو فناء العدم للخاطئين كما وصفه كهنة المصريين؟ لا أعلم. لا أدرى. منذ غادرتُ الحياة كنت أستطيع أن أراكم أربعين يوما لا غير، ثم أطبقت الظلمة من بعدها زمنا لا أستطيع حسابه: أهو يوم أم دهر؟… لا أعلم كينونة آمون الذى ألوذ به: هل كان رَبًّا أو وهما؟ وهل كان الكاهن الذى نقل لى الوحى مرشدا يخترق حجب الغيب أو دجالا يلفق الكاذيب؟ غير أن روحى تابعت جثمانى لأسابيع وسارعت لكى أصل هنا قبل الأربعين وأرى معبد آمون لآخر مرة. أريد أن يكون هو أول ما أرى حين يشرق النور من جديد، إن كان سيشرق، لكى أعرف الحقيقة…

علمتْنى معنى العبارة التجربةُ ذاتها وأنا أقول الشعر أو أسمع الموسيقى. أخذتنى نشوة الشعر إلى عوالم تتجاوز كل ما هو محسوسٌ ومرئىٌّ حتى شعرت بأن الحـُُجُب بينى وبين المجهول توشك أن تسقط، وأن روحى ستحلق خارج جسدى لتخترق سدود العالم البارد والأصم إلى دنيا الأسرار الأزلية المتلألئة بأنوار الحقائق الخالدة. كم مرة كنت أصحو فى الليل، حتى فى وسط معارك الحروب التى لا تنقطع، لكى أقرأ فى "الإلياذة" وأستنطق شاعرها أن يفجر فى نفسى ذلك النبع الذى ارتوى منه هو! فى مرات كثيرة كان النداء يستمر أياما وليالٍ (الصواب: "ليالىَ") بأكملها لا ينقطع فيها إنشاد الشعر وألحان الموسيقى فى البلاط حتى يظن جنودى أن قائدهم قد جُنَّ. لعلى كنت أشتاق بالفعل أن يحلّ بى الجنون، فوسط هذه النشوة كنت أنسى أرسطو وأذكر أمى، التى علمتنى أن أحدا لا يدخل مملكة الأسرار القدسية إلا فى غمار نشوة تهتك المألوف لتَلِجَ إلى المجهول. قلت لنفسى: ولكن حتى لو لم أبلغ ذلك فما أقل الأفراح فى الدنيا! حاولت أن أطيل الفرح، أنتزعه من الدنيا لكى يدوم، ولكن كان هناك دائما إسكندر آخر هو الذى ينتزعنى من الفرح، إسكندر الدم الذى يطرد إسكندر النغم. ظل هناك طول عمرى إسكندر ضد إسكندر…

وصلت واحة آمون فى صباح مبكر بعد أسبوع، وكانت شمس ذهبية كبيرة تغمر معبد وحى الإله. رأيت موكب الحجاج السائرين على أقدامهم يصعد التل، لكنى وجهت حصانى فى وثبات سريعة إلى أعلى الهضبة فوصلت قبل الجميع. خفق قلبى وأنا أنظر حولى. كل شىء جديد وغير مألوف لعينى. رأيت تحتى وسط الصحراء بحرا أخضر من النخيل وشمسا كبيرة أخرى كشمس السماء بالضبط تبزغ من نبعٍ أسفل المعبد وشموسا أخرى كثيرة تترجرج وسط البحيرات الزرقاء التى تتخلل الرمال. وأمام مدخل المعبد المزين برسوم زاهية الألوان رأيت كاهنات آمون يحرك الهواء ثيابهن الشفافة فتتموج أجنحة بيضاء حول أجسادهن الممشوقة الراقصة كأنهن على وشك أن يحلقن بعيدا وعاليا نحو تلك الشمس التى يلوحن لها بأذرع ضارعة. كن يغنين غناء خافتا لم أفهم كلماته، ولكن أصواتهن المتهدجة فى ذلك الإنشاد لم ترنّ فى أذنى كضراعة صلاة بل كمناجاة عشق. عشق لمن؟ للآلهة؟ لآمون وحده؟ لى أنا؟…

كان عدلا بعد ذلك أن أدمر تلك العاصمة (يقصد برسبوليس عاصمة دارا ملك الفرس) وأن أحرقها. ألم يحرق الفرس أثينا الجميلة دُرّة اليونان قبل قرنين من الزمان؟ لم أُصْغِ لنصائح قواد جندى ورجال بلاطى الذين اعترضوا على تدمير برسبوليس. سألونى: لماذا صفحت عن المدن الفارسية الأخرى التى استوليت عليها ورممت معابدها وكسبت قلوب سكانها؟ لماذا أدمر العاصمة وقد أصبحتْ بكل قصورها وثرواتها ملكى؟ تركتهم يتكلمون ثم رفعت شعلة قذفت بها قصر ملك الملوك وأشرت للجنود أن يفعلوا مثلى، فتأججت النيران فى القصر حتى صار كرة من الدخان واللهب أضخم من أى نار أشعلها الفرس لمعبودهم. ثم ماذا عن قربان أكبر؟ ماذا عن العاصمة بأكملها قربانا مشتعلا؟ لم يكن ذلك عدل إله (يشير إلى تنصيبه إلها فى معبد سيوه)، وإنما انتقام إنسان تسكنه الكراهية. كان أزيز الحرائق وفحيحها يغمرنى بنشوة كنشوة الخمر، فارتعت من نفسى، وتساءلت من جديد: من أكون حقا؟ من أنا؟…

وأىٌّ من آثامى يفوق ما فعلتُه فى إحدى تلك الولائم بالجندى الشجاع الذى أنقذ حياتى، كليتوس الذى ألقى بنفسه فوقى عندما سقطتُ من فوق حصانى جريحا فى بدء معاركى مع الفرس وتلقَّى فى جسده السهام بدلا منى؟ لكن الإسكندر فى تلك الوليمة كان يصفى حسابا مع فيليب أبيه الأرضى. كنت أفخر أمام جنودى بأن كل حروب فيليب وانتصاراته فى أرض اليونان لا تساوى شيئا بجانب ما حققتُه أنا فى آسيا. بل إن فيليب ما كان له أن يحرز انتصاراته اليونانية لو لم أكن أنا القائد الحقيقى لجيوشه فى الحروب التى خاضها. لماذا تدخل كليتوس بينى وبين فيليب؟ جرؤ على القول إنه لولا انتصارات أبى فى أرض اليونان لما فعلت أنا أى شىء، وإن فيليب كان يحارب هناك رجالا بحق، بينما حاربت أنا نساء فى آسيا. أُنْسِيتُ ساعتها كل شىء. لم أر أمامى كليتوس الذى أدين له بحياتى، بل عدوا ينتصر لفيليب كى يهزم الإسكندر. ثم إنه ارتكب الخطيئة العظمى. أنكر بنوّتى للإله الأعظم! قال متهكما إن مصارحته هذه لى أصدق من نبوءات أبى. فى جنونٍ اختطفت رمحا من أحد حراسى ثم طعنته فى جنبه وأنا أصرخ فى وجهه: فليرحل عنى إذن ليلقى فيليب الذى يحبه! غير أن نافورة الدم التى انبثقت من جرحه أمام عينى ولطختنى أرجعت الإسكندر الذى بعثرته الخمر كثيرا من الناس والآلهة ليصبح إسكندر (الصواب: "إسكندرًا") واحدا. إسكندر (الصواب: "إسكندرًا") ضائعا ومرعوبا. ظللتُ لحظة أحدق فى جثة كليتوس تنزف دمها، والرمح مرشوق فيها، أفكر: هذا صديقى، نديم لهوى، وفى القتال أشجع رجالى. لولاه لما كنت الآن حيا. هو الذى يرقد الآن قتيلا. صرعته بيدى، وبصرخة باكية انتزعت الرمح من جسده ووجهته نحو صدرى. لو أن يدى المخمورة بلغت قلبى لحظتها بالطعنة التى أردتُها لوَفَّرْتُ على نفسى أياما وسنين لم تضف سوى المزيد من الحيرة. غير أن الحراس كانوا أسرع منى فانتزعوا من يدى الرمح، وسقطتُ على الأرض برغمى. قضيت الليل كله ممددا إلى جوار الجثة أبكى كاليتوس، وأبكى مرتاعا من الوحش الذى يسكن تحت جلدى الإلهى. لم يَهَبْنى آمونُ الحقَّ فى قرابين من البشر، وإنما كان ذلك من وحى أمى أوليمبياس، التى لم تتورع عن القتل ولم تعرف الندم. أما أنا فعندما جاء الحراس ليأخذوا الجثمان من خيمتى فقد أمرت ألا يدخل علىّ بعد ذلك أحد. تمددت مكان الجثمان ثلاثة أيام لم أذق فيها الطعام ولم أبرح مكانى. ظللت مثبتا نظرى فى السماء أضرع إلى آمون والآلهة أن يجمعوا أشلائى مرة واحدة، ولو فى جثة. أدرك حراسى وحاشيتى أنى أسلمت نفسى للموت فاقتحموا خيمتى وراحوا يتوسلون إلىّ أن أنهض وأعيش، وطاوعتهم لأنى كنت أريد أن أطاوعهم، لأن لحظة الاشتهاء الحقيقى للموت لم تكن قد حانت بعد.

وكان من بينهم فى ذلك اليوم كاليستنيس زميل دراستى على يد أرسطو وابن أخت معلمى الفيلسوف. كان مؤرخ حملاتى الذى خلّد أمجادى الحربية. تضرع إلىّ أن أعيش لا لنفسى، وإنما لمجد مقدونيا كيلا يضيع. لم يَدْرِ ساعتها أنه يطلب النجاة لجلاده. توسل إلىّ أن أعيش، فعشت، وإنما لكى أقتله بعد شهور. قبضوا عليه متهما فى مؤامرة لاغتيالى، ودافع عن نفسه دفاعا بليغا كعادته وكما تعلَّم من خاله لكى ينفى عن نفسه التهمة. لكن بلاغته هى التى أكدت شكوكى، فالحقيقة بسيطة لا تحتاج إلى زخرفة الكلام. وعليه فلقد أمرتُ بقتله مع بقية المتهمين بعد تعذيبهم. ثم إنى ندمتُ من جديد بعد موته وسجنت نفسى مرة أخرى أبكيه وأبكى نفسى. وخطر لى فى وحدتى أنى حين قتلته كنت أقتل أيضا إلى الأبد أرسطو فى داخلى وصدى دروسه عن السعادة. فى العزلة التى رافقتنى فيها صورة الغلام القتيل اختفت صور الإسكندر الكثيرة ولم يبق غير إسكندرٍ واحدٍ يدرك أنه بلغ نهاية طريق. جَرّبْتُ كل شىء: النصر والمجد اللذين لم يواتيا أحدا قبلى، ولذة الحكم والسلطان: أعفو كإله، وأقتل كإله، وجربتُ نشوة الشعر والموسيقى، ومتعة النساء والخمر. فلماذا لم أصبح سعيدا؟" (ص105- 119).

بقيت فى طريقة السرد كلمة لا أحب أن تفوتنى لأهميتها، ألا وهى أن محمودا راوى الفصل الأخير قد مات فى انفجار المعبد فى نهاية الرواية. فمن يا ترى نقل لنا كلامه هذا؟ هذه نقطة ضعف شديدة فى الرواية. ولقد أذكر أننى قد أخذت ذات المأخذ على رواية محمد كمال محمد: "الحب فى أرض الشوك" فى مقال لى كنت نشرته فى منتصف الثمانينات من القرن البائد فى صحيفة "الوفد"، إذ المنطق يقول إن الموتى تندفن أسرارهم معهم. لكنّ لبعض المؤلفين منطقا آخر، منطقا أعوج، فهم لا يتنبهون إلى تلك البديهية. والطريف أن مأمور سيوة يظل يروى ما حدث حتى وهو يفجّر المعبد، بل حتى وهو يموت. أمعقول هذا؟ لكن غير المعقول قد بات معقولا على يد كاتبنا. كيف؟ هذا ما لا أدريه! إن أحدا من الناس لم يكن يعلم شيئا عما انتواه البطل من تفجير المعبد، وكذلك لم يكن أحد معه وهو فى الطريق إلى هناك، ولا كان هناك أحد حاضرا عملية التفجير… إلخ.

ولعله يكون من المفيد أن نلفت النظر أيضا إلى أن سرد كل راو

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

“واحة الغروب” رواية متوسطة القيمة (2)

كتبها ibrahim awad ، في 21 مايو 2009 الساعة: 20:11 م

 "واحة الغروب" رواية متوسطة القيمة (2)

ولك أن تتصور ما سوف ينتهى إليه حال الأستاذ الجامعى بعد قليل من غباء وعته هو أيضا ليحقّ عليه رَأْىُ الجاحظ، الذى كان يؤكد أن كثرة معاشرة أصحاب الكتاتيب للصبيان الصغار تؤثر على عقولهم وتجعلهم حمقى مثلهم. أَنْعِمْ وأَكْرِمْ!

"حُكِيَ عن الجـاحظ أنه قال: ألفتُ كتابا في نوادر المعلمين وما هم عليه من التغفُّل، ثم رجعتُ عن ذلك وعزمت على تقطيع ذلك الكتاب، فدخلتُ يوما مدينة فوجدتُ فيها معلّمًا في هيئة حسنة فسلمتُ عليه، فرد علىّ أحسن رد ورحب بي، فجلستُ عنده وباحثته في القرآن، فإذا هو ماهر فيه، ثم فاتحته بالفقه والنحو وعلم المنقول وأشعار العرب، فإذا هو كامل الأدب. فقلت: هذا والله مما يقوي عزمي على تقطيع الكِتَاب. قال: فكنتُ أختلف إليه وأزوره. فجئتُ يوما لزيارته، فإذا بالكتاب مغلق ولم أجده. فسألت عنه، فقيل: مات له ميت فحزن عليه وجلس في بيته للعزاء. فذهبتُ إلى بيته وطرقتُ الباب فخرجتْ إليّ جارية وقالت لي: ما تريد؟ قلت: سيدك! فدخلتْ وخرجتْ ثم قالت: باسم الله (أي تفضل). فدخلت إليه، وإذا به جالس، فقلت: عظَّم الله أجرك. لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة. كل نفس ذائقة الموت. فعليك بالصبر. ثم قلت له: هذا الذي تُوُفِّيَ لك، وَلَدُك؟ قال: لا. قلت: فوالدك؟ قال: لا. قلت: فأمّك؟ قال: لا. قلت: فزوجتك؟ فال: لا. فقلت: وما هو منك؟ قال: حبيبتي. فقلت في نفسي: هذه أولى المناحس. فقلت: سبحان الله. النساء كثير، وستجد غيرها. فقال: أتظن أني رأيتها؟ قلت في نفسي: هذه منحسة ثانية. ثم قلت: وكيف عشقتَ من لم تر؟ فقال: اعلم أني كنت جالسا في هذه المكان وأنا أنظر من الطاق، إذ رأيت رجلا عليه بُرْدٌ وهو يقول:

يا أم عمـرو، جزاكِ الله مكرمةً * رُدّي عليّ فؤادي أينما كانــا

 لا تأخذين فـؤادي تلعبين بـه * فكيف يلعب بالإنسان إنسانـــا؟

فقلتُ في نفسي: لولا أن أم عمرو هذه ما في الدنيــا أحسن منها ما قيل فيها هذا الشعر. فعشقتُها، فلما كان منذ يومين مَرَّ ذلك الرجل بعينه وهو يقول:

لقد ذهب الحمـــار بأم عمرو * فلا رجعت ولا رجع الحمــارُ!

فعلمتُ أنها ماتت فحزنتُ وأغلقتُ المكتب وجلستُ في الدار. فقلتُ (والكلام للجاحظ): يا هذا، إني كنتُ ألفت كتابا في نوادركم يا معشر المعلمين، وكنتُ حين صاحَبْتُك عزمتُ على تقطيعه. والآن قد قَوَّيْتَ عزمي على إبقائه، وأول ما أبدأ بك".

ولنعد الآن بعد هذا الموشَّح الذى لن يسمن ولن يغنى من جوع لأننا نحن العرب والمسلمين فى الواقع لا نريد إصلاحا ولا نطيقه: لا الشعوب ولا الحكومات، بل كل ما نحن بارعون فيه هو الطبل والرقص وشغل الثلاث ورقات رغم تتالى الكوارث فوق رؤوسنا جميعا، نعم لنعد إلى موضوعنا فنقول: وحتى حين يكون هناك داع إلى إدارة العمل الروائى حول المحور الجنسى فهل هناك موجب قاهر لا يمكن الفكاك منه يلزمنا بــ"التفعيص" فى الأمر والدخول فى التفصيلات المقيّئة؟ إن الجنس شىء جميل وشهى دون أدنى شك، اللهم إلا لدى المنكوسى الخلقة، علاوة على أنه هو السر فى امتداد الحياة، إلا أن جماله وجاذبيته إنما يكمنان أكثر ما يكمنان فى بقائه حيث هو من وراء ستار، وإلا باخت المسألة وعَرِىَ عما فيه من فتنة واستحال شيئا مقززا. وعلى كل فالإسلام يأمر بالاستتار فى هذه المسائل، ويدين تهييج الشهوات وإضرام نيرانها لأن هذا أمر مخيف العاقبة كما هو معروف، إذ يعين على إشاعة الفاحشة ويشجع الناس على مواقعة الزنا. سيقال: كأنك إذن لا ترى أنه ينبغى الفصل بين الأدب والأخلاق؟ وسأجيب على هؤلاء وأولئك بأننى فعلا لا أفصل بين الأمرين ولا يمكن أن أفكر فى ذلك. لماذا؟ ببساطة: لأن الحياة لا تفصل بينهما، بل لا يوجد شىء فى الدنيا منفصلا عن غيره، فالاقتصاد مثلا لا ينفصل عن الأوضاع الاجتماعية ولا عن الأوضاع الصحية ولا عن الأوضاع الثقافية ولا عن الأوضاع الخلقية ولا عن الأوضاع الدينية… إلخ، والحياة كالأوانى المستطرقة كل ميدان من ميادينها يتصل بالميادين الأخرى ويأخذ منها ويعطيها ويتأثر بها ويؤثر فيها.

وليس من العقل ولا من المعقول أن تؤمن أمة من الأمم بمجموعة من القيم الخلقية وترى أنه لا بد من التمسك بها، ثم تترك فى ذات الوقت من يعمل على تجريف تلك القيم وتدميرها بحجة أن الأدب يعلو ولا يُعْلَى عليه، وكأن الأدب إله مطلق المشيئة لا يُسْأَل لا هو ولا من يبدعونه عما يفعلون. إن وضعا كهذا لهو انفصام فى الشخصية، ولا يقبل الانفصام فى الشخصية شخصٌ سوىّ. والحقيقة أن من يقولون بأنه لا ينبغى للأدب أن يخضع لقيم الخلق والدين إنما يريدونه أن يخضع لمجموعة أخرى من القيم لا تؤمن بها أمتهم وتراها خطرة على حاضرها ومستقبلها وشخصيتها، إلا أنهم لا يريدون أن يصرحوا بذلك فتراهم يلجأون إلى أسلوب اللف والدروان دون أن يكشفوا عما فى ضمائرهم. ثم إن الأدب ليس شكلا فنيا فقط حتى يقال إن هذا هو الشىء الوحيد المهم فيه، بل هناك المضمون أيضا، وهذا المضمون هو الأساس فى الواقع، والفن موجود فى خدمته بمعنًى من المعانى، إذ بالفن البارع نبرز ما نريد بثه بين القراء من آراء ومفاهيم وقيم. ولا يقول عاقل بإهمال الأصل من أجل الفرع رغم الأهمية الكبيرة لذلك الفرع وما يزود به القارئ من متعة عظيمة. وإذا شاء إنسان أن يرى أنه لا أصل ولا فرع هنا وأن الطرفين إنما هما وجهان لعملة واحدة، ومن ثم فكلاهما مكافئ للآخر، فليكن له ما يشاء، وعلينا فى هذه الحالة أن نقيم توازنا بين الأمرين بحيث لا نسمح للقيمة الأدبية أن تطغى على القيمة الخلقية وتعمل على حذفها، ومن ناحية أخرى لا نسمح للقيمة الخلقية أن تطغى على القيمة الأدبية الجمالية وتسعى إلى محوها فيتحول النص الأدبى إلى مواعظ فِجَّة تنفّر أكثر مما تجذب وتفتن.

هل معنى هذا أن الأمور سوف تكون "عال العال" بهذه الطريقة؟ لا بالطبع، إنما هى احتياطات تُتَّخَذ لتقليل الخسائر بقدر الإمكان، أما الأمان الكامل فلا وجود له، إذ الطبيعة البشرية طبيعة ناقصة وخطاءة. لكن هذا شىء، واختيار السبيل المعوج منذ البداية شىء آخر. إن الوظيفة التى يؤدينا مفهوم الكمال فى حياتنا هى دفعنا دائما إلى بذل أقصى الجهد المتاح، أما الوصول إلى الكمال ذاته فهذا أمر خارج القدرة، بل خارج التصور أيضا. وواجبنا هو إحراز أكبر قدر من الإيجابيات، وتجنب أكبر قدر من السلبيات.

ولسوف أسوق هنا بعض الأمثلة لتوضيح المسألة: فأما أولها فهو الأديب البريطانى أوسكار وايلد، الذى كان مصابا بداء الأُبْنَة والذى تألمتُ أشد الألم وأنا أقرأ فى ثمانينات القرن البائد الكتاب الذى ألفه عنه ابنه فيفيان هولند (Vyvyan Holland) بعنوان " Son of Oscar Wilde " وسرد فيه ما جلبه سلوك أبيه عليه وعلى أخيه وأمه من مشاكلَ ومآسٍ، وإن لم يكن فى كلامه عن أبيه مع ذلك ما يدل على شعوره بأى حنق عليه، بل كان متعاطفا معه حزينا من أجله. المهم أننى قرأت فى إحدى رسائل وايلد لصديق من أصدقائه نَعْتَه لمن ينكرون عليه هذا الشذوذ بأنهم "philistine"، أى ذوو فكر رجعى وذوق عامى. الله أكبر! هكذا إذن؟ فمثل وايلد حين ينادى بفصل الأدب عن الأخلاق (art for art’s sake) فهو فى الواقع لا يقصد ذلك بالضبط، بل يقصد فصله عن الأخلاق التى تدين مثل ذلك الشذوذ، وإلا فليس ثم شخص يعيش دون أن تكون له أخلاق، وقد تكون تلك الأخلاق هى أخلاق الدنس والفحش والشذوذ كما هو الأمر فى حالته. وإذا كان الشىء بالشىء يذكر فقد كان وايلد من أهل العصر الفكتورى، وكان يسخر من قيم ذلك العصر ومواضعاته فى مسرحياته.

وأما المثال الثانى فمن فرنسا، وهو أندريه جِيد، الذى كان يدافع فى كتاباته عن الشذوذ الجنسى والذى كان له عشيق (اسمه مارك أَلِّيجْرِيه: Marc Allégret) أخذه معه فى جولة طويلة إلى كل من بريطانيا وإفريقيا مما كان من ثمرته أن أحرقت زوجة العشيق الهارب كل خطاباته. وقد كان جِيد فى فترة من فترات حياته شيوعيا أو متعاطفا أشد التعاطف مع الشيوعية والشيوعيين، إلى أن دعاه السوفييت إلى جولة فى ربوع بلادهم أثمرت انقلابه على مذهبهم، إذ اتضحت له الحقيقة المرة وظهر له أن أمر الشيوعية إنما يقوم على الاستبداد وخنق الحريات والتنكيل بكل من يبدى رأيا مخالفا لما يقرره الحزب وقادته، فضلا عن عجزها عن توفير المطالب الأساسية للبشر بالصورة المرجوة. وأذكر أن الدكتور عبد الحليم محمود، حين ثارت بينه وبين الشيوعيين فى سبعينات القرن المنصرم معركة فكرية حول الشيوعية، التى كتب يهاجمها بوصفه عالما مسلما من مهمته محاربة الإلحاد وفضحه، قد استشهد، ضمن ما استشهد، بما كتبه أندريه جِيد حول الأوهام المتعلقة ذلك المذهب والتى زالت غشاوتها من على عينيه بعد زيارته للاتحاد السوفييتى، فما كان من الشيوعيين إلا أن لوحوا فى وجهه بشذوذ جِيد وكأنهم لم يكونوا يعرفون ذلك عن جِيد من قبل ويباركونه حين كان ينافح عن الشيوعية، أو كأن الشذوذ الجنسى يمثل لهم عارا وخزيا وليس قيمة من قيمهم التى يُعْلُون من شأنها، ولكنهم يخادعون مَنْ حولهم من المسلمين ويظهرون تأففهم منها، إلى أن فضحهم منذ فترة ليست بالطويلة واحد منهم فقال إنهم يمارسون فيما بينهم ذلك النوع (القذر الوسخ مثلهم) من الشذوذ، لكنهم يتصنعون التقزز منه على سبيل التقية والنفاق. وليقرأ من شاء كتاب "بيضة النعامة"!

وثم مثال ثالث يتعلق بكُوَيْتِب شيوعى مصرى (يصوره الشيوعيون من أمثاله رغم ذلك كاتبا ذا شأن) تعرَّف فى شبابه إلى بنتٍ أُمِّيّة صائعة ضائعة من أسرة متضعضعة أبوها سكير متلاف التمّ عليها فى حوارى السيدة، ويبدو أنه اضْطُرّ إلى الزواج منها لما يقع فى مثل تلك الظروف من مثليهما. ثم انضمت الصائعة الضائعة معه إلى خلايا الشيوعيين الإرهابيين (الكارهين دين الطهر والتوحيد والممالئين ضده كل ملة ومذهب ودين: بدءًا من أديان تعبد البشر، إلى أخرى تعبد البقر، إلى ثالثة تعبد الفَرْج والحجَر، إلى رابعة لا يعتنقها إلا أشباههم من الأوباش والغجَر)، وهى خلايا يزعمون كذبًا ومَيْنًا وزورًا وبهتانًا أنها لمكافحة الطبقية والظلم الاجتماعى. ثم دخل سيادته السجن وخرج منه وهو يشك فى سلوك ربة الشرف والصيانة، وانتهى الأمر بهما إلى الانفصال مع بقائهما معا فى ذات الشقة. وبعدما مات نشرت هى كتابا تصور فيه الحب العظيم الذى كان يربط بينهما وكأنهما "المأسوف على شبابهما" روميو وجولييت. وكنت أكلم صديقى ع. ن. المذيع الشهير فى ذلك الأمر ذات مرة وجَرَّنا الكلام إلى ما سمعتُ تلك القارحة تقوله فى إحدى القنوات الفضائيات على سبيل الزراية على الرجال من أنهم لا يهمهم من المرأة إلا "نصفها الأسفل" (هكذا بنص عبارتها المهذبة التى تلفظتْ بها وهى تشير بيدها إلى أسفل جسدها على سبيل الشرح والتوضيح حتى لا يخطئ أحد من المشاهدين فهم مرادها)، فتساءلتُ قائلا: ترى هل يمكن أن تكون مثل تلك القارحة من الزهد فى الرجال إلى هذا الحد؟ فما أسرع ما جاءنى الرد من صديقى المذيع بأن زوجها الكاتب المذكور كان يأتى إليه بين الحين والحين فيأخذه من ذراعه ويغادر به مبنى الإذاعة وهو يشكو مر الشكوى من تصرفات "القــ… بنت القــ…" التى لا تحترم ما كان بينهما من زوجية وذرية، إذ تأتى بعشاقها وتضاجعهم على سرير الزوجية أثناء وجوده فى الشقة دون أى شعور بالخجل. وقد كان تعليقى: ولم هذا الاستغراب من جانبه، وهى غَرْس يده وتربيته؟ ثم ما الذى يؤلم شيوعيا مثله فى هذا التصرف؟ أليست هذه هى الأخلاق التى يبشرون بها؟ فمن الطبيعى إذن أن نسمع مثل ذينك الشيوعيين الحقيرين يصرخان نادبَيْن الأدب والفن حسرةً على محاولة الرجعيين المتخلفين الربط بين الآداب والأخلاق!

وهناك ذلك الشيوعى النصف مصرى والنصف أوربى والذى لم تكن أمه التى التقطها أبوه من إحدى العواصم الأوربية مسلمة فى الأصل، ثم أعلنت إسلامها، فظل ابنها يشكك فى إخلاصها لدينها الجديد ويبدى من صنوف الكراهية لدين محمد والكذب بشأنه ما يدل على خسة متأصلة فيه، والذى يتفاخر بما صنعه معه خادمهم فى طفولته ويصوره بالصوت والصورة والتفصيل الممل ويخبرنا بالدقة المتناهية أين وضع الخادم عضوه فى جسده وماذا شعر هو أثناء ذلك، كل هذا دون أن تفوته فائتة، فهو ينصّ مثلا على لزوجة المنىّ ونزول سرواله وهو ماشٍ فى ردهة بيتهم بعدما غسل نفسه وخرج من الحمام  وظهرت استه. لعنة الله على كل مخنث دنس يسلم زمامه لامرأة مُهَلْوَسَة مُهَسْتَرَة فاقدة العقل والدين والذوق تنادى بنسبة الطفل إلى …! هل لأنها تعرف أن أطفالها…؟ ولعنة الله على من يكره صوت الأذان ويكذب فيزعم أنه صوت إرهابى، ولا أدرى كيف يكون الأذان إرهابيا. أترى المؤذنين فى بلدتهم إذا دَعَوْا الناس إلى الصلاة صاحوا فى مكبر الصوت: هيا إلى المسجد يا جِزَم، تعالوا إلى الصلاة يا أوغاد؟ أم ماذا؟ أم لعله يريد أن يكون النداء إلى الصلاة على طريقة ذلك المأبون السابق الذى نوى أن يتوب ويُنِيب فجعل يتردد على الجوامع والزوايا للصلاة مع المصلين، ثم ثَنَّى ففكر فى أن يؤذن أيضا للصلاة حتى يأخذ ثوابا أكبر. إلا أنه حين صعد المئذنة نسى كيف يؤذن المؤذنون، فما كان منه إلا أن أسرع إلى صناجاته القديمة فى جيبه وأخرجها ولبسها فى أصابعه، "وهات يا دقّ!" وهو يقول: "يا حبايبْ ربِّنا! تَعَا صلُّوا عندِنا!"؟ وليس المقصود عند هؤلاء وأشباههم الفصل بين الأدب والأخلاق كل الأخلاق، بل الفصل التام (أو الموت الزؤام) بين الأدب وبين الخلق الكريم فحسب! أما أخلاق "الصياعة والضياعة" فمرحبا بها وأهلا وسهلا! وهذه هى الحقيقة العارية دون أية تزاويق!

على كل حال فهناك غرائز أخرى غير الجنس لها ذات الأهمية أو أهمية متقاربة، ومع هذا لا أحد من هؤلاء الذين يزعجوننا بدفاعهم عن الإكثار من وصف عملية الجماع واللَّغْوَسَة فيها فكَّر يوما فى اتخاذها موضوعا لقصصه، كتناول الطعام والإخراج مثلا، واللذة فيهما ليست باللذة الصغيرة. إن كل ما أذكره فى هذا المجال لا يعدو منظرا فى بعض الأفلام يركز المصور آلته على فم بعض الطاعمين فيكون الأمر مقززا، وهو فلم "خرج ولم يعد" حين تلبثت الكاميرا بعض الوقت عند حشر إحدى الممثلات فمها بما لذ وطاب من الطعام ومضغها إياه وهى تتكلم أثناء ذلك مما أثار تقززى، أو ما قرأته لفتحى غانم فى رواية "الجبل" عن تحلق الكبار من رجال قرية القرنة بالأقصر فى دائرة بالخلاء عند قضاء حاجتهم وتبادلهم الرأى فى قضاياهم ومشاكلهم أثناء ذلك، ولكن دون أن يَفْرُط من الكاتب ما يستفز الذوق السليم، أو ما كتبه جيمس جويس عن صديقة لزميل له كانت تتبول فى قصرية بالغرفة التى كانا يسكنانها، فخرج منها ريح له صوت، فما كان منه إلا أن أطلق على ذلك: "موسيقى الغرفة"، أو ما كتبه يحيى حقى عن المعاناة التى كان يقاسيها أحد الكلاب وهو يخرج برازه الجاف بتوتر شديد وصعوبة بالغة

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

“واحة الغروب” رواية متوسطة القيمة (1)

كتبها ibrahim awad ، في 21 مايو 2009 الساعة: 20:07 م

"واحة الغروب" رواية متوسطة القيمة

د. إبراهيم عوض

 

 (هذه الدراسة مهداة إلى روح  العقاد والرافعى

والمازنى وزكى مبارك ومحمود شاكر)

Ibrahim_awad9@yahoo.com

 http://awad.phpnet.us/

http://www.maktoobblog.com/ibrahim_awad9

 

منذ عدة أسابيع نشر لى موقع "محيط" دراسة نقدية لرواية الدكتور يوسف زيدان: "عزازيل" فعَلَّقَ قارئ كريم يقترح أن أتناول بالنقد أيضا رواية "واحة الغروب" للأستاذ بهاء طاهر. وكان شيطان النقد الملعون غافيا فوق كتفى آنذاك، وكنت حريصا على ألا أوقظه عملا بالمثل القائل: "نوم الظالم عبادة"، إلا أن طلب الأستاذ لؤىّ الشامى، المعلِّق السالف الذِّكْر، لم يَدَعْنِى أهنأ بنوم الشيطان الرابض على كتفى، فشمرت عن ساعد الجِدّ فى الحال وفكرت فى الكتابة عن "واحة الغروب"، ونجحت فى الحصول على نسخة من تلك الرواية فى نفس الليلة التى قرأت فيها التعليق المذكور، وشرعت فى قراءتها، فكانت هذه الدراسة التى يتضح منها أن الرواية التى نحن بصددها هى عمل متوسط القيمة. وكنت قرأت قبل سنوات رواية الأستاذ بهاء طاهر الأخرى: "خالتى صفية والدير" فوجدتها أيضا رواية متوسطة القيمة لا تتناسب والضجة الـمُصِمّة التى صاحبت ظهورها وتحويلها إلى مسلسل آنذاك. ولكنْ قبل الدخول فى نقد القصة علينا أولا أن نعطى القراء فكرة سريعة عنها كى يستطيعوا متابعة الملاحظات النقدية عن بصيرة وبينة بقدر الإمكان، فنقول إن الرواية تعود بنا إلى نهايات القرن التاسع عشر عقب ما يسمى فى الاصطلاح الشعبى بــ"هوجة عرابى" وسقوط مصر تحت سنابك الاحتلال البريطانى، بادئة بنقل ضابط البوليس المصرى محمود عبد الظاهر من القاهرة إلى واحة سيوة التى ترفض أن تدفع الضرائب المفروضة عليها للحكومة. وقد اصطحب عبد الظاهر، الذى أصبح مأمورا فى مكانه الجديد، زوجته كاثرين الأيرلندية الشّغوفة بالآثار وتعلُّم اللغات، والتى كانت تريد أن تبحث هناك عن مقبرة الإسكندر الأكبر، ليجدا نفسيهما منذ البداية فى عالمٍ جديدٍ عليهما ومغلقٍ تماما فى وجهيهما. وقد قرأت أن المؤلف قد أقام لبعض الوقت فى واحة سيوة، التى تبعد عن القاهرة 830 كيلومترا بغية التعرّف عن كَثَبٍ إلى الناس وعاداتهم وتقاليدهم وحياتهم اليومية، وهو ما فعلت بعضا منه حين سافرت أنا ايضا إلى سيوة بعد قراءة الرواية وقضيت يوما ممتعا هناك.

وتبدأ الرواية فى شىء من الغموض لا داعى له، فنحن لسنا أمام جريمة قتل أو سرقة نتحسس طريقنا نحو كشف معمَّياتها فى الظلام بحذر وحيرة، بل كما سوف نعرف فيما بعد: إزاء نقل ضابط من موقعه بالقاهرة إلى واحة سيوة. وكان ينبغى أن يكون الكلام واضحا منذ البداية لأن معرفتنا بحقيقة الأمر بعد هذا لا تثمر راحة بال بعد تشوق ولهفة، بل تجعلنا نتنهد حسرة على تضييع المؤلف وقته وقتنا فى موضوع لا يستحق كل هذا التعليق للأنفاس. والمؤلف البارع لا يلجأ إلى مثل هذه الحيلة لتشويق قرائه، أو بالأحرى: لا يسقط فى هذا الفخ الذى لا يصح أن يقع فيه روائى محترف، بَلْهَ روائيا مبدعا. إن الرواية تبدأ بحديث محمود عن نفسه وعن زوجته، التى يؤكد أنها شجاعة فعلا كما قيل له، وعن رحلة سيقومان بها تحفها الأخطار، وإن كان هو رغم ذلك كله لا يبالى شَرْوَى نَقِيرٍ بشىء من ذلك. كما أن هناك إشارة إلى الأميرالاى سعيد والصداقة التى كانت تربط بينه وبين الراوى ثم أصابها الفتور.

ولكن مَنْ محمود بالضبط؟ وما طبيعة الرحلة التى سيقوم بها؟ وما هى الأخطار التى تنتظره فيها؟ سوف يأخذ الأمر وقتا قبل أن تنجلى تلك الأمور التى ليس من طبيعتها أن تكون فيها معميات أو ألغاز، بل الكاتب هو الذى أرادها أن تكون كذلك ودَفَع الراوى دفعا إلى انتهاج هذا السبيل الذى لا يتسق مع طبيعته كروائىٍّ المفروضُ أنه يفتح صدره لنا نحن القراء ويبثنا شكواه وضيقه. فكيف يعمل على تحييرنا منذ البداية وتطاوعه نفسه على أن يلاعبنا "حاورينى يا كيكة"، وبخاصة أن الموضوع لا يستحق شيئا من هذا كما قلنا؟ نحن هنا بإزاء رواية تاريخية سياسية واجتماعية، ولسنا فى رواية بوليسية من روايات أجاثا كريستى حيث يقوم كل شىء على الغموض وتحيير القارئ وتشكيكه فى كل شىء وفى كل شخص وتعليق أنفاسه من أول الرواية إلى آخرها، وإلا باخت الطبخة وانصرف القراء عن المطالعة. أما هنا فالفن يكمن، أقصد أنه ينبغى أن يكمن، فى طرح القضايا الإنسانية التى تشغل البشر وتستولى على مجامع القلوب منهم وفى تصوير البيئة وفى تحليل الشخصيات والمقابلة بين طبائعها وأفكارها وتصرفاتها وإقامة حوار بينها فكرا ولغةً وسلوكا والتدسس إلى النفوس واستخراج مكنوناتها البعيدة التى لا يصل إليها إلا أقلام المبدعين الحقيقيين. بل إننا حتى فى روايات كريستى نُلْفِى أنفسنا منذ البداية أمام جريمة قتل لا شك فى ذلك، لكن الفاعل مجهول، وفى ذات الوقت يحوم الشك حول الجميع، وتقوم عقدة الرواية على معرفة القاتل الذى لا نعرفه دائما إلا فى آخر الرواية مع لهاثنا العقلى طوال الوقت جريا وراء معرفته قبل أن تكشف لنا الكاتبة حقيقته، وهيهات!

ويبدو أن الكاتب مغرم بهذا النوع من الحيل لشد القارئ إلى روايته رغم أنها حيل ساذجة لا تستطيع أن تؤثر إلا على القارئ الباحث عن أية تسلية يضيع بها وقته المترامى أمامه لا يدرى ماذا يصنع به، مَثَلُه مَثَلُ من ينفق الساعات فى الشرفة لا عمل له على الإطلاق إلا قزقزة اللب وبصقه على رؤوس المارة المساكين الذين يسوقهم حظه التاعس إلى المرور من تحت شرفته الميمونة. ذلك أننا فى منتصف الرواية نُلْفِى أنفسنا أمام مشهد عجيب: فكاثرين تشتبك فيما يشبه الصراع مع مليكة، الشابة السيوية الأرملة التى كان عليها أن تبقى فى الموضع الذى حبسوها فيه إلى أن تنقضى أربعون يوما (حسبما قرأت فى عدد غير قليل من المواقع المشباكية التى تتحدث عن سيوة وتقاليدها) لا يراها ولا يحتك بها أحد ولا يقع بصرها أثناء ذلك على أى شىء يخص الآخرين، وإلا حلت عليه وعليهم اللعنة والمشأمة، والتى كانت تلبس رغم هذا ملابس الشبان وتخرج إلى الشوارع وتدخل البيوت دون أن يعرف الناس أنها مليكة، ومن بينها بيت كاثرين، حيث جرى المشهد السالف الذكر. ويدخل محمود زوج كاثرين ويرى ما نرى ويحسب أن مليكة تريد أن تقتل زوجته فيخرج مسدسه ويطلق الرصاص، وإن كان تدخُّل زوجته وإبعادها فُوَّهة المسدس فى آخر لحظة كما يحدث فى الأفلام المصرية لَقَتَل الفتاة المسكينة.

ليس ذلك فقط، بل إن كاثرين ذاتها كانت تظن أن مليكة تشتهيها جنسيا وأنها لذلك اندفعت إلى صدرها وقبلته وانكفأت على قدميها تشبعهما لثما، وظلت بعد ذلك تنظر إلى مليكة بهذه العين، بل خالجتها بعض النوازع الشاذة تجاهها لهذا السبب. وتسأل عن السر وراء كل ذلك فتضحك حين تعلم أن البنت السيوية كانت قد ضاقت بقسوة الحبس الانفرادى وأنها قصدت بيت كاثرين لما سبق بينهما من لقاء يتيم كى تتخلص من وحشة العزلة وسأم الانتظار الطويل وأن كل ما كانت تريده هو أن تعبر لها عن اعترافها بالجميل لأنها الوحيدة التى عاملتها فى سيوة كلها بالعطف والمرحمة.

والمضحك أن تعرف كاثرين أن مليكة أرملة وأنها، ككل أرملة فى الواحة، كان عليها أن تعتزل البشر مدة معينة لا يقع بصرها على أحد منهم أو أى شىء يخصهم، ثم لا تعرف رغم هذا أنها حين أكبت على قدميها (كما أكبت نجاة الصغير على قدمى حبيبها اللاهى الغادر فى رائعة "أيظن" لشاعرنا الفلاتى نزار قبانى، الذى رفض بعض المتدينين فى لندن دخول جثمانه المسجد للصلاة عليه وكأن المسجد، وكذلك ثواب الله ورضوانه وجنته فوق البيعة، ملكية خاصة بهم رغم أنهم هم أنفسهم لا يملكون لأنفسهم شيئا: فثواب الله أمر خاص بالرحمن الرحيم لا ينازعه أحد فيه، وإلا تعرض لجبروته وسخطه وعذابه، والمسجد هو بيت الله. لقد كان بمقدورهم أن  يمتنعوا عن الصلاة على جثمان الشاعر الذى أفسد كثير من أشعاره وكتاباته عقول الفتيات والنساء بما حشا به أذهان الفارغات منهن من أن جسد البنت هو ملك خاص بها من حقها أن تفعل به ما تشاء، وهذا هو منتهى فهمه للحرية! لكن تلك نقرة أخرى. أما أن يمنعوا الجثمان نفسه من أن يصلى عليه أحد فهذا ما لا أفهمه. ولقد ظل الرسول إلى آخر لحظة  يصر على الصلاة على ابن سلول زعيم المنافقين إلى أن نزل الوحى حاسما ينهاه عن ذلك. فهل نزل على هؤلاء وحى يقول لهم: امنعوا الناس من الصلاة على نزار؟ على كل حال لقد كان إمام المسجد السعودى فى إحدى القرى بمحافظة بيشة أكثر حنكة ولباقة حين اكتفى بالامتناع عن الصلاة على رجل من أهل القرية لأنه لم يكن من المشهود لهم بالصلاة طبقا لما جاء فى الخبر الذى قرأته لتوى ببعض المواقع، فما كان من أقارب الرجل إلا أن تقدم أحدهم وأَمَّ الناسَ فى الصلاة عليه. وهذه هى عظمة الإسلام، فديننا لا يعرف دور الكاهن، بل يستطيع أى إنسان أن يقود الصلاة. ولو كنت هناك فى لندن فلربما شاركت فى الصلاة على جثمان الشاعر السورى رغم أنى انتقدته انتقادا شديدا فى بعض كتاباتى. وهل يحتاج إلى صلاتنا عليه أحد كالمقصِّرين؟ ثم ألسنا كلنا مقصرين على نحو أو على آخر؟ أم اتخذ بعضنا عند الله عهدا أن يُدْخِلهم الجنة فلن يُخْلِف الله معهم عهده؟)، طال الكلام عليك أيها القارئ، ووجب علىَّ أن أعمل على ربط الجملة التى انفصمت عراها بسبب مليكة السيوية وكاثرين الأيرلندية فأقول: إنه لمن المضحك أن تعرف كاثرين أن مليكة أرملة وأنها، ككل أرملة فى تلك الواحة، كان عليها أن تعتزل البشر مدة معينة لا يقع بصرها على أحد منهم أو على أى شىء يخصهم، ثم لا تعرف رغم ذلك أنها حين أكبت على قدميها وقبلتها فى صدرها (وأنا أشك فى أنها قبلتها فى صدرها شكا مطلقا، بل الكاتب هو الذى اصطنع ذلك اصطناعا وتكلَّفه تكلفا دون أدنى مراعاة لمنطق الأشخاص والبيئات، إذ ظنّ نفسه فى أوربا) إنما كانت تعبر عن شعورها بالمنة التى أولتها إياها تلك المرأة ليس إلا.

وتسألنى: ولماذا هذا الاستغراب؟ فأجيبك أنها علمت بترمُّل مليكة منها هى نفسها، وفهمت أبعاد ذلك فى ضوء ما كانت قد قرأته من كتب حملتها معها حين صحبت زوجها إلى تلك الواحة البعيدة بغية التعرف إلى بيئتها الجديدة. ستقول: وماذا فى ذلك؟ سأجيبك بأنه ها هنا يكمن تهافت الفن فى الرواية، إذ إن مليكة لم تكن تعرف إلا اللغة السيوية، وهى لغة لا صلة بينها وبين العربية التى لم تكن كاثرين تفهم سواها (إلى جانب الإنجليزية بطبيعة الحال كما لا حاجة بى إلى أن أقول، وكذلك بعض اللغات الأخرى)، بالإضافة إلى أن الكاتب لم يتركنا فى عماية من الأمر، بل أشار مرارا إلى انعدام صلة التفاهم بين المرأتين تماما بحيث لا يمكن أن يحتمل الأمر أى تفسير آخر. فكيف إذن عرفت كاثرين أن مليكة أرملة وأنها تقاسى الحبس فى الموضع الذى نبذها أهل البلد فيه؟ بل كيف كانت مليكة تختلط بالناس فى ملابس الغلمان دون أن يتنبهوا إلى حقيقة أمرها؟ ألا يعرف أهل البلد بعضهم بعضا كما يعرف الواحد منا "ظَهْر كَفّه" حسبما يقول التعبير الإنجليزى (To know sth like the back of one’s hand) أو "قَعْر جَيْبه" (Connaître qch comme le fond de sa poche) حسبما يعبر الفرنسيون؟ فكيف فاتهم أن هذا الغلام ليس واحدا منهم، فلم يُثِرْ من ثم فضولهم وتركوه يخالطهم ويلعب مع أولادهم؟ بل كيف سكت الغلمان من أترابه فلم يسألوه عن هويته والمكان الذى نزل عليهم منه؟ وهذا كله لو كنا من السذاجة وبساطة العقل بحيث نبتلع أن مليكة استطاعت، وهى الفتاة التى سبق لها الزواج، أى أصحبت امرأة ناضجة ناهدة الصدر، أن تُحْكِم طريقتها فى التخفى فلا يظهر منها شىء يخص النساء سواء من ناحية الملابس أو نتوءات الجسد أو الحركات أو الصوت أو البشرة أو الشعر، فضلا عن أنها كانت على عكس نساء البلد جميلة جمالا يلفت النظر، ودعنا من النفسية الأنثوية، وإلا فلن ننتهى فى يومنا الذى نرجو أن يمرّ على خير، ودعنا كذلك من كيفية حصولها على ملابس الغلمان، وهى المعزولة عزلا قسريا تاما عن كل شىء وكل إنسان بحيث إنهم يلقون لها طعامها إلقاء دون أن يَرَوْها أو يحدّثوها.

أذكر فى هذا السياق فلما سخيفا من أفلام الستينات تقوم ببطولته سعاد حسنى ونادية لطفى، وخطيباهما يوسف شاهين وحسن يوسف، وتقع حوادثه أيضا فى الصحراء كما هو الحال هنا حيث تخفَّت الممثلتان المشهورتان فى ملابس رجالية وأخذتا تخالطان خطيبيهما المذكورين وبقية المهندسين هناك وكأنهما شابان مثلهم وانطلت حيلتهما المتهافتة على كل إنسان، ما عدا المتفرجين بالطبع الذين لا أدرى كيف تحملوا مشاهدة هذا التنطع طيلة ساعة ونصف، وربما أكثر. لكن هذا فى الأفلام المصرية، وبخاصة أفلام الستينات المملة، وليس فى رواية يفترض فيها أنها رواية محترمة فنيا.

كما أذكر هنا أيضا مسرحية معتوهة يقوم فيها شاب قاهرى إرهابى ملتحٍ بالتخفى فى ملابس المنقبات وقد لف حول وسطه عدة جنازير ورَكِب إحدى

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

هل كان ابن المقفع زنديقا؟ هل كتب معارضة للقرآن؟3

كتبها ibrahim awad ، في 26 مارس 2009 الساعة: 16:39 م

هل كان زنديقا؟

هل كتب معارضة للقرآن؟

(كلمة فى عقيدة ابن المقفع)3

   د. إبراهيم عوض

 

 

ولكى نعرف المكانة التى يحتلها ابن المقفع وأدبه فى نفوس القدماء علينا أن نراجع بعض ما قاله كبارهم: ففى"البيان والتبيين" للجاحظ سيد الكتاب والأدباء والمفكرين نقلا عن ابن قوهى: "قال إسحاق بن حسان بن قُوهيّ: لم يفسِّر البلاغَة تفسيرَ ابنِ المقفَّع أحدٌ قَطُّ. سُئِل: ما البلاغة؟ قال: البلاغة اسمٌ جامعٌ لمعانٍ تجري في وجوهٍ كثيرة: فمنها ما يكون في السُّكوت، ومنها ما يكون في الاستماع، ومنها ما يكون في الإشارة، ومنها ما يكون في الاحتجاج، ومنها ما يكون جوابا، ومنها ما يكون ابتداءً، ومنها ما يكون شعرا، ومنها ما يكون سَجعْا وخُطبا، ومنها ما يكون رسائل. فعامّةُ ما يكون من هذه الأبواب الوحيُ فيها والإشارةُ إلى المعنى والإيجازُ هو البلاغة. فأمّا الخُطَب بين السِّماطَين، وفي إصلاح ذاتِ البَين، فالإكثارُ في غير خَطَل، والإطالةُ في غير إملال. وليكن في صدر كلامك دليلٌ على حاجتك، كما أنَّ خيرَ أبياتِ الشعر البيتُ الذي إذا سمِعْتَ صدْرَه عرَفْتَ قافيتَه. كأنّه يقول: فَرِّقْ بينَ صدر خطبة النكاح وبين صَدْر خُطْبة العيد، وخُطبة الصُّلْح وخُطبة التّواهُب، حتَّى يكونَ لكّل فنٍّ من ذلك صدرٌ يدلُّ على عَجُزِه. فإنّه لا خيرَ في كلامٍ لا يدلُّ على معناك، ولا يشير إلى مَغْزَاك، وإلى العَمود الذي إليه قصدتَ، والغرضِ الذي إليه نزَعت. قال: فقيل له: فإنْ مَلَّ السامعُ الإطالةَ التي ذكَرْتَ أنّها حقُّ ذلك الموقِف؟ قال: إذا أعطَيْتَ كلَّ مَقامٍ حَقَّه، وقمتَ بالذي يجبُ من سياسة ذلك المقام، وأرضيْتَ من يعرف حقوقَ الكلام، فلا تهتمَّ لما فاتَكَ من رضا الحاسد والعدُوّ، فإنّه لا يرضيهما شيءٌ. وأمّا الجاهلُ فلستَ منه وليس منك. ورِضَا جميعِ النَّاس شيءٌ لا تنالُه… قال: وسُئِل ابنُ المقفَّع عن قول عمر رحمه اللَّه: ما يتصَعَّدُني كلامٌ كما تتصعَّدَني خطبةُ النِّكاح. قال: ما أعرفه إلا أن يكون أراد قُربَ الوجوه من الوجوه، ونَظَر الحداق من قُربٍ في أجواف الحِداق. ولأنّه إذا كان جالسا معهم كانوا كأنَّهُم نُظَراءُ وأَكْفَاءٌ، فإذا عَلاَ المنبرَ صارُوا سُوقةً ورَعِيّةً".

وفى بعض رسائل الجاحظ الأخرى نقرأ ما يلى: "ومن المعلمين ثم من البلغاء المتأدبين عبد الله بن المقفع، ويكنى: أبا عمرو. وكان يتولى لآل الأهتم، وكان مقدَّما في بلاغة اللسان والقلم والترجمة واختراع المعاني وابتداع السير". ولعلنا لم ننس بَعْدُ إقرار الجاحظ بأنه كان فى صدر حياته الإبداعية إذا اراد أن يروّج شيئا كتبه وينفّقه بين القراء نَسَبَه إلى ابن المقفع أو من فى مكانته الأدبية! فهذا مؤشر على المكانة العظيمة التى كان يشغلها ابن المقفع من نفس ذلك الأديب والمفكر العظيم!

وفى"البصائر والذخائر" للتوحيدى، وهو من أئمة البيان الشاهقين، نقرأ: "قال أبو العيناء: كلام ابن المقفّع صريح، ولسانه فصيح، وطبعه صحيح. كأنّ كلامه لؤلؤٌ منثور، أو وشيٌ منشور، أو روضٌ ممطور". وفيها أيضا على لسان الأصمعى، الذى استشهد طه حسين به خطأً على أن فى أسلوب ابن المقفع التواء ومشقة: "قال ابن المقفّع لبعض الكتّاب: إيّاك والتّتبّع لوَحْشِيّ الكلام طمعا في نيل البلاغة، فإنّ ذلك العِيّ الأكبر". وفى "أمالى" المرتضَى: "وكان ابن المقفع، مع قلة دينه، جيد الكلام فصيح العبارة، له حكم وأمثال مستفادة". ويقول الزمخشرى فى "ربيع الأبرار" إن رسالة ابن المقفع المسماة بــ"اليتيمة" لهى مضرب المثل فى البلاغة. وشهد له الصغانى فى "العباب" بأنه كان فصيحا بليغا. وفى "خزانة الأدب ولُبّ لُبَاب لسان العرب" لعبد القادر البغدادى شهادة حاسمة بأن "ابن المقفع كاتب بليغ"، وإن شفع هذه الشهادة بأنه زنديق! سامحه الله!

ويشير بديع الزمان الهمدانى فى "المقامة الجاحظية" إلى أنه كان مثالا لبراعة الوصف وذرابة الكلام. كما وصفه ابن خلكان فى ترجمته له بــ"وَفَيات الأعيان" بأنه "الكاتب المشهور بالبلاغة، صاحب الرسائل البديعة". وفى "الفهرست" لابن النديم أن "بلغاء الناس عشرة: عبد الله بن المقفع، عمارة بن حمزة، حجر بن محمد…"، وأن "الكتب المجمع على جودتها: عهد أردشير، كليلة ودمنة، رسالة عمارة بن حمزة الماهانية، اليتيمة لابن المقفع، رسالة الحسن لأحمد بن يوسف".

وإن قَلَمًا يقع له ما كان يقع لقَلَم ابن المقفع فيتصرف رَبُّه كما كان يتصرف رَبُّ القلم المقفَّعِىّ لخليق ألا يقع فيما زعم طه حسين وقوع أديبنا الكبير فيه من التعقيد والالتواء والعجمة التى قال إنها تشبه عجمة المستشرقين. جاء مثلا فى كتاب "إعتاب الكتّاب" لابن الأبّار: "قال ابن عبد ربه: بلغني أن صديقا لكلثوم العتابي أتاه يوما فقال له: اصنع لي رسالة. فاستمد مدةً، ثم علق القلم، فقال له صاحبه: ما أرى بلاغتك إلا شاردةً عنك. فقال له العتابي: إني لما تناولت القلم تداعت عليَّ المعاني من كل جهة، فأحببت أن أترك كل معنى حتى يرجع إلى موضعه ثم أجتني لك أحسنها. وهذا كالذى رُوِيَ عن ابن المقفع من أنه كان كثيرا ما يقف قلمه، فقيل له في ذلك، فقال: إن الكلام يزدحم في صدري، فيقف قلمي لتخيُّره!". الله! الله! ما هذه الصورة المونقة؟ إن رجلا كهذا لا يمكن أن يصدق عليه ما زعمه بحقه الدكتور طه، إذ مثله يعرف أن القلم قد يكون فى بعض الظروف مركبا صعبا يحتاج إلى رياضة وصبر وحكمة، ولا يؤخذ عنفا واعتسافا. وحرىٌّ بمثله ألا يقسر قلمه ساعتئذٍ على ما لا يطاوعه فيه، بل يأخذه بالحسنى حتى يلين له وينقاد ويعمل كل ما يريده منه عن طواعية ورضا.

ومن الطريف أن يعزف حنا الفاخورى ذات النغمة الطاهاحسينية فى تسرع يفتقر إلى المراجعة والتثبت، إذ أتى إلى جملة فى "كليلة ودمنة" فعلق عليها زاعما أن "توخى السهولة فى موضوعٍ بالغِ الصعوبة جعل ابن المقفع على شىء من العنت فى الترجمة وتأدية المعانى، فوقع فى بعض الغموض أحيانا، ووقع فى جمله بعضُ التداخل إلى حد يستحيل تقسيمها إلى عبارات، كما فى قوله: "وأما الوزتان اللتان رأيتَهما طارتا من وراء ظهرك فوقعتا بين يديك فإنه يأتيك من ملك بلخ فَرَسان ليس على الأرض مثلهما فيقومان بين يديك". والحق الذى لا مِرْيَة فيه أن الفاخورى لا يعرف عم يتحدث، وأغلب الظن أنه يردد ما قاله طه حسين دون تفكير. ذلك أن المعنى واضح مشرق ليس فيه أى تعقيد أو عنت، إذ المقصود هو تفسير الحلم الذى رآه الملك. فكأن الحكيم قد قال للملك: أما الحلم الفلانى فتفسيره كذا وكذا. وعلى هذا فإن الوزتين اللتين حلم بهما العاهل الهندى معناهما فَرَسان عديما الشبيه يرسلهما ملك بلخ فيقومان بين يَدَىِ الملك. وهذا حوار الملك والحكيم فى سياقه، أُورِده أمام القارئ كى يحكم بنفسه على ما يقول الفاخورى: "رأيت في المنام ثمانية أحلام فقصصتها على البراهمة، وأنا خائف أن يصيبني من ذلك عظيمُ أمرٍ مما سمعتُ من تعبيرهم لرؤياي. وأخشى أن يُغْصَب مني مُلْكي أو أن أُغْلَب عليه. فقال له الحكيم: إن شئت فاقصص رؤياك عليَّ. فلما قص عليه الملك رؤياه قال: لا يحزنْك أيها الملك هذا الأمر، ولا تخف منه: أما السمكتان الحمراوان اللتان رأيتَهما قائمتين على أذنابهما فإنه يأتيك رسول من ملك نهاوند بعلبة فيها عِقْدان من الدُّرّ والياقوت الأحمر قيمتُهما أربعة آلاف رطل من ذهبٍ فيقوم بين يديك. وأما الوزتان اللتان رأيتهما طارتا من وراء ظهرك فوقعتا بين يديك فإنه يأتيك من ملك بلخ فَرَسان ليس على الأرض مثلهما فيقومان بين يديك. وأما الحية التي رأيتها تدبّ على رجلك اليسرى فإنه يأتيك من ملك صنجين من يقوم بين يديك بسيف خالص الحديد لا يوجد مثله". أى أن كلمة "فإنه" تشير إلى أن هذا هو تفسير  الحلم. ويمكننا أن نحذفها ونضع موضعها كلمة "فمعناهما". هكذا بكل بساطة ودون تطاول على ابن المقفع أو التحذلق بتخطئته على غير أساس. وأصحّ من كلام الفاخورى قول بطرس البستانى فى كتابه: "أدباء العرب فى الأعصر العباسية" عن "كليلة ودمنة": "فى هذا الكتاب يتجلى أسلوبه البديع الذى رفع به مستوى النثر العربى إلى أعلى درجات الفن وأشرفها".

 أما ما أثبته د. عبد الوهاب عزام فى المقدمة التى كتبها للطبعة الأولى من "كليلة ودمنة" من مآخذ على ترجمة ابن المقفع لذلك الكتاب من التزام بالحرفية أحيانا، فقد يكون له توجيه مقبول: فمن ذلك قوله: "غلب على صاحب البيت النعاسُ وحمله النوم"، الذى يعلّق الدكتور عزام على جملته الأخيرة بأنها ترجمة حرفية للأصل الفارسى: "خواب أورابرد"، وأرى أنا أنه لا بأس بهذا، إذ قد يكون فى نقل تلك العبارات والصور الأجنبية إغناء للعربية وإنعاش لها بدلا من أن نظل نردد ما شببنا وشبنا عليه من صور تقليدية. و"حَمَله النوم" صورة جميلة تعنى أن النوم قد نقل الشخص بعيدا عن عالم الحس واليقظة فلم يستطع المقاومة، أو أنه لم يتكلف النوم بل أتاه النوم وحمله حملا. وللدكتور طه حسين (زميل الدكتور عزام فى تحقيق ذلك الكتاب) أشياء من هذه فى كتاباته لا يفكر أحد فى أخذها عليه، كقوله عمن لا طال هذا ولا ذاك: "سقط بين كرسيين"، (Être assis entre deux chaises, To fall between two stools، مما يشبه إلى حد بعيد قولنا فى مصر: "رقص على السُّلَّم"، أو "لا طال بلح الشام ولا عنب اليمن")، وقوله، فيمن ضاعت عليه الفرصة فلم يستطع أن ينجز المطلوب إلا بعد فوات الأوان، إنه أقبل على عمله يؤديه فى الساعة الرابعة عشرة" (كما نقول الآن: "يلعب فى الوقت الضائع"، وهذا التعبير الأخير بدوره تعبير أجنبى مأخوذ من عالم الكرة). وهو أحيانا ما يردف مثل هذين التعبيرين بقوله: "كما يقول الفرنسيون". وقد يقول أحدنا عن المطر المنهمر كالسيول: "الدنيا تمطر قططا وكلابا"، مستعيرا هذا التعبير الظريف من الإنجليزية، أو يعلق على من يحكى شيئا يأبى أن يدخل العقل: "نعم، قد تطير الخنازير".

وأما قول ابن المقفع فى الكتاب ذاته: "وعرفت أنى إن أوافقْه أكن كالمصدِّق المخدوع، كالذى زعموا أن جماعة من اللصوص ذهبوا إلى بيت رجل من الأغنياء…"، الذى انتقد د. عزام تركيب الجملة فيه لعدم وجود ضمير يعود على "الذى" وتفسيره إياه بأن ابن المقفع قد ترجم الاسم الموصول الفارسى: "كه" كما هو على أساس أن هذا الاسم لا يأخذ فى لغة الفرس أىّ ضمير، فقد وجدت أن الجملة قد وردت فى النسختين الضوئيتين اللتين أنزلتهما من المشباك على النحو الآتى: "وعرفت أنى إن أوافقْه أكن كالمصدِّق المخدوع كالذى زعموا فى شأنه أن جماعة من اللصوص ذهبوا إلى بيت رجل من الأغنياء…" بما لا يتعلق عليه به متعلِّق. وحتى لو كانت ملاحظات الدكتور عزام صحيحة فهذا ينبغى أن يفسَّر بما نقع فيه كلنا من سهو حين نكتب، إذ العبرة لا بالوقوع فى مثل تلك الغلطات مرة، بل بتكرارها واطرادها، لأن هذا الاطراد هو المحك الحقيقى الذى على أساسه يصح اتهام الشخص بالخطإ.

ومن هنا فإنى أستغرب أشد الاستغراب قول القاسم بن إبراهيم عن أسلوب ابن المقفع الذى يردّ عليه فى رسالته التى بين أيدينا: "ثم خلف من بعد مانى إلى الحيرة والهلكات، خَلْفُ سوءٍ استخلفه إبليس على ما خلّف مانى من الضلالات، يسمَّى: ابن المقفع، عليه لعنة الله بكل مرأًى ومسمع… فوضع كتابا أعجمى البيان، حكم فيه لنفسه بكل زورٍ وبهتان…". وسر استغرابى أمران: الأول أنه يشير إلى ابن المقفع بقوله إنه "يسمى: ابن المقفع"، وكأن ابن المقفع رجل نكرة مجهول وليس سيدا من سادات البيان والإبداع يعرفه القاصى والدانى ولا يسع أحدا من العرب والمسلمين، وبالذات فى ذلك الوقت، أن يجهله. وعلى هذا فإنى لا أستبعد أن يكون المقصود "ابنَ مقفعٍ" آخر، وبخاصة أنه لا يسميه بالاسم الذى نعرفه به، وهو "عبد الله بن المقفع" بل يكتفى بــ"ابن المقفع" ليس إلا. والأمر الثانى أنه يتحدث عما حبَّره ذلك الشخص فى معارضة القرآن بوصفه "كتابا أعجمى البيان"، فضلا عن معايرته ابن المقفع ذاته بــ"جهله باللسان، وقلة علمه بمخارج القرآن"، وهو ما لا يخطر ببال أحد ممن يعرفون قيمة ما أبدع ابن المقفع أن يقوله، إذ رأيناهم جميعا يقرون له بالبراعة والإحسان رغم ذكر بعضهم أنه كان يُتَّهَم بالزندقة. ثم إنه يقول عن ابن المقفع إنه "بلغني عن الحمقى منه انتشار، وتتابعت بانتشاره عليَّ أخبار، ورُفعت إلينا منه مسائل عن ابن المقفع، لم آمن أن يكون بمثلها اختدع في مذهبه كل مختدع، فرأيت من الحق علينا جوابها، وقطع ما وصل به من باطله أسبابها"، وهو ما قد يفهم منه أن ابن المقفع هذا شخص كان يعيش فى عصر القاسم بن إبراهيم على غير مبعدة منه، وله أتباع تأثروا بكلامه وضلوا بضلاله. كما يذكر القاسم بن إبراهيم أن لابن المقفع هذا مسائل طرحها على المسلمين يريد الجواب عنها. وهذا أمر لم يُعْرَف عن ابن المقفع صاحب "كليلة ودمنة". ولو كان هو ابن المقفع الذى نعرفه لكان قد ذكر شيئا يشير إليه.

فإذا رجعنا مرة أخرى إلى المعارضة المنسوبة لابن المقفع راعنا أن نصوصها تخلو من سمة بارزة فى كتاباته، ألا وهى ميله القوى إلى الإجمال الذى يتبعه بالتفصيل والتقسيم كما فى النص التالى، وهو من "الأدب الكبير": "اعلم أن الملك ثلاثةٌ: ملكُ دينٍ، وملكُ حزمٍ، وملكُ هوى. فأما ملكُ الدينِ فإنهُ إذا أقام للرعيةِ دينهم، وكان دينهم هو الذي يعطيهم الذي لهم ويلحقُ بهم الذي عليهم، أرضاهم ذلك، وأنزل الساخط منهم منزلة الراضي في الإقرار والتسليمِ. وأما ملكُ الحزمِ فإنهُ يقومُ به الأمرُ ولا يسلمُ من الطعنِ والتسخطِ. ولن يضر طعنُ الضعيفِ مع حزمِ القوي. وأما ملكُ الهوى فلعب ساعةٍ ودمار دهرٍ".

كما أن السجع فيها بارز بروزا قويا على حين لم يكن السجع من السمات الأسلوبية لدى ابن المقفع. وهذه بضع أمثلة على هذا الذى نقول: "نافر الله الإنسان فقال : "فلْيَدْعُ ناديَه، سندع الزبانية"، ثم افتخر بغلبته لقرية أو لأمة أهلكها من الأمم الخالية"، "كون شيء لا من شيء لا يقوم في الوهم له مثال، وما لا يقوم في الوهم مثاله فمحال"، "فما باله إذا أراد إنزاله لم يطوه حتى لا يناله شيطان مريد، ولا مطيع رشيد، إلا رسوله من بين خلقه وحده، فيكون هو الذى ثبّت رشده؟"، "ألا خلق الله الناس أبرارا، ومنعهم من أن يكونوا أشرارا؟"، "إنه أَصَمَّ خَلْقَه أو أعماهم كما توهَّم، أو جبرهم على عصيانه، أو حال بين أحد وبين إيمانه، أو أنه أمرضهم، أو عذّب بغير ذنبٍ بَعْضَهم"، "ومن أين تدرى أن هذه نِعَمُه، وأن مُحْدِثَها إحسانُه وكرمُه". ولم يكن ابن المقفع هو الوحيد فى زمنه الذى لا يستعمل السجع، بل كان ذلك الامتناع ديدن تلك العصور المتقدمة، إذ "كان المتقدمون لا يحفلون بالسجع ولا يقصدونه بَتَّةً إلا ما أتت به الفصاحة في أثناء الكلام، واتفق عن غير قصد ولا اكتساب. وإنما كانت كلماتهم متوازنة، وألفاظهم متناسبة، ومعانيهم ناصعة، وعبارتهم رائقة، وفصولهم متقابلة، وجمل كلامهم متماثلة. وتلك طريقة الإمام علي عليه السلام ومن اقتفى أثره من فرسان الكلام كابن المقفع، وسهل بن هارون، وإبراهيم بن العباس، والحسن بن سهل، وعمرو بن مسعدة، وأبي عثمان الجاحظ، وغير هؤلاء من الفصحاء والبلغاء" كما لاحظ ابن أبى الإصبع عن حقٍّ فى كتابه: "تحرير التحبير فى صناعة الشعر والنثر".

ولكيلا ننخدع بحكاية معارضة ابن المقفع للقرآن هأنذا أسوق للمرة الثانية رواية أخرى مختلفة عما قاله ابن طباطبا، وهى الرواية التى سبق أن طالعناها للباقلانى. ومنها نرى أن الأمر لا يعدو أن يكون حكايات يراد منها الطعن فى دين الرجل دون أى دليل يمكن الاستناد إليه. جاء فى "إعجاز القرآن" للباقلانى: "وقد ادعى قوم أن ابن المقفع عارض القرآن. وإنما فزعوا إلى "الدرة اليتيمة"، وهما كتابان: أحدهما يتضمن حكما منقولة توجد عند حكماء كل أمة مذكورة بالفضل، فليس فيها شيء بديع من لفظ ولا معنى. والآخر في شيء من الديانات، وقد تَهَوَّسَ فيه بما لا يخفى على متأمل. وكتابه الذي بيناه في الحِكَم منسوخ من كتاب بزرجمهر في الحكمة. فأي صُنْعٍ له في ذلك؟ وأي فضيلة حازها فيما جاء به؟ وبعد، فليس يوجد له كتاب يدعى مُدَّعٍ أنه عارض فيه القرآن، بل يزعمون أنه اشتغل بذلك مدة ثم مزق ما جمع واستحيا لنفسه من إظ

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

هل كان ابن المقفع زنديقا؟ هل كتب معارضة للقرآن؟ 2

كتبها ibrahim awad ، في 26 مارس 2009 الساعة: 16:36 م

هل كان زنديقا؟

هل كتب معارضة للقرآن؟

(كلمة فى عقيدة ابن المقفع)2

د. إبراهيم عوض

 

ثم إن كلام ابن المقفع بطول الرسالة وعرضها إنما يدور على الحكم بكتاب الله وسنة رسوله والإلحاح على أن هذه هى مهمة الإمام، فكيف يجرؤ مُدَّعٍ على القول بأن ابن المقفع كان علمانيا فى رسالته؟ وقبل ذلك فالرسالة كلها من أولها إلى آخرها إنما تتقرَّى مصلحة الدولة الإسلامية وترمى إلى إصلاح أمورها فى الإدارة والقضاء وإقامتها على أساس متين يكفل لها المنعة والقوة والاستقرار، مشددا على تولية الصلحاء وأهل الدين أمور الناس. أفيمكن أن يضع علمانى مثل هذا الهدف نصب عينيه؟ وهو فى أثناء هذا يضع السُّنّة وكلام السلف طوال الوقت أمامه يستأنس بهما. ورجل يصنع هذا لا يصلح اتهامه بأنه علمانى، فضلا عن زنديق! ليس ذلك فقط، بل نراه يأسى لانزواء كثير من رجالات أهل البيت الذى ينتسب إليه أمير المؤمنين ومن رجالات قريش والعرب عامة لحساب من ليست له سابقة فى الدين ولا فى الجهاد وما إلى هذا. فكيف بالله يدعى مدّعٍ أن مثل ذلك الرجل كان علمانيا، بَلْهَ زنديقا؟

أما د. محمد نبيه حجاب فيرى فى الرسالة لونا ماكرا من الثورة على النظم القائمة. وبالمثل يفسر دعوة ابن المقفع للخليفة إلى إحسان معاملة جند خراسان بأنها تحيز منه إلى أبناء قومه من أهل فارس (انظر كتابه: "مظاهر الشعوبية فى الأدب العربى حتى نهاية القرن الثالث الهجرى"/ 412 وما بعدها). وبهذه الطريقة يقلب الدكتور حجاب كل محمدة لابن المقفع إلى مذمّة دون استناد إلى أى أساس سوى الشك من أجل الشك ليس غير، ولَىّ الأمور إلى عكس وجهها، والتعويل على الخيال فى أمور لا يصلح فيها الخيال، وافتراض الافتراضات التى لا يعجز أى شخص عن توهمها وتوظيفها لنصرة أفكاره المسبقة. ولْنُشِرْ على سبل التمثيل إلى تفسير الدكتور كلام ابن المقفع عن جند خراسان بأنه إنما يريد من الخليفة تقريب الفرس إليه، إذ يبدو وكأنه لا يعرف أن الدولة العباسية لم تقم أصلا إلا على هذا التقريب، فضلا عن تجاهله ما عبر عنه ابن المقفع من الأسى لانزواء كثير من رجالات أهل بيت أمير المؤمنين ومن رجالات قريش والعرب عامة لحساب من ليست له سابقة فى الدين ولا فى الجهاد! ولقد رأينا الدكتور حجاب يفسر الرسالة بأنها ثورة على النظم القائمة، وكان الأحرى به أن يبصر فيها شجاعة وإقداما واعتزازا بالنفس ورغبة فى إصلاح الأمور، وإلا فهل كان الثوار يلجأون فى تلك العصور إلى كتابة مثل هذه العرائض الإصلاحية، وبخاصة إذا كان هؤلاء الثوار لا يزيدون على شخص واحد لاحول له ولا طول ولا يستمد العزيمة من أحد إلا من الله ومن نفسه، وليس له جماعة سياسية يعتزى إليها ويضع يده فى يدها لتنصره فى المآزق، أو تأخذ بثاره إن عجزت عن دفع الشر عنه وقُتِل رغم أنفها؟ فليدلنا الأستاذ الدكتور إذن على سابقة أو لاحقة لهذا الذى يقول.

ولدينا أيضا إنعام الجندى، الذى لا ينكر "جرأة ابن المقفع فى مواجهة أبى جعفر بآرائه"، إلا أنه لا يستطيع رغم ذلك أن ينفى "صلته بنشاط الفرس وأهدافهم التى لم يكن أبو جعفر ليجهلها أو يغفل عنها. وهذا هو السبب الوحيد فى مقتل الكاتب" (إنعام الجندى/ دراسات فى الأدب العربى/ دار الطليعة للطباعة والنشر/ بيروت/ 42). ومن الواضح أن ما قاله الجندى لا يزيد عن أن يكون رجما بالظنون، وإلا فأين الدليل، أىّ دليل، على ما يقول؟ أما عند د. هاشم مناع ود.مأمون ياسين فقد "عرف ابنُ المقفع تدخُّلَه فى السلطة وصلتَه الوثيقة بالمسؤولين للحصول على أمور دفينة فى نفسه منذ أن كتب العهد لعيسى بن على عم المنصور. وتدخُّله هذا أدى إلى ما لا يُحْمَد عقباه لأن الجنوح مع طرف يؤدى بالضرورة إلى غرز الحزازة فى صدر الطرف الآخر" (د. هاشم مناع ود. مأمون ياسين/ النثر فى العصر العباسى/ دار الفكر العربى/ بيروت/ 1999م/ 43). ومرة أخرى لا دليل على هذا الذى يقول المؤلفان، بل مجرد أحكام مجردة يستطيع أى أحد أن يدلى بمثلها دون أية مشقة. لكن المهم هو الإتيان بالبرهان. 

ونصل إلى "الدرة اليتيمة" التى قيل فى بعض الكتب إنها الكتاب الذى عارض به ابن المقفع كتاب الله الكريم. وهى فى الواقع، حسب نشرة صبيح لها بمقدمة من شكيب أرسلان، رسالة  "الأدب الكبير"، ولا شىء سواه. والطريف أن ابن المقفع لا يتركنا هنيهة فى عَمَايةٍ من أمرنا بالنسبة إلى ذلك الكتاب. ذلك أنه يسارع فى مفتتحه فيقول إن السابقين يَفْضُلوننا فى كل شىء حتى فى البلاغة. فلو افترضنا مجرد افتراض أنه كان يؤمن بأن النبى هو مؤلف القرآن، على سخف ذلك الافتراض بعدما تبين لنا أن ابن المقفع كان أبعد ما يكون عن الزندقة، لقد كان يكفى أن يكون محمد صلى الله عليه وسلم أسبق منه فى الزمن كى يتفوق عليه فيما يروم أن يقلده فيه طبقا للقانون الذى استخلصه هو من فهمه وعلمه وتجاربه، وهو أن المتقدمين أفضل فى كل شىء من اللاحقين، وأن منتهى علم هؤلاء هو الاقتداء بأولئك واتخاذهم مثلا أعلى ينصبونه أمام أعينهم. ولكأنه كان يكذِّب من يتهمونه بمعارضة القرآن حين نص نصًّا على أن المتقدمين لم يتركوا للمتأخرين مقالا لم يسبقوهم إليه فى الدعوة إلى الله ووعظ العباد ووصف الأخلاق الفاضلة والتزهيد فى الدنيا، وأن ما يكتبه فى رسالته هذه لا يعدو أن يكون إسهاما ضئيلا بالقياس إلى ما وضعه السابقون من جِسَام التآليف. كذلك فأول شىء يتناوله بالكلام هو الدين ورأيه فيه: "أصل الأمرِ في الدينِ أن تعتقد الإيمان على الصواب، وتجتنبَ الكبائرَ، وتُؤَدِّيَ الفريضةَ. فالزم ذلك لزوم من لا غنى له عنهُ طرفهَ عينٍ، ومن يعلم أنهُ إن حرمهُ هلك. ثم إن قدرتَ على أن تجاوز ذلك إلى التفقه في الدين والعبادة فهو أفضلُ وأكملُ".

وفوق ذلك فهو، على مدى تلك الرسالة من أولها إلى آخرها، لا يومئ مجرد إيماء، لا من قريب أو من بعيد، إلى أنه يبغى بها معارضة القرآن، ولا ادعى النبوة ولا حتى الولاية، ولا قدم نفسه إلى الناس بوصفه شخصية دينية على الإطلاق. وهذا هو مربط الفرس، وإلا فكيف نعرف أنه يريد معارضة القرآن؟ لقد قيل شىء من هذا عن كتاب "الفصول والغايات" لأبى العلاء المعرى، لكنى وجدته فى ذلك الكتاب ينافح عن القرآن ذاته منافحة صلبة، فمن ثم أنكرت بكل قوة أن يكون المعرى قد أراد معارضة القرآن وعددت ما اتُّهِم به فى هذا السبيل كلاما فارغا لا يؤبه به. وكم فى الحبس من مظاليم كما يقول المثل العامى المصرى!

ورغم أن أحدا لم يستطع أن يأتينا بشىء من أعمال الرجل وكتاباته تدل على زندقته نجد بعض من كتبوا عنه فى عصرنا يصرون على رميه بالزندقة مثل د. محمد نبيه حجاب وإنعام الجندى وهاشم مناع ومأمون ياسين. ومن هؤلاء أيضا بطرس البستانى، الذى كتب فى ترجمة ابن المقفع فى كتابه: "الأدباء العرب فى الأعصر العباسية" يقول: "فمن هنا يتضح أن زندقة ابن المقفع لا تقوم على دليل من آثاره، وإنما تقوم على أقوال الرواة والمؤرخين. على أنه غير عجيب أن يكون ابن المقفع زنديقا وهو حديث عهد بالإسلام لم يزل يحن إلى ديانته الأولى تلك التى نشأ عليها وانتحلها معظم حياته، وهو لم يُسْلِم إلا حفاظا على كرامته وطمعا فى الشهرة والجاه وتقربا إلى مواليه العباسيين. غير أن أعداءه عجزوا عن إثبات تهمته لأنه اعتصم بالتقية فلم يجاهر بكفره. ولعله كان يتنصل من الكتب التى بث فيها آراء الزنادقة وطُمِسَتْ فلم تصل إلينا. ولو استطاعوا إثبات زندقته لما عمد المنصور إلى اغتياله سرا بل كان مَثَّلَ به على رؤوس الأشهاد". وهو ما يعنى بكل وضوح أن البستانى لم يجد فى الورد عيبا فقال له: "يا أحمر الخدين"! فكأنه يستنّ بالسُّنّة التى تقول: "عنزة ولو طارت"!

ومن بين من رددوا اتهام الرجل بالزندقة من العصر الحديث د. عبد اللطيف حمزة، الذى لم يكتف بذلك، بل زاد فردّ، فى الفصل الذى خصصه فى كتابه عن ابن المقفع لتهمة الزندقة التى قُرِف بها، على من دافع عنه بأن الذين أحصوا مؤلفاته من القدماء لم يذكروها منها الكتاب الذى قيل إنه ألفه لمعارضة القرآن، قائلا إن القدماء لم يكونوا يستوعبون دائما مؤلفات من يترجمون له. إلا أنه لا ينبغى أن نُغْفِل أن الدواعى كلها كانت متوفرة على وجوب ذكر هذا الكتاب، فكيف تفوتنا دلالة سكوت الجميع عن هذا الذكر؟ لقد أشار الجاحظ مثلا إلى أن ابن المقفع كان يُتَّهم بالزندقة، ومع هذا لم يتطرق قلمه إلى الإشارة إلى الكتاب. بل إنه قد نص فى إحدى رسائله على أنه، فى صدر حياته الإبداعية، كان ينحل بعض ما يضعه من كتب لابن المقفع ضمانا لترويجها. أفلو كان لابن المقفع كتاب يهاجم فيه القرآن بهذه الشراسة أكان الجاحظ يذكر هذا عن نفسه؟ بل أكان الجاحظ، وهو الموسوعى الذى لا تفوته فائتة، يهمل الرد على ابن المقفع فى كتاباته التى يدافع فيها عن إعجاز القرآن ويفنِّد من سولت لهم نفوسهم محاولة تقليده؟

فإذا انتقلنا إلى الدكتور شوقى ضيف وجدناه يعزو قتل ابن المقفع إلى الأمان الذى كتبه لعم الخليفة واعتمد فيه تلك الصيغة العنيفة المسيئة للمنصور. بيد أنه يمضى قائلا إنه لا ينفى عنه مع ذلك تهمة الزندقة. والسبب؟ السبب هو أن هذه التهمة قد شهد بها كثيرون من معاصريه ومن جاؤوا بعده. ولكنى أرى أنه لو اجتمعت البشر كلها على مثل تلك التهمة ولم يقدموا لنا دليلا على ما يقولون فاجتماعهم هذا غير مقبول عندى. ولقد فتشت مع القارئ الكريم تصرفات ابن المقفع وما خلَّفه من تراث فكرى فلم نجد شيئا يغمز فى دينه ونيته، بل كل ما صدر عن الرجل ووصل إلينا من سلوكه أو فكره يدل على عكس ما يرمونه به على طول الخط، اللهم إن قيل إنهم قد استطاعوا التدسس إلى ما وراء الحجب حيث تستكنّ الضمائر ورَأَوْا ما تُجِنّه نفسُه هناك من كفر وزندقة. وأَنَّى لهم أو لسواهم ذلك؟ هذا ما لا يمكن أن يكون!

إن بعضهم يؤكد أن ابن المقفع كان ينتهج أسلوب التقية. إلا أنهم للأسف لا يقدمون دليلا على ما يزعمون. كما أنه ليس من المعقول أن يكون متمتعا بحريته كاملة فى التمسك بدين آبائه وأجداده فيأبى إلا أن يتحول ظاهريا إلى الإسلام مع استمراره فيما بينه وبين نفسه على دينه القديم لا لشىء إلا لكى يضيّق على نفسه ما كان واسعا ويوقعها فى الحرج ويُلْجِئها إلى اتباع سبيل التقية المرهق. يقينا إن هذا لا يكون إلا ممن فى عقولهم، والعياذ بالله، خلل. ولم يكن ابن المقفع ممن اختلت عقولهم. وفضلا عن ذلك فإن من يكتب "رسالة الصحابة"، التى وجهها أديبنا ومفكرنا إلى أبى جعفر المنصور، وهو من هو فى شدته وبطشه، فيذكر عيوب الإدارة العباسية ونظام جيشها وقضائها غير متلجلج ولا مجمجم، بل مستخدما فوق ذلك أحيانا ضمير جماعة المتكلمين فى حديثه عن نفسه، لا يمكن أن يكون من أهل التقية!

 ومع هذا فمن الدارسين المحدثين من اكتفى بالإشارة إلى ما قيل قديما عن زندقة ابن المقفع دون أن يتخذ موقفا من الموضوع فيؤكد أو ينفى تلك الزندقة. فمثلا نرى الدكتور عمر فروخ، عند ترجمته للرجل فى الجزء الثانى من كتابه: "تاريخ الأدب العربى"،  يقول إنه لم يعمَّر طويلا فى الإسلام لأن المنصور قد أمر بقتله بعد ذلك بأعوام قليلة. وهنا يقدّم الأستاذ الدكتور الاحتمالات التالية: أنه قُتِل جَرَّاءَ الزندقة، أو بسبب صيغة الأمان التى كتبها ابن المقفع لعم الخليفة الذى كان قد خرج عليه وانهزم، ولم يشأ أن يسلم نفسه إليه إلا بعد أخذ ضمانٍ مؤكَّدٍ منه بألا يقتله، وهو الضمان الذى صاغه ابن المقفع صياغة رآها المنصورة مسيئة أشد الإساءة، إذ تخرجه فى حالة نقضه للعهد من الملة وتخلعه من دست الحكم وتنفيه عن بنى العباس وتستتبع طلاق زوجاته وعتق عبيده (وغير ذلك مما ذكره الجهشيارى فى "الورزاء والكتاب"، وهو أشد إساءة للخليفة بما لا يقاس، وإن لم يتطرق الدكتور فروخ إليه)، أو أنه قد قصد انتقاد الخليفة والزراية على سياسته بكتابه: "كليلة ودمنة". وبهذا يكون د. فروخ قد خرج من العهدة فأدَّى الاحتمالات المختلفة دون أن يقطع بشىء منها.

أما خليل مردم بك فذكر أنه ما من مترجم تعرض لابن المقفع إلا وروى أنه كان يُرْمَى بالزندقة، وأن الناقلين قد زعموا أنه لم يُسْلِم إلا ابتغاء عَرَض الدنيا وأنه كان يضمر المجوسية، ومن ثم التمسوا للمنصور العذر فى أمره بقتله لأنه أفسد على الناس دينهم. وبعد أن تناول مردم بك كل ما أورده متهِمو ابن المقفع من حجج ونقضها واحدة واحدة مؤكدا أنها كلها أدلة لا يقام لها وزن فى تكفير المؤمن وإخراجه من رِبْقَة الإسلام عاد فقال إنه "ليس من المعقول أن يتفق المترجمون على زندقة ابن المقفع من غير سبب معقول. ولكن ذلك السبب خَفِىَ علىّ فلم أتبيَّنه". ومع ذلك فهو يؤكد أنك مهما تدبرت كلام ابن المقفع فى كتبه المختلفة وتفهمته وقرأت ما بين السطور فإنك لن تجد فيه جملة تنزّ إلى المجوسية بعِرْق

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

هل كان ابن المقفع زنديقا؟ هل كتب معارضة للقرآن؟

كتبها ibrahim awad ، في 26 مارس 2009 الساعة: 16:32 م

هل كان زنديقا؟

هل كتب معارضة للقرآن؟

(كلمة فى عقيدة ابن المقفع)

د. إبراهيم عوض

Ibrahim_awad9@yahoo.com

http://awad.phpnet.us/

http://www.maktoobblog.com/ibrahim_awad9

http://ibrahimawad.com/

منذ أكثر قليلا من أسبوعين وصلتنى، على غير انتظار، رسالة مشباكية (إيميل) من الأستاذ ثابت عيد الصديق المصرى المقيم بسويسرا منذ وقت طويل. وكان قد عرّفنى به وعرّفه بى على البعد قبل عدة سنوات صديقنا المشترك المرحوم الدكتور عبد العظيم المطعنى، واتصل بى وقتها الأستاذ عيد من سويسرا مرتين أو أكثر، ثم انقطعت الأمور بيننا، ولم أعد أسمع به إلا حين أقرأ له شيئا هنا أو ههنا… إلى أن وصلتنى منذ أكثر قليلا من أسبوعين، على حين بغتةٍ، الرسالة المشباكية التى ذكرتُها، فعادت الأمر بيننا أقوى من ذى أوّل وصرنا نتراسل يوميا، وكان مما بعث به إلىّ فى إحدى الرسائل مقال كان قد كتبه عن بعض المستشرقين ممن يكيدون للإسلام وينكشون بإبرة فى تاريخ المسلمين بحثا عن القمامات، بل خَلْقًا لها، تاركين الورود، وما أكثرها وأبهجها وأجملها وأعطرها، لا يقربونها ولا يحبون لغيرهم أن يقربها من فرط غرامهم بالقاذورات.

وكان فى المقال المذكور إشارة إلى عبد الله بن المقفع الكاتب الأموى والعباسى المشهور والزندقة التى يُزَنّ بها والتى يحرص بعض المستشرقين على إلصاقها به وبأمثاله متلذذين بإيهام قرائهم أن كبار مفكرى الإسلام وأدبائه كانوا كلهم ملاحدة، عازين ذلك إلى أن دين النبى العربى لا يريح العقول الكبيرة. وسيق الحديث عن ذلك الموضوع وكأن زندقة الرجل أمر مفروغ منه لا يقبل  نقضا ولا إبراما. فذكرنى هذا بما قاله طلابى فى كلية التربية بالطائف ذات محاضرة فى أوائل تسعينات القرن المنصرم من أن ابن المقفع زنديق لا يمت للإسلام بصلة. أى أن تحوله إلى الإسلام لم يكن صادقا، بل ظل الرجل فى أعماقه كافرا. فهو إذن كان يتظاهر بالإسلام، على حين ظل، فيما بينه وبين نفسه، على دين قومه القديم كما كان قبلا.

وهم، فى هذا، إنما يرددون ما جاء فى بعض كتب التراث التى ترجمت للرجل. وكان جوابى عليهم أن الاتهام بالزندقة لا يعنى بالضرورة أن المتَّهَم بها زنديق فعلا، إذ ثمة فرق كبير بين توجيه التهمة وبين ثبوتها حقا على من رُمِىَ بها. وزدت فقلت لهم إن ما قرأته لابن المقفع وعنه لا يجعلنى أصدق مثل تلك التهمة. فالرجل يبدو مسلما يبعث إسلامه على الاطمئنان، ولم يُؤْثَر عنه شىء من شأنه أن يشككنا فى عقيدته. كما دار بينى وبينهم وقتها نقاش آخر حول عقيدة الشاعر العباسى بشار بن برد، الذى لم يكن رأيهم فيه أفضل من رأيهم فى ابن المقفع. وهو ما حدانى إلى أن أعكف على شعر الرجل وعلى كل ما وقعتْ يدى عليه من كتب ودراسات تتعلق به وبشعره وشخصيته واعتقاده، وكانت ثمرة ذلك أنْ وضعت كتابا من أربعمائة صفحة عنه خصصت منه فصلا طويلا يبلغ عشرات الصفحات لدراسة عقيدة الشاعر قلبت فيه الأمر على كل وجوهه ولم أترك صغيرة ولا كبيرة إلا فحصتها فحصا دقيقا مرهقا، فتبين لى أن الرجل كان مسلما، وإنْ أخذتُ عليه فى ذات الوقت أنه لم يكن يلتزم فى حديثه فى بعض أمور الدين جانب الجِدّ والوقار، وهذا كل ما هنالك. وقد أوردت أدلة وبراهين وشواهد كثيرة وقوية جدا على صحة ما أقول. وانتهيت إلى الاطمئنان إلى عقيدة الرجل.

وأنا حين أقول هذا لا يخطر لى أبدا على بال أن أُنَصِّب نفسى قَيِّمًا على دين الرجل ومصيره عند ربه، إذ مَنْ أنا أو غيرى حتى نفكر مثل هذا التفكير؟ إنما هى متطلبات البحث الأدبى لا أكثر ولا أقل، فهى مجرد اجتهادات علمية قد تصيب، وقد تخطئ. أما الحقيقة فهى عند الله سبحانه وتعالى. وإذا كنا لا نعرف مصيرنا نحن فهل يمكننا الادعاء بأنا نعرف مصير الآخرين؟ فأرجو من القراء دائما أن يكونوا على ذكر من هذا الذى نقول، منعا لسوء الفهم.

وكنت من قبل قد صنعت نفس الشىء مع المتنبى فاتضح لى أن الرجل مسلمٌ عادىٌّ مثلى ومثل ملايين المسلمين رغم ما لاحظته أحيانا على شعره من الإغراق فى بعض المبالغات التى ينبغى ألا نحمّلها ما لا تحتمل، بل علينا أن نفهمها فى إطار فنه الشعرى. ويجد القارئ هذا الكلام فى كتابى: "المتنبى- دراسة جديدة لحياته وشخصيته". كذلك كنت تناولت المسألة ذاتها فيما يخص الشهرستانى صاحب "الملل والنحل"، إذ كان قد تعرَّض لمثل تلك التهمة، فتبين لى أن إسلام الرجل لا غبار عليه وأنه ليس فى يد متهميه أى دليل على صحة ما يرمونه به فى دينه. ولمن يريد الاطلاع على هذا الموضوع يمكنه أن يقرأه فى الفصل الذى خصصته لذلك المفكر الكبير فى كتابى: "من ذخائر المكتبة العربية".     

والحق أننى ما إن قرأت الفقرة التى وردت فى الرسالة المشباكية التى بعث بها إلىّ الأستاذ ثابت عيد حتى انتفضتْ من مكمنها نيتى القديمة التى كنتُ عَقَدْتُها لدراسة هذا الموضوع والتى لم يمنعنى من وضعها موضع التحقيق طوال تلك الأعوام الطويلة سوى أننى لم أستطع العثور فى أى مكان على الرد الذى ألفه القاسم بن إبراهيم من علماء القرن الرابع الهجرى ضد ما قال إنه معارضة من ابن المقفع للقرآن الكريم، والذى نشره المستشرق الإيطالى فى عشرينات القرن الفائت فى روما.

وكأننى هذه المرة كنت مع القَدَر فى تلك القضية على ميعاد، إذ سرعان ما وجدنا الرد المذكور بعد أن انتفضت نيتى لمعالجة الموضوع بعدة أيام قلائل، وعلى يد الأستاذ عيد نفسه، ومن سويسرا حيث وجده فى مكتبة خارج المدينة التى يقطنها، فقامت مكتبة الجامعة فى مدينته باستعارته له من تلك المكتبة الأخرى، فصوره وأرسله لى بالمِصْوار (السكانر)، كل ذلك فى غضون أربعة أيام. وكنت قد شرعت فى القراءة اللازمة للموضوع وكتابة النقاط التى لم تكن تعتمد مباشرة على كتيّب القاسم بن إبراهيم المعروف بـ"ابن طباطبا"، مستعينا مؤقتا بالفقرات التى استقاها د. عبد اللطيف حمزة من الرد المذكور فى كتابه عن ابن المقفع، وبالبحث الذى كتبه المستشرق السويسرى يوسف فان إس بالإنجليزية فى موضوع مشابه، وفيه فقرات أخرى منسوبة إلى ابن المقفع غير التى أوردها د. حمزة يقال إنه قد أنشأها يعارض بها القرآن الكريم. وهذا البحث منشور فى كتاب تذكارى أخرجته الجامعة الأمريكية ببيروت لدن بلوغ د. إحسان عباس الستين من عمره، ووافانى به الأستاذ ثابت مشكورا فى إحدى رسائله المشباكية إلىّ. حتى إذا وصلنى الرد كنت أوشكت على الفروغ من البحث. ثم عكفت مرة أخرى لبضع ليال عليه أَسُدّ ثُغُراتِه فى ضوء ما يشتمل عليه رد القاسم بن إبراهيم، وبعد أن أكرمنى الله بنسخة أخرى من هذا الرد بتحقيق جديد لأحد المصريين أحضرتْها طالبة من طالباتى الناشطات الذكيات المهتمات بالعلم والبحث، وهى الآنسة فاطمة السيد طالبة الدراسات العليا بالكلية، جزاها الله خيرا على تلك اليد الكريمة. فكان هذا البحث الذى بين يدى القارئ الكريم.

والرجل الذى نحاول دراسة التهمة الموجهة إلى عقيدته هو عبد الله بن المقفع الكاتب الأموى العباسى المشهور. وهو من أهل القرن الثانى للهجرة. وُلِد بالبصرة حيث نشأ نشأة عربية وتأثر أيضا بثقافة أُسرته الفارسية. وكان يتقن لغة الفرس ولغة العرب جميعا، ثم أصبح كاتبًا لآل هبيرة فى أواخر العصر الأموى. وعند قيام الدولة العباسية اتصل بعم الخليفة المنصور، عيسى بن على، وأصبح كاتبا لديه ذا حظوة. وتحكى الروايات أن ابن المقفع قال لعيسى بن على ذات ليلة: قد دخل الإسلام في قلبى، وأريد أن أُسْلِم على يدك. فقال له عيسى: ليكن ذلك بمحضر من القواد ووجوه الناس. فإذا كان الغد فاحضر. ثم حضر طعام عيسى عشية ذلك اليوم، فجلس ابن المقفع يأكل ويزمزم على عادة المجوس. فقال له عيسى: أتزمزم وأنت على عزم الإسلام؟ فقال: أكره أن أبيت على غير دين. فلما أصبح أسلم على يده. وابن المقفَّع عَلَمٌ من أعلام الكتاب يتسم إبداعه بقوة الأسلوب وروعة القص والتحليل. ومن أشهر ما وصل إلينا من تراثه الفكرى والأدبى "كليلة ودمنة، والأدب الصغير، والأدب الكبير، ورسالة الصحابة، والدُّرَّة اليتيمة".

فإذا انتقلنا إلى قضيتنا التى عَقَدْنا لها هذا البحث فأول شىء ننظر فيه هو تلك الحكاية التى أشرنا إليها قبل قليل، والتى وردت فى "وَفَيَات الأعيان" لابن خَلِّكان، فهى مثال على الأخبار التى لا تثبت على التمحيص لما فيها من أشياء لا يقبلها المنطق، إذ ما دام الإسلام قد دخل قلب الرجل فمعنى هذا أنه أمسى مسلما، فالإسلام إنما يُعْنَى أولا وقبل كل شىء بالنية، ولا يقف عند الرسوم والأشكال كثيرا. وما دام الرجل قد انتهى إلى أن ما كان عليه من دين أسلافه لم يعد يدخل العقل أو القلب، فكيف يصر على أن يتبع رسومه وشعائره إلى الغد حينما يحضر كبار رجال الدولة وأعيانها، وهو الذى لم يعد مقتنعا به؟ أوَيمكن التصديق بأنّ من دخل الإسلام قلبه (ومن؟ إنه ابن المقفع نفسه، أحد كبار كتاب عصره) يقبل أن يظل متمسكا بديانته الوثنية القديمة ومناسكها على هذا النحو المضحك لأن مولاه آثر أن يؤجل مراسم إعلان إسلامه إلى أن يجتمع عنده كبار رجال الدولة من الغد؟ إن كل ما عرضه عليه عيسى بن على هو تأجيل الإعلان الرسمى لا أكثر، ولم يعرض عليه أن يؤجل دخوله فى الإسلام إلى الصباح، إذ كان ابن المقفع قد صار مسلما وانتهى الأمر بمجرد أن اقتنع بدين النبى العربى كما أكد ذلك لعم الخليفة.

وإذا كان كاتبنا قد عز عليه أن يبيت على غير دين فلم يا ترى لم يسمّ اسم الله على الطعام ويكون قد بات على الإسلام، وهو الدين الذى نوى أن يعلنه على الملإ من غده؟ أقول: على الملإ لا بينه وبين ربه، لأن الأمر بينه وبين ربه قد بات محسوما! إن الطبيعى أن يكون سيره فى نفس الاتجاه الذى نوى أن يمضى فيه كما يقضى المنطق والعقل لا بعكسه. أليس كذلك؟ ثم إذا كانت الزمزمة هى تراطن العلوج على أكلـهم وهم صموت لا يستعملون لسانا ولا شفة، ولكنه صوت يديرونه في خياشيمهم وحلوقهم فيفهم بعضهم عن بعض كما جاء فى "القاموس المحيط"، فلماذا يا ترى زمزم ابن المقفع على الطعام فى تلك الليلة، وليس ثَمَّ ناس على دينه القديم يتفاهم معهم بهذه الزمزمة؟ أتراه كان بعقله خلل؟ لكنْ أمثل ابن المقفع يصاب فى عقله بخلل كهذا، وفى ظرف كهذا، وأمام واحد من كبار رجال الدولة كهذا؟ من هنا فإنى أرفض هذه الجانب من الرواية كما سأرفض أشياء أخرى عن ابن المقفع وإسلامه وزندقته لا تقنع الطفل الصغير رغم ترددها فى عدد من الكتب.

على أن إثارة الريبة فى إسلام الرجل لم تقتصر على هذا الخبر الساذج، بل تجاوزته إلى ما رواه ابن شبة ونقله عنه المرتضَى فى "أماليه"، قال: "حدثني من سمع ابن المقفع، وقد مر ببيت نار للمجوس بعد أن أسلم، فلمحه وتمثل:

يا بيتَ عــاتكةَ الذي أَتَعَـــزَّلُ * حَذَر العِدا، وبكَ الفؤاد مُوَكَّلُ

إني لأمنحكَ الصدودَ، وإنني * قَسَمًا إليك مع الصدود لأَمْيَلُ"

وهو كلام لا وشيجة بينه وبين أى منطق، إذ الرجل قد أسلم من تلقاء نفسه قائلا إن الإسلام دخل قلبه، ولم يضربه أحد على يده. ولقد رأينا عم الخليفة يقترح عليه تأجيل إعلانه الإسلام إلى الغد. ولو كان هناك أدنى شك فى أنه إنما اعتنق الإسلام بناء على حريته المطلقة ولم يجبره مجبر على ذلك لسارع عيسى بن على إلى الإمساك بهذه الفرصة ولم يقترح عليه ذلك المقترَح خشية أن يتراجع فى قراره مثلا. وأمثال ابن المقفع إذا أقدموا على تغيير عقيدتهم فإنهم لا يفعلون هذا إلا بعد تروٍّ وتقليب للأمر على جميع وجوهه، وبخاصة أنه كان يمارس ديانته الأولى بحرية كاملة مثلما كان أبوه يمارسها رغم توليه وظيفة مالية هامة فى الدولة الأموية، ودون أن يفكر أحد فى إكراههما على نبذ ديانتهما.

ليس هذا فحسب، إذ تخبرنا الرواية أن أحدهم قد سمع ابن المقفع وهو يتمثل ببيتى الأحوص لدن مروره ببيت النار. فمن ذلك الرجل يا ترى؟ وكيف سمع ابن المقفع؟ وأين كان وقتها؟ ومن أدراه، لو صدقنا أن ابن المقفع قد استشهد فعلا ببيتى الشاعر الأموى وأنه قد سمعه بأذنيه هاتين اللتين سيأكلهما الدود، بأنه إنما كان يقصد التعبير عن حنينه إلى دينه القديم لا سواه؟ ولماذا لم يفاتحه ذلك المتجسس فيما سمعه منه فيوبخه أو يعاتبه أو يجادله فى الأمر: فإما أقنعه بانحراف موقفه وإما شهّر به وفضحه فى العالمين؟ إن أمرا كهذا من شخص كابن المقفع لا يمكن أن يمر مرور الكرام على ذلك النحو الذى تريد الرواية أن توهمنا به. وبالمناسبة فإن ياقوت الحموى حين ساق هذه الحكاية (فى ترجمة الحسن بن على بن أبى مسلم من كتابه: "معجم الأدباء") قد أضاف فيها أن ابن المقفع "كان من أولاد كسرى"، وهذا ما لا أستطيع أن أتذكر أنى قرأته عند سواه، وإن كان ف. جبرييلى (F. GABRIELI) كاتب مادة "عبد الله بن المقفع" فى "The Encyclopaedia of Islam: دائرة المعارف الإسلامية" (الطبعة الجديدة) قد نص على أنه ذو أصل فارسى نبيل.

والغريب أن يرتب الدكتور شوقى ضيف على خبر تمثُّل ابن المقفع ببيتَىِ الأحوص أن فيه ما قد يشير إلى أنه ظل على ديانته القديمة، وأنه قد مضى ينقلها هى وعقائد الملحدين إلى لغة العرب (انظر كتابه: "العصر العباسى الأول"/ ط16/ دار المعارف/ 509- 510). ثم يضيف الأستاذ الدكتور قائلا إنهم لهذا قد اتهموه بمعارضة كتاب الله كما جاء فى كلام الباقلانى فى كتابه: "إعجاز القرآن"، إذ وصف "الدرة اليتيمة" قائلا إنها كتابان: أحدهما يتضمن حِكَمًا منقولةً، والآخر فى شىء من الديانات، وإن كان قد انتهى إلى أن ابن المقفع لم يترك كتابا يعارض فيه القرآن، وهو ما وصلنا إليه بعد الفحص والتمحيص كما سيرى القارئ بنفسه.

وهذا كلام الباقلانى بنصه وفصه: "وقد ادعى قوم أن ابن المقفع عارض القرآن. وإنما فزعوا إلى "الدرة اليتيمة"، وهما كتابان: أحدهما يتضمن حكما منقولة توجد عند حكماء كل أمة مذكورة بالفضل، فليس فيها شيء بديع من لفظ ولا معنى. والآخر في شيء من الديانات، وقد تهوَّس فيه بما لا يخفى على متأمل. وكتابه الذي بيناه في الحِكَم منسوخ من كتاب بزرجمهر في الحكمة، فأي صنع له في ذلك؟ وأي فضيلة حازها فيما جاء به؟ وبعد، فليس يوجد له كتاب يَدَّعِى مُدَّعٍ أنه عارض فيه القرآن، بل يزعمون أنه اشتغل بذلك مدة ثم مزق ما جمع واستحيا لنفسه من إظهاره. فإن كان كذلك فقد أصاب وأبصر القصد. ولا يمتنع أن يشتبه عليه الحال في الابتداء، ثم يَلُوح له رشده، ويَبِين له أمله، ويتكشف له عجزه. ولو كان بقي على اشتباه الحال عليه لم يَخْفَ علينا موضع غفلته، ولم يشتبه لدينا وجه شبهته. ومتى أمكن أن تَدَّعِيَ الفرس في شيء من كتبهم أنه معجز في حسن تأليفه وعجيب نظمه؟".

وكلام الأستاذ الدكتور، للأسف، يوحى بأن الرجل قد أُجْبِر إجبارا على الإسلام، وهو ما لم يحدث البتة. ثم أين هى تلك الكتب التى ترجمها ابن المقفع من عقائد الفرس الوثنية وأفكار الملحدين رغبة منه أن ينشر الزيغ والضلال بين المسلمين؟ هل يصدق عاقل أن أحدا فى ذلك الوقت كان يجرؤ على نشر الكفر والترويج لديانات فارس الوثنية فى كتب يقرؤها الناس جميعا ثم يسكتون عما فيها؟ إن الكلام ليس عليه ضريبة، والمهم الحجة والوثيقة؟ فأين هذه أو تلك؟ فإذا نظرنا فوق هذا فيما كتب الرجل وألفيناه يكتب كما يكتب المسلمون ويمجد الله كما يمجدونه، بل إذا نظرنا بعد ذلك فألفيناه يثنى على العرب، وهو الفارسى، وكان يستطيع أن يصنع صنيع غيره من الشعوبيين الذين وضعوا الكتب فى ذمّهم وتشويه تاريخهم ورجالهم وتقبيح مفاخرهم لكنه لم يفعل، كان ذلك كله دليلا آخر على أنه كان مسلما صادق العقيدة. أليس كذلك؟

وأغرب من ذلك جميعه أن الأستاذ الدكتور، مَثَلُه مَثَلُ القدماء الذين يوردون فى ترجمة ابن المقفع ما لا يتسق بعضه مع بعض، يعود فيؤكد مثلهم أن ابن المقفع، رغم زندقته، "كان نبيل الخلق وقورا يترفع عن الدنايا ولا يجعل للهوى سلطانا على عقله، وكان يأخذ نفسه بكل ما يمكن من خصال المروءة والشعور بالكرامة". ثم يمضى رحمه الله فينقل ما قيل عن أريحية نفسه وحرصه على مقتضيات اللياقة والذوق والاعتداد بالنفس. فهل يمكن اجتماع مثل تلك السجايا النبيلة مع ما قاله عن نفاقه وخبث طويته؟ الحق أن هذا وذاك لا يمكن أن يجتمعا فى قلب رجل واحد! وبالمثل يُحْكَى عن الأصمعى أنه قد "قيل لابن المقفع: من أدَّبك؟ فقال: نفسي. إذا رأيت من غيري حسنا أتيته، وإن رأيت قبيحا أبيته"، وهو ما لا نجد تعقيبا عليه أفضل مما علقنا به على كلام الدكتور شوقى ضيف.

وهناك رواية أخرى للسياق الذى تمثل فيه ابن المقفع بهذين البيتين أوردها صاحب "الأغانى" خلال ترجمته للأحوص الشاعر الأموى، قال: "وقال الخراز في خبره: حدّثني المدائني، قال: أُخِذ قوم من الزنادقة، وفيهم ابن لابن المقفع، فمُرَّ بهم على أصحاب المدائن. فلما رآهم ابن المقفع خشي أن يسلم عليهم فيُؤْخَذ، فتمثل:

يا بيت عاتكةَ الذي أتعزَّلُ * حَذَرَ العِدا، وبه الفؤاد مُوَكَّلُ

… الأبيات، ففطنوا لما أراد، فلم يسلموا عليه، ومضى". أى أنهم لم يكتفوا بزندقة ابن المقفع، بل أضافوا ابنه إليه فى هذا الانحراف، وزادوا على ذلك تصويره بقساوة القلب وتحجره، فهو لا يبالى بما وقع فيه ابنه من مصيبة، بل كل همه أن يخرج من الأمر سالما. وهو ما يخالف ما كان معروفا عنه من الشجاعة والجرأة واستعداده للتضحية بحياته فى سبيل إنقاذ عبد الحميد الكاتب على ما تحكيه الروايات.

وهذه هى القصة كما نقلها الوطواط فى "غُرَر الخصائص الواضحة وعُرَر النقائص الفاضحة" عن كتاب "الوزراء" للجهشيارى. قال: "إنه لما تفرق الأمر عن مروان بن محمد الجعدي طُلِب عبدُ الحميد بن يحيى كاتبُه، وكان صديقا لعبد

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

الإسلام بعيون يهودية

كتبها ibrahim awad ، في 13 فبراير 2009 الساعة: 00:16 ص

الإسلام بعيون يهودية

(رد على مقالة “الإسلام” فى الموسوعة اليهودية)

د. إبراهيم عوض

تبدأ مقالة “الإسلام” فى “الموسوعة اليهودية:

Jewish Encyclopedia” بتفسير هذا المصطلح بأنه “الخضوع لله”، وليس فى هذا ما يحتاج إلى تعقيب، فالمسلم يعمل فعلا على أن يخضع لأوامر الله ويبتعد عن نواهيه. بَيْدَ أن قول الكاتب بعد ذلك إن لفظ “إسلام” هو مصدرُ فعلٍ ينصب مفعولين (factitive) هو قول يحتاج إلى تعقيب. فهذا المصدر بالمعنى الذى بين أيدينا الآن مصدرُ فعلٍ لازمٍ. ذلك أن هذا الفعل فى قولنا مثلا: “أسلمتُ”، أى دخلت فى الإسلام، أو “أسلمتُ لله رب العالمين”، أى خضعت له سبحانه، لا يأخذ مفعولا به، فضلا عن أن يأخذ مفعولين اثنين. ولقد استخدم الكاتب الكلمة على النحو التالى: “submission to God“، بما يفيد أن الفعل لازم. صحيح أن الفعل فى قولنا: “أسلمتُ الطفلَ إلى أمه” يتعدى إلى مفعول، وأننا إذا أسقطنا حرف الجر فقلنا: “أسلمتُ الطفلَ أمَّه” تعدَّى إلى مفعولين، إلا أن معناه هنا يختلف عن معناه الذى نحن بصدده كما هو بَيِّن.
 

 

 

ثم يتحدث الكاتب عن بداية الدعوة الإسلامية قائلا إن الرسول بدأ بدعوة أهل مكة، ثم انتقل من ذلك إلى دعوة بلاد العرب كلهم، ثم بعد وفاته انتشر الإسلام على نطاق واسع خارج حدود الجزيرة. وهذا أيضا لا تعليق لنا عليه، اللهم إلا قوله فى خلال ذلك إن الإسلام قد حقق هذا الانتصار بفضل السيف. ذلك أنه كانت هناك فتوح، لا نكران لذلك، وهذه الفتوح قد وسّعت الأرض الخاضعة للدولة الجديدة، بيد أن هذا القول شىء، والقفز منه إلى أن الإسلام قد انتشر بالسيف شىء مختلف تماما. لكن الكاتب لا يبالى بهذه التفرقة التى من المؤكد أنه على وعى تام بها. ولو كان الأمر كما زعم لرأينا الشعوب التى فتح العرب بلادها تُكْرَه إكراها على اعتناق دين محمد عليه الصلاة والسلام كما حدث للمسلمين على يد النصارى فى بلاد الأندلس غِبَّ انتصارهم عليهم وقضائهم على دولتهم التى كانت موئلا للحرية الدينية، وكما حدث فى الأمريكتين حيث لم يعد هناك إلا النصرانية الوافدة بعد أن كان للهنود الحمر دينهم المختلف.

لكننا ننظر فنجد أن دخول تلك الشعوب فى الإسلام لم يكن فوريا، كما لم يتم تحت تهديد السيف، بل تم بمطلق حريتها، وأَخَذَ وقتا. فالإسلام لا يعرف الإكراه فى الدين، وقد نصت آياته على ذلك وأعلنتها صريحة مدوية: “لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ” (آل عمران/ 256)، “وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لآَمَنَ مَنْ فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ” (يونس/ 99)، قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ” (يونس/ 108)، “وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (118) إِلاَّ مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ” (هود/ 118)، “وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ” (الكهف/ 29)، فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ (21) لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ (22)” (الغاشية)…

ولو كان هذا الذى يقوله الكاتب صحيحا لما قبل النبى من اليهود والنصارى الذين كانوا يساكنونه بلاد العرب إلا اعتناق دينه أو إعمال السيف فى رقابهم. بالعكس لقد كتب صلى الله عليه وسلم غداة وصوله إلى يثرب ما يسمى بـ”الصحيفة” بينه وبين يهود معطيا إياهم ذات الحقوق التى أعطيت لأتباعه، وموجبا عليهم نفس الواجبات التى حُمِّلها هؤلاء الأتباع. كما أنه لم يجبر على اعتناق الإسلام نصارى نجران حين أَتَوْا إلى المدينة ودخلوا معه فى مفاوضات وجدالات انتهت بتركه إياهم على ما هم عليه من دين وشعائر، وعادوا إلى بلادهم على هذا الوضع دون أن يتعرضوا منه لما يمس دينهم فى جليل أو حقير. وكان كل ما فعله معهم أنْ دعاهم إلى المباهلة، فلم يستجيبوا وخافوا أن ينزل الله عليهم عقابا من لدنه، مع إيثارهم فى ذات الوقت البقاء فى مناصبهم والمزايا التى تستتبعها هذه المناصب، فأقرهم النبى عليه السلام على ما أرادوا.

بل إن المسلمين مأمورون بحكم دينهم ونصوص كتابهم أن يكون جدالهم مع أهل الكتاب بالتى هى أحسن ما داموا لا يتعرضون لهم بظلم: “اُدْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ” (النحل/ 125)، “وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آَمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ” (العنكبوت/ 46). ويوصى الرسول أتباعه قائلا: “ألا من ظلم معاهَدًا أو انتقصه أو كلفه فوق طاقته أو أخذ منه شيئا بغير طِيب نفس فأنا حجيجه يوم القيامة”، “من آذى ذِمِّيًّا فأنا خَصْمُه“. على أن الأمر لا يقف هنا، بل يعلن القرآن أنه لا ينهى المسلمين عن بر الكفار والإقساط والإحسان إليهم ما داموا لا يقاتلوننا فى الدين ولم يخرجونا من ديارنا: “لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (8) إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (9)” (الممتحنة).

بل إن الكافر ذاته إذا استجار بالمسلمين فعليهم أن يجيروه حتى يسمع كلام الله ثم يبلغوه مأمنه معزَّزا مكرَّما: “وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْم

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

التالي