“واحة الغروب” رواية متوسطة القيمة (1)
كتبهاibrahim awad ، في 21 مايو 2009 الساعة: 20:07 م
"واحة الغروب" رواية متوسطة القيمة
د. إبراهيم عوض
(هذه الدراسة مهداة إلى روح العقاد والرافعى
والمازنى وزكى مبارك ومحمود شاكر)
http://www.maktoobblog.com/ibrahim_awad9
منذ عدة أسابيع نشر لى موقع "محيط" دراسة نقدية لرواية الدكتور يوسف زيدان: "عزازيل" فعَلَّقَ قارئ كريم يقترح أن أتناول بالنقد أيضا رواية "واحة الغروب" للأستاذ بهاء طاهر. وكان شيطان النقد الملعون غافيا فوق كتفى آنذاك، وكنت حريصا على ألا أوقظه عملا بالمثل القائل: "نوم الظالم عبادة"، إلا أن طلب الأستاذ لؤىّ الشامى، المعلِّق السالف الذِّكْر، لم يَدَعْنِى أهنأ بنوم الشيطان الرابض على كتفى، فشمرت عن ساعد الجِدّ فى الحال وفكرت فى الكتابة عن "واحة الغروب"، ونجحت فى الحصول على نسخة من تلك الرواية فى نفس الليلة التى قرأت فيها التعليق المذكور، وشرعت فى قراءتها، فكانت هذه الدراسة التى يتضح منها أن الرواية التى نحن بصددها هى عمل متوسط القيمة. وكنت قرأت قبل سنوات رواية الأستاذ بهاء طاهر الأخرى: "خالتى صفية والدير" فوجدتها أيضا رواية متوسطة القيمة لا تتناسب والضجة الـمُصِمّة التى صاحبت ظهورها وتحويلها إلى مسلسل آنذاك. ولكنْ قبل الدخول فى نقد القصة علينا أولا أن نعطى القراء فكرة سريعة عنها كى يستطيعوا متابعة الملاحظات النقدية عن بصيرة وبينة بقدر الإمكان، فنقول إن الرواية تعود بنا إلى نهايات القرن التاسع عشر عقب ما يسمى فى الاصطلاح الشعبى بــ"هوجة عرابى" وسقوط مصر تحت سنابك الاحتلال البريطانى، بادئة بنقل ضابط البوليس المصرى محمود عبد الظاهر من القاهرة إلى واحة سيوة التى ترفض أن تدفع الضرائب المفروضة عليها للحكومة. وقد اصطحب عبد الظاهر، الذى أصبح مأمورا فى مكانه الجديد، زوجته كاثرين الأيرلندية الشّغوفة بالآثار وتعلُّم اللغات، والتى كانت تريد أن تبحث هناك عن مقبرة الإسكندر الأكبر، ليجدا نفسيهما منذ البداية فى عالمٍ جديدٍ عليهما ومغلقٍ تماما فى وجهيهما. وقد قرأت أن المؤلف قد أقام لبعض الوقت فى واحة سيوة، التى تبعد عن القاهرة 830 كيلومترا بغية التعرّف عن كَثَبٍ إلى الناس وعاداتهم وتقاليدهم وحياتهم اليومية، وهو ما فعلت بعضا منه حين سافرت أنا ايضا إلى سيوة بعد قراءة الرواية وقضيت يوما ممتعا هناك.
وتبدأ الرواية فى شىء من الغموض لا داعى له، فنحن لسنا أمام جريمة قتل أو سرقة نتحسس طريقنا نحو كشف معمَّياتها فى الظلام بحذر وحيرة، بل كما سوف نعرف فيما بعد: إزاء نقل ضابط من موقعه بالقاهرة إلى واحة سيوة. وكان ينبغى أن يكون الكلام واضحا منذ البداية لأن معرفتنا بحقيقة الأمر بعد هذا لا تثمر راحة بال بعد تشوق ولهفة، بل تجعلنا نتنهد حسرة على تضييع المؤلف وقته وقتنا فى موضوع لا يستحق كل هذا التعليق للأنفاس. والمؤلف البارع لا يلجأ إلى مثل هذه الحيلة لتشويق قرائه، أو بالأحرى: لا يسقط فى هذا الفخ الذى لا يصح أن يقع فيه روائى محترف، بَلْهَ روائيا مبدعا. إن الرواية تبدأ بحديث محمود عن نفسه وعن زوجته، التى يؤكد أنها شجاعة فعلا كما قيل له، وعن رحلة سيقومان بها تحفها الأخطار، وإن كان هو رغم ذلك كله لا يبالى شَرْوَى نَقِيرٍ بشىء من ذلك. كما أن هناك إشارة إلى الأميرالاى سعيد والصداقة التى كانت تربط بينه وبين الراوى ثم أصابها الفتور.
ولكن مَنْ محمود بالضبط؟ وما طبيعة الرحلة التى سيقوم بها؟ وما هى الأخطار التى تنتظره فيها؟ سوف يأخذ الأمر وقتا قبل أن تنجلى تلك الأمور التى ليس من طبيعتها أن تكون فيها معميات أو ألغاز، بل الكاتب هو الذى أرادها أن تكون كذلك ودَفَع الراوى دفعا إلى انتهاج هذا السبيل الذى لا يتسق مع طبيعته كروائىٍّ المفروضُ أنه يفتح صدره لنا نحن القراء ويبثنا شكواه وضيقه. فكيف يعمل على تحييرنا منذ البداية وتطاوعه نفسه على أن يلاعبنا "حاورينى يا كيكة"، وبخاصة أن الموضوع لا يستحق شيئا من هذا كما قلنا؟ نحن هنا بإزاء رواية تاريخية سياسية واجتماعية، ولسنا فى رواية بوليسية من روايات أجاثا كريستى حيث يقوم كل شىء على الغموض وتحيير القارئ وتشكيكه فى كل شىء وفى كل شخص وتعليق أنفاسه من أول الرواية إلى آخرها، وإلا باخت الطبخة وانصرف القراء عن المطالعة. أما هنا فالفن يكمن، أقصد أنه ينبغى أن يكمن، فى طرح القضايا الإنسانية التى تشغل البشر وتستولى على مجامع القلوب منهم وفى تصوير البيئة وفى تحليل الشخصيات والمقابلة بين طبائعها وأفكارها وتصرفاتها وإقامة حوار بينها فكرا ولغةً وسلوكا والتدسس إلى النفوس واستخراج مكنوناتها البعيدة التى لا يصل إليها إلا أقلام المبدعين الحقيقيين. بل إننا حتى فى روايات كريستى نُلْفِى أنفسنا منذ البداية أمام جريمة قتل لا شك فى ذلك، لكن الفاعل مجهول، وفى ذات الوقت يحوم الشك حول الجميع، وتقوم عقدة الرواية على معرفة القاتل الذى لا نعرفه دائما إلا فى آخر الرواية مع لهاثنا العقلى طوال الوقت جريا وراء معرفته قبل أن تكشف لنا الكاتبة حقيقته، وهيهات!
ويبدو أن الكاتب مغرم بهذا النوع من الحيل لشد القارئ إلى روايته رغم أنها حيل ساذجة لا تستطيع أن تؤثر إلا على القارئ الباحث عن أية تسلية يضيع بها وقته المترامى أمامه لا يدرى ماذا يصنع به، مَثَلُه مَثَلُ من ينفق الساعات فى الشرفة لا عمل له على الإطلاق إلا قزقزة اللب وبصقه على رؤوس المارة المساكين الذين يسوقهم حظه التاعس إلى المرور من تحت شرفته الميمونة. ذلك أننا فى منتصف الرواية نُلْفِى أنفسنا أمام مشهد عجيب: فكاثرين تشتبك فيما يشبه الصراع مع مليكة، الشابة السيوية الأرملة التى كان عليها أن تبقى فى الموضع الذى حبسوها فيه إلى أن تنقضى أربعون يوما (حسبما قرأت فى عدد غير قليل من المواقع المشباكية التى تتحدث عن سيوة وتقاليدها) لا يراها ولا يحتك بها أحد ولا يقع بصرها أثناء ذلك على أى شىء يخص الآخرين، وإلا حلت عليه وعليهم اللعنة والمشأمة، والتى كانت تلبس رغم هذا ملابس الشبان وتخرج إلى الشوارع وتدخل البيوت دون أن يعرف الناس أنها مليكة، ومن بينها بيت كاثرين، حيث جرى المشهد السالف الذكر. ويدخل محمود زوج كاثرين ويرى ما نرى ويحسب أن مليكة تريد أن تقتل زوجته فيخرج مسدسه ويطلق الرصاص، وإن كان تدخُّل زوجته وإبعادها فُوَّهة المسدس فى آخر لحظة كما يحدث فى الأفلام المصرية لَقَتَل الفتاة المسكينة.
ليس ذلك فقط، بل إن كاثرين ذاتها كانت تظن أن مليكة تشتهيها جنسيا وأنها لذلك اندفعت إلى صدرها وقبلته وانكفأت على قدميها تشبعهما لثما، وظلت بعد ذلك تنظر إلى مليكة بهذه العين، بل خالجتها بعض النوازع الشاذة تجاهها لهذا السبب. وتسأل عن السر وراء كل ذلك فتضحك حين تعلم أن البنت السيوية كانت قد ضاقت بقسوة الحبس الانفرادى وأنها قصدت بيت كاثرين لما سبق بينهما من لقاء يتيم كى تتخلص من وحشة العزلة وسأم الانتظار الطويل وأن كل ما كانت تريده هو أن تعبر لها عن اعترافها بالجميل لأنها الوحيدة التى عاملتها فى سيوة كلها بالعطف والمرحمة.
والمضحك أن تعرف كاثرين أن مليكة أرملة وأنها، ككل أرملة فى الواحة، كان عليها أن تعتزل البشر مدة معينة لا يقع بصرها على أحد منهم أو أى شىء يخصهم، ثم لا تعرف رغم هذا أنها حين أكبت على قدميها (كما أكبت نجاة الصغير على قدمى حبيبها اللاهى الغادر فى رائعة "أيظن" لشاعرنا الفلاتى نزار قبانى، الذى رفض بعض المتدينين فى لندن دخول جثمانه المسجد للصلاة عليه وكأن المسجد، وكذلك ثواب الله ورضوانه وجنته فوق البيعة، ملكية خاصة بهم رغم أنهم هم أنفسهم لا يملكون لأنفسهم شيئا: فثواب الله أمر خاص بالرحمن الرحيم لا ينازعه أحد فيه، وإلا تعرض لجبروته وسخطه وعذابه، والمسجد هو بيت الله. لقد كان بمقدورهم أن يمتنعوا عن الصلاة على جثمان الشاعر الذى أفسد كثير من أشعاره وكتاباته عقول الفتيات والنساء بما حشا به أذهان الفارغات منهن من أن جسد البنت هو ملك خاص بها من حقها أن تفعل به ما تشاء، وهذا هو منتهى فهمه للحرية! لكن تلك نقرة أخرى. أما أن يمنعوا الجثمان نفسه من أن يصلى عليه أحد فهذا ما لا أفهمه. ولقد ظل الرسول إلى آخر لحظة يصر على الصلاة على ابن سلول زعيم المنافقين إلى أن نزل الوحى حاسما ينهاه عن ذلك. فهل نزل على هؤلاء وحى يقول لهم: امنعوا الناس من الصلاة على نزار؟ على كل حال لقد كان إمام المسجد السعودى فى إحدى القرى بمحافظة بيشة أكثر حنكة ولباقة حين اكتفى بالامتناع عن الصلاة على رجل من أهل القرية لأنه لم يكن من المشهود لهم بالصلاة طبقا لما جاء فى الخبر الذى قرأته لتوى ببعض المواقع، فما كان من أقارب الرجل إلا أن تقدم أحدهم وأَمَّ الناسَ فى الصلاة عليه. وهذه هى عظمة الإسلام، فديننا لا يعرف دور الكاهن، بل يستطيع أى إنسان أن يقود الصلاة. ولو كنت هناك فى لندن فلربما شاركت فى الصلاة على جثمان الشاعر السورى رغم أنى انتقدته انتقادا شديدا فى بعض كتاباتى. وهل يحتاج إلى صلاتنا عليه أحد كالمقصِّرين؟ ثم ألسنا كلنا مقصرين على نحو أو على آخر؟ أم اتخذ بعضنا عند الله عهدا أن يُدْخِلهم الجنة فلن يُخْلِف الله معهم عهده؟)، طال الكلام عليك أيها القارئ، ووجب علىَّ أن أعمل على ربط الجملة التى انفصمت عراها بسبب مليكة السيوية وكاثرين الأيرلندية فأقول: إنه لمن المضحك أن تعرف كاثرين أن مليكة أرملة وأنها، ككل أرملة فى تلك الواحة، كان عليها أن تعتزل البشر مدة معينة لا يقع بصرها على أحد منهم أو على أى شىء يخصهم، ثم لا تعرف رغم ذلك أنها حين أكبت على قدميها وقبلتها فى صدرها (وأنا أشك فى أنها قبلتها فى صدرها شكا مطلقا، بل الكاتب هو الذى اصطنع ذلك اصطناعا وتكلَّفه تكلفا دون أدنى مراعاة لمنطق الأشخاص والبيئات، إذ ظنّ نفسه فى أوربا) إنما كانت تعبر عن شعورها بالمنة التى أولتها إياها تلك المرأة ليس إلا.
وتسألنى: ولماذا هذا الاستغراب؟ فأجيبك أنها علمت بترمُّل مليكة منها هى نفسها، وفهمت أبعاد ذلك فى ضوء ما كانت قد قرأته من كتب حملتها معها حين صحبت زوجها إلى تلك الواحة البعيدة بغية التعرف إلى بيئتها الجديدة. ستقول: وماذا فى ذلك؟ سأجيبك بأنه ها هنا يكمن تهافت الفن فى الرواية، إذ إن مليكة لم تكن تعرف إلا اللغة السيوية، وهى لغة لا صلة بينها وبين العربية التى لم تكن كاثرين تفهم سواها (إلى جانب الإنجليزية بطبيعة الحال كما لا حاجة بى إلى أن أقول، وكذلك بعض اللغات الأخرى)، بالإضافة إلى أن الكاتب لم يتركنا فى عماية من الأمر، بل أشار مرارا إلى انعدام صلة التفاهم بين المرأتين تماما بحيث لا يمكن أن يحتمل الأمر أى تفسير آخر. فكيف إذن عرفت كاثرين أن مليكة أرملة وأنها تقاسى الحبس فى الموضع الذى نبذها أهل البلد فيه؟ بل كيف كانت مليكة تختلط بالناس فى ملابس الغلمان دون أن يتنبهوا إلى حقيقة أمرها؟ ألا يعرف أهل البلد بعضهم بعضا كما يعرف الواحد منا "ظَهْر كَفّه" حسبما يقول التعبير الإنجليزى (To know sth like the back of one’s hand) أو "قَعْر جَيْبه" (Connaître qch comme le fond de sa poche) حسبما يعبر الفرنسيون؟ فكيف فاتهم أن هذا الغلام ليس واحدا منهم، فلم يُثِرْ من ثم فضولهم وتركوه يخالطهم ويلعب مع أولادهم؟ بل كيف سكت الغلمان من أترابه فلم يسألوه عن هويته والمكان الذى نزل عليهم منه؟ وهذا كله لو كنا من السذاجة وبساطة العقل بحيث نبتلع أن مليكة استطاعت، وهى الفتاة التى سبق لها الزواج، أى أصحبت امرأة ناضجة ناهدة الصدر، أن تُحْكِم طريقتها فى التخفى فلا يظهر منها شىء يخص النساء سواء من ناحية الملابس أو نتوءات الجسد أو الحركات أو الصوت أو البشرة أو الشعر، فضلا عن أنها كانت على عكس نساء البلد جميلة جمالا يلفت النظر، ودعنا من النفسية الأنثوية، وإلا فلن ننتهى فى يومنا الذى نرجو أن يمرّ على خير، ودعنا كذلك من كيفية حصولها على ملابس الغلمان، وهى المعزولة عزلا قسريا تاما عن كل شىء وكل إنسان بحيث إنهم يلقون لها طعامها إلقاء دون أن يَرَوْها أو يحدّثوها.
أذكر فى هذا السياق فلما سخيفا من أفلام الستينات تقوم ببطولته سعاد حسنى ونادية لطفى، وخطيباهما يوسف شاهين وحسن يوسف، وتقع حوادثه أيضا فى الصحراء كما هو الحال هنا حيث تخفَّت الممثلتان المشهورتان فى ملابس رجالية وأخذتا تخالطان خطيبيهما المذكورين وبقية المهندسين هناك وكأنهما شابان مثلهم وانطلت حيلتهما المتهافتة على كل إنسان، ما عدا المتفرجين بالطبع الذين لا أدرى كيف تحملوا مشاهدة هذا التنطع طيلة ساعة ونصف، وربما أكثر. لكن هذا فى الأفلام المصرية، وبخاصة أفلام الستينات المملة، وليس فى رواية يفترض فيها أنها رواية محترمة فنيا.
كما أذكر هنا أيضا مسرحية معتوهة يقوم فيها شاب قاهرى إرهابى ملتحٍ بالتخفى فى ملابس المنقبات وقد لف حول وسطه عدة جنازير ورَكِب إحدى الحافلات القاهرية (لماذا؟ لا أدرى، ولا المؤلف ولا حتى الجن الأحمر ذاته يدرى)، وتعرَّف بالمصادفة المحضة إلى سيدة موظفة كانت عائدة من عملها بعد الظهر فاصطحبته إلى بيتها على أنه زميلة سابقة لبنتها التى تشتغل فى السعودية والتى لم يكن هو يعرف عنها شيئا إلا من ثرثرة الأم معه فى الحافلة، لتكتشف موظفتنا المعتوهة (المعتوهة ككل شىء فى المسرحية) أنه شاب إرهابى، ولكن بعد أن وقعت الفاس فى الراس ولم يعد هناك مجال للحيطة أو التراجع، وكأن الكلام كان يدور طول الوقت فى الأوتوبيس والطريق من طرفها هى فلم تفهم أن رفيقتها رجل لا امرأة، ولم تلاحظ (طبعا. أليست معتوهة، والقانون لا يحمى المعتوهين؟) أنه يحمل نصف طن من الجنازير لفَّها حول وسطه تحت ملابسه.
بالمناسبة يستطيع القارئ أن يقرأ تحليلا لهذه المسرحية المتخلفة ويضحك ملء أشداقه كما يقولون فى العبارات التراثية، فى كتابى: "دراسات فى المسرح"، الذى لا يباع عند أحد، وليس منشورا على المشباك، ولا أظن القارئ الكريم واجده فى أى مكان إلا على سبيل المصادفة العشوائية التى لا تحدث، إن حدثت، إلا مرة واحدة فى العمر مثل بيضة الديك التى ظن زميلى اليابانى محسن يوشيهارو أوجاساورا أيام الشباب والجامعة أنها حكاية صحيحة وأن الديوك تبيض مرة واحدة فى العمر فعلا، وإلا فلم ذكر المعجمُ ذلك؟ أجب يا إبراهيم! بالضبط مثل: "اكتبى يا دولت"، لازمة كامل البيطار فى برنامجه الليلى فى إذاعة الأغانى على الإف إم، تلك اللازمة التى يقولها دائما للمذيعة المساعدة له كلما طلب أحد المستمعين أغنية معينة كى يتذكرها ويذيعها له فى الحقات القادمة، والتى يعابثه بها المستمعون فى اتصالاتهم الهاتفية معه لأن دولت، فيما هو واضح، لا تكتب شيئا من تلك الطلبات، إذ لا يذيعان منها شيئا، وإن كان مغرما بإذاعة أغنية حُلُم عن المسيح التى تصدم العقيدة الإسلامية بالحديث عن صَلْبه عليه السلام دون أى مونتاج يجنّب المسلمين فى أرض الكنانة زعيمة العالم الإسلامى، أو التى كانت زعيمته فى الزمان الأغبر، سماع ما يصادم عقيدتهم.
وعبثا حاولت بكل ما فى طاقتى من قدرة على الشرح والإقناع أن أُفْهِم محسن الـمَصْـِربَانى كما كنت أسميه فى ذلك الحين (أى المصرى اليابانى) أنه مثل يُضْرَب للمستحيل من الأمر الذى إن وقع، وهو لا يقع إلا فى غفلة من الحياة، والحياة كما نعرف حق المعرفة لا تغفل أبدا، فلا يقع إلا مرة يتيمة شاذة لا يقاس عليها. ذلك أن "رأسه وألف برطوشة قديمة" أن الديك يبيض ما دامت المعاجم قد قالته. يابانى، بعيد عنك! وكأنه لا يكفينا الهنود فى التخلف العقلى، فدخل اليابانيون على الخط. واليابانيون، كما تعرفون، مخلوقات كمبيوترية نزلت من بطن أمها جاهزة للبرمجة، بل تتطلب البرمجة تطلبا وتظل جثتها تأكلها وتهرشها إلى أن تتم برمجتها فتهدأ وترتاح وتستكين، ثم إذا غذيتها بشىء فلا أمل فى زحزحتها عن الإيمان به وتكريره فى كل مرة تُسْأَل عنه رغم أن الكمبيوترات لم تكن قد صُنِعَتْ بعد فى ذلك الوقت، فى حدود علمى. وإيَّا القارئ (وليسامحنى على إدخالى "إيا" على غير ضمير) ثم إياه أن يقول لى: ما هذا الكلام غير المنطقى عن كتابى المذكور؟ وإلا فليسال أولا كاتبَ المسرحية وكاتبَ الرواية اللتين نحن بصددهما عن انعدام المنطق فى عمليهما. وأنا مثلهما بشر من البشر، ولى رغبة أن أفعل فعلهما. من نفسى يا عالم ولو مرة فى العمر كـ"بيضة الديك"!
ولقد قلت ذات مرة عن طه حسين، على سبيل التهكم خلال تعليقى على ما لاحظته فى "دعاء الكروان" من مجافاتها لطبيعة البشر وظروفهم الشخصية ومناقضتها لمنطق الحياة والأشياء، ما معناه أن طه حسين هو على كل شىء قدير فلا يُسْأَل عما يفعل، فانبرى لى طالب من الصنف الحَرِج ينبهنى إلى أن ما قلته يمثل خروجا على العقيدة الصحيحة، إذ الله وحده هو الذى لا يُسْأَل عما يفعل، وهو وحده الذى على كل شىء قدير. وعبثا، مثل العبث الذى بذلته مع صديقى اليابانى، شرعت أشرح له أن المسألة كلها تهكم فى تهكم وأنها لا تصلح إلا هكذا. ولكن على من تغنى مزاميرك يا داود؟ إن الكمبيوترات، سواء كانت يابانية أو مصرية، لا تفهم شيئا فى التهكم ولا الدعابة! وقانا الله وإياكم شر الكمبيوترات! وهذا الكلام الذى قلته عن طه حسين، وأمثاله كثير، موجود فى كتابى: "فصول من النقد القصصى"، الذى لا يوجد فى أى مكان، وإن وجده قارئ تكن أمه قد دعت له وبخّرته ورَقَتْه من العين وقرأت عليه المعوذتين فى الصباح قبل أن يخرج!
ما علينا! المهم أن كاثرين قد فهمت كل ذلك على تعقده وتشابكه، ولكنها مع هذا لم تفهم أن البنت حينما قصدتها فى البيت وقبّلتها إنما كانت تعبر عن شعورها بالمنة لما لمسته من عطف عليها. وهذا، كما يرى القارئ، غريبٌ جِدُّ غريب! كما أن الكاتب قد ذكر على لسان كاثرين أن فترة العزلة التى كانت تقضيها كل أرملة فى الواحة تبلغ أربعة أشهر وعشرا، على حين أنها، حسبما قرأت فى عدة مواقع مشباكية، أربعون يوما فقط، وإن كان هناك من يقول إنها مئة يوم، ومن يبلغ بها خمسة أشهر. إلا أننى لم اجد من طابقها بعِدّة الأرملة فى الإسلام كما صنع الكاتب. ترى لماذا هذا الربط بين ذلك الطقس السيوى الجاهلى اللاإنسانى وعِدّة المرأة المتأيمة فى الإسلام؟ لو كانت كاثرين هى السبب لكان ينبغى أن يوضح الكاتب ذلك بطريقة فنية. لكنها ليست هى السبب، بل هو. فإن كان قد صنعه تعمدا فهذا أمر غريب بل مريب، وإن كان قد وقع فيه جهلا فهو معيب! وإن كان الأمر كما قال فعلا فهأنذا أقرّ سلفا بأننى أنا المخطئ، وهو المصيب!
ثم كيف يمكن أن نصدق الطريقة التى عبرت بها مليكة عن شعورها بالمنة لكاثرين، وهى تقبيلها فى صدرها المفتوح وانكبابها على قدميها؟ هل هناك امرأة مسلمة تفعل ذلك، وبخاصة مع أجنبية، وعلى الأخص فى ذلك الوقت من أواخر القرن التاسع عشر، وبالذات بالذات فى سيوة حيث كان الناس ينظرون إلى كاثرين كما تقول الرواية على أنها كافرة؟ أعطونى عقولكم أيها القراء! كذلك كيف خطر لكاثرين أن مليكة تشتهيها وأنها حين قبلت صدرها، رغم إنكارى أن يكون شىء من هذا قد وقع منها كما وضحت، إنما كانت تمارس معها لونا من الشذوذ الجنسى؟ لقد فلقتنا الرواية من كثرة الكلام عن سعة ثقافة كاثرين وإحاطتها بكل شىء علما (وأرجو من الحرجين أن يمتنعوا عن التعقيب على هذا التعبير الأخير!) من أمور الواحة: ناسا وآثارا وتاريخا وعادات وتقاليد، فكيف نسى الكاتب هذا كله وجعل كاثرين تظن، لا بل ترى وتوقن، أن ما صنعته معها مليكة هو ضرب من ممارسة الشذوذ الجنسى؟
يقول الكاتب فى الرواية إنها كانت متأثرة بالأخلاق الفيكتورية التى كانت شائعة فى بريطانيا أوانذاك نسبة إلى الملكة فكتوريا ملكة بريطانيا فى ذلك الحين، تلك الأخلاق المتنطسة المنافقة الذى بلغ من نفاقها أنْ كانت بريطانيا تعجّ آنذاك بالمومسات وبيوت الدعارة، بالإضافة إلى أن صاحبة الجلالة الملكة كان لها عشيق من بين خُدّامها اسمه جون براون أطلقت عليه بناتها: "حبيب ماما" ("ياااا حلاوة" على رأى مظهر أبو النجا!)، وما سمعتُه أنا أيضا فى بريطانيا من صديق أسكتلندى بأذنىّ هاتين اللتين فى رأسى من أنها كانت تمارس الجنس مع البغال. يا له من خيال عجيب! إلا أن جمال الغيطانى يقول شيئا شبيها فى كتابه: "حكايات المؤسسة"، إذ نقرأ فيه لدن الكلام عن حصان جميل اسمه: "أسوان" كان الرئيس المصرى الأسبق جمال عبد الناصر قد أهداه إلى السوفييت وانتهى به المطاف إلى مزرعة قريبة من مدينة عشق أباد عاصمة تركمانيا، والعهدة عليه، أى الغيطانى طبعا لا الحصان، وما أنا إلا ناقل: "لم تَخْفَ عن العيون رعشة النشوة التي تسرى في النساء اللواتي تَطَلَّعْن إليه، حتى إن خَدَرًا كان يصيب بعضهن. والحديث عن تلك الأميرة الهولندية التي حاولت مضاجعته ليلا معروف". يا للهول! إننا لم نكد نفرغ من ملكة بريطانيا، فإذا بنا أمام أميرة هولندية. أى أن الملكات والميرات وراءنا وراءنا، والزمان طويل!
كل هذا عظيم، لكننا هنا لسنا فى بريطانيا ولا فى هولندا، بل فى مصر. كما أن معرفة كاثرين التى لا تندّ عنها شاردة ولا واردة فى سيوة، حتى دبة النملة على الصخرة الملساء فى الليلة الظلماء تحت لحاف الغبراء، كانت كفيلة بأن تهديها الصراط المستقيم وتُفَهِّمها أن سيوة ليست لندن ولا دبلن، وأن نساء سيوة لا يعرفن السحاق كما تعرفه نساء إنجلترا وأيرلندة. ومرة أخرى ليس ذلك فقط، بل هناك زوجها المأمور، وهذا حكايته حكاية، إذ ما إن رأى ذلك المنظر حتى ظن أن مليكة سوف تفترس امرأته رغم أن مليكة كانت رابضة عند قدمى امرأته تقبلهما، وكذلك رغم أن امرأته كانت تضربها بعذق نخلة فى يدها، ولكنْ ضربا خفيفا فيه من معنى الاستزادة أكثر مما فيه من معنى الاستنكار، ولا يبدو عليها أى هلع، حتى أخرج مسدسه و"طاخ طيخ". ولولا ستر الله، الذى ألهم زوجته أن تسرع فتحوّل فوهة المسدس بعيدا عن البنت، لكانت مصيبة أخرى لا قِبَل للمأمور بها، وبخاصة أن الحكاية لم يكن ينقصها قتل مليكة.
إن المنظر كله من ساسه لراسه منظر مضحك يذكرنا برعاة الكاوبوى الذين ليس أيسر على أحدهم، كلما كحََّ كاحٌّ أو تننح متنحنحٌ حوله، من انتزاع المسدس فى التوّ واللحظة من جيب سرواله المنتفش كسراويل البمبوطية عندنا (فى الانتفاش فقط كما لا أحتاج إلى القول) وتدويره مرتين أو ثلاثا فى الهواء ثم تفريغه فى كرش الكاحّ أو المتنحنح مرة واحدة دون إحم ولا دستور فينسدح على الأرض لا يحطّ منطقا. ولم لا؟ أليست هذه أمريكا يا ويكا؟ لكنى أحمد للكاتب أنه لم يجعل محمود يلفّ المسدس فى الهواء قبل إطلاقه، وإلا كانت واسعة حبتين، وهو أعقل من ذلك!
وما دمنا قد وصلنا إلى الأخلاق الفكتورية فكيف واتت المؤلفَ نفسُه على أن يُنْطِق كاثرين بالحديث المستفيض عن مضاجعة زوجها لها فى الفراش مع حرصها الشديد على تحديد مدى توفيقه فى الأمر؟ وإن لم يذهب فى ذلك إلى المدى الذى يذهب إليه فلان فى رواياته، تلك الروايات التى تقطر سائلاً منويًّا على الدوام، وهو ما أنصح معه القراء أن يشطفوا تلك الروايات قبل أن يلمسوها كيلا تتلوث أيديهم وأذواقهم، وإن كنت موقنا أنه لن يبقى منها بعد الشطف شىء، وهذا أفضل، إذ ليس فيها إلا المنىّ، وهو ما دفعنى إلى أن أسمى هذا اللون من الكتابة بــ"الكتابة الاستمنائية"، ولا إلى المدى الذى امتدت إليه كتابات ذلك القصاص الآخر الذى يرى من قرأوه أنه لا نظير له بين من يمسكون القلم عندنا فى تقمص شخصية المأبون واستبطان مشاعره أثناء دَعْكه وهَرْسه حتى ارتبط اسمه فى أذهانهم بهذا الضرب من الشذوذ لبراعته فى تصويره بجميع دقائقه وأسراره: أصواتا وحركات وملابس ومشاعر وتفكيرا وتخطيطا من جانب المفعول فيه للإيقاع بالفريسة، علاوة على الجو الذى يمارس فيه شذوذه وطريقة معاملته لمن ينزلون على رغبته ويرضونه هذا الإرضاء الشاذ المنتن اللعين، مع نفحات من الشاعرية تحاول تحلية الأمر ورسم صورة وردية له فى مخيلة القراء كما يؤكد أولئك العارفون، ولا إلى المدى الذى بلغه الثالث خريج التأهيل المهنى فى حكاياته التى مسح فاروق عبد القادر بها الأرض فى كتابه: "فى الرواية العربية المعاصرة" وأشار إلى ما صنعه صاحبها فيها من تجميع لكل ألوان الشذوذ الجنسية العفنة التى تقلب المعدة قلبا، ومنها تصويره بتلذذ غريب لأَيْرٍ بلغ من الطول أكثر من متر ونصف بحيث إذا جلس صاحبه الأبله تحوَّى كالثعبان، علاوة على ضخامة عدد الأخطاء اللغوية الأولية التى لا أدرى كم كانت ستبلغ لو لم تمرّ بقلم المصحح اللغوى فى طريقها إلى المطبعة. ويكفى هذا الآن، ولا داعى للتعرض إلى فضيلة الفاروق فى "تاء الخجل" أو سلوى النعيمى فى "برهان العسل" مثلا، فإن ما صنعه كاتبنا بالقياس إلى هاتين الكاتبتين يرشحه بكل جدارة إلى أن يكون من أولياء الله الصالحين.
والآن إلى بعض ما قالته كاثرين: ونبدأ بهذا النص الذى تصف فيه كيفية ممارستها الجنس مع زوجها السابق الأيرلندى، الذى تقارن بينه فى الفراش وبين محمود زوجها الحالى المصرى: "فى المرات القليلة التى طارحنى فيها الحب كان يتصرف كأنه يقدّم لى خدمة عظيمة، خدمة يتعجل الانتهاء منها. لم أكتشف جسدى فى الحقيقة إلا مع محمود بعد المحاولات الفاشلة مع مايكل. عرفت مع محمود أن ممارسة الحب لحظة خارقة يحلق بها جسدان معا خارج مدار العالم إلى نعيم يكاد يكون جديدا فى كل مرة، وكأن تلك الشهقة الأخيرة هى ميلاد جديد أو بعث جديد. شىء لم أعرفه أبدا مع مايكل، يختلف تماما عن لزوجة العرق والاشمئزاز وتوتر الجسد المتعطش إلى الارتواء وارتياحه مع ذلك للخلاص من عذاب الاشتباك الذى لا يفضى إلا إلى التقزز من النفس ومن شريك الفراش" (ص26). ونثنّى بتلك السطور التى ترسم فيها ما فعلته هى وزوجها فى الخيمة فى إحدى الليالى وهما فى طريقهما مع القافلة إلى سيوة: "وفى تلك الليلة، فى الخيمة، ضاجعنى محمود أو ضاجعته أنا بحرارة ولهفة نشبع جسدين من مجاعة طالت، حريصَيْن مع ذلك ألا نصدر أى صوت. لكن الأصوات التى نكتمها تزيد من توتر الجسدين واندفاعنا مشدودين ليغوص كل منا فى جلد الاخر يَنْشُد الخلاص ولنغوص معا فى مهد الرمل الناعم. بداية لا بأس بها فى الواحة" (ص56).
ثم هذا شىء مما قاله محمود فى ذات الموضوع، والكلامُ عن الأيام الأولى لهما فى الواحة: "لماذا أنا منشرح الصدر هذا الصباح فى هذا الحر، وبعد التهديد الذى أعرف أنه حقيقى؟ هل كان ذلك ببركة حلم؟ لا يمكن أن يكون بفضل كأسَىِ الويسكى اللتين شربتهما فى المساء. كنت أُعَوِّل على الويسكى لاحتمال الوحدة فى هذه الواحة، وأحضرت معى من القاهرة ذخيرة كافية من الصناديق. لكنى الآن أشرب أقلّ فأقلّ. لماذا؟ ربما هو الحر الشديد الذى يصدنى عن الشراب، وربما هو غياب النديم. لا شراب بدون نديم، وأنا لا صاحب لى فى هذا البلد أنادمه، وزوجتى لا تشرب. لكن كاثرين نفعتنى مع ذلك ونفعتُها فى أيامنا وأسابيعنا الأولى فى هذا البلد. لم يكن لكل منا سوى الآخر وسط جو العداء والعزلة الذى فاجأتنا به البلدة. بعد ساعات العمل نبقى وحيدين معا، وأمامى كأسى، نثرثر فى أى موضوع. لكن شيئا يبدأ كالعادة فى ذهنى: أنظر إليها متأملا جسدها الذى أعرف كل مواطن جماله، أسترجع تفاصيله وأتخيل ملمس بشرتها وعناق جسدينا فيتضرج وجهها وتبتسم وأنا أحدّق فيها بتلك النظرة الطويلة التى تفهمها جيدا. واستنفدنا بالفعل خلال أسابيع كل طاقة العشق قبل أن يستبد بى السأم. لكن كاثرين استمرت تبحث فى قلق لا ينتهى عما يمكن أن يطيل عرسنا الصحراوى. فى ليالٍ تقترب منى وأنا أشرب كأسى فى هدوء وملل لا يخفى عليها، تندس فى حضنى وتغمرنى بالقبلات فى وجهى وفى رقبتى بعصبية وسرعة إلى أن تستثيرنى بالفعل وتخرجنى من همودى، وفى ليالٍ أخرى تتوسل إلىّ أن أكون ناعما ورقيقا، تتحسس صدرى ببطء شديد بأصابع عمياء وتريد أن تقود هى المعاشرة فأرفض وأمارس العشق على هواى كما تعودت فأُخْضِعها تماما فى الفراش. وأظن رغم تذمرها أن ذلك يرضيها ويمتعها مثلما أرضاها منذ بدء علاقنا. لكن التعود والإسراف استنزفا كل محاولاتها ومحاولاتى لابتكار متع جديدة، فاستقر الأمر على لقاءات غير مدبَّرة فى بعض الليالى لا فى كل ليلة كما كان الحال" (ص79- 80). اشكر ربك يا أبا حنف، ولا تكن طماعا، فبالشكر تدوم النعم!
وبعيدا عن الأخلاق الفكتورية المنافقة تُرَى هل هناك امرأة يخطر لها أن تكشف ما يدور بينها وبين زوجها فى الفراش على الملإ بهذه الطريقة بالغة ما بلغت من الفجور وانعدام الحياء؟ وهو ما نأخذه على الزوج أيضا ولكن بدرجة أعلى، إذ تبلغ به الوقاحة، وهو المصرى من أبناء القرن التاسع عشر، أن يشنف مسامعنا بمثل ما شنفتها به كاثرين! قد يتحدث الرجل فى مثل هذه الموضوعات ويتباهى بما صنعه إذا كان الأمر يتعلق بممارسته الجنس مع إحدى العاهرات مثلا، أما مع حليلته فلا أظن ذلك سَجِيسَ الليالى (حلوة "سجيس الليالى" هذه)!
وأيا ما يكن الحال فلماذا يظن كثير من الروائيين الآن أنه لا بد لهم من تضمين أعمالهم المشاهد الجنسية حتى لو لم يكن هناك أى دافع للمس هذه الموضوعات؟ أهى ضريبة لا مناص لهم من تأديتها؟ لكن أين تلك الحكومة التى تقتضى الأدباء مثل تلك الضريبة؟ ألا يرى القراء أن الأمر هنا أشبه بمناظر الرقص الشرقى قديما، ومناظر العرى الفراشى هذه الأيام فى أفلامنا؟ إننى بعد أن قرأت الرواية لا أجد سببا لذلك، وأرى أن الكاتب قد اختلق الأمر اعتسافا ولم يقنعنا أنه قد نما نموا عضويا من خلال وقائعها وتصرفات شخصياتها.
لقد كان للكاتب مندوحة، لو أصر مع ذلك على فتح هذه الصفحة رغم عدم حاجة الرواية لها كما قلت، أن يلجأ فى سرد أحداث روايته إلى ضمير الغائب حتى لا يضع بطليه فى هذا الحرج، الحرج الفنى على الأقل، إذا كان الحرج الأخلاقى والذوقى مما لا يشغله، ولا أظن، فقد أجمع الأصدقاء الذين سألتهم، وإن كانوا قلة قليلة لكنهم يعرفونه عن شىء من القرب، أنه رجل دمث. وقد لاحظت ذلك حين اتصل بى أخى الأصغر من مرسى مطروح قبل مباراة القمة (التى لا علاقة لها بالقمم) بين الأهلى والزمالك مساء أمس (الخميس 23 إبريل 209م) ونبهنى إلى أن هناك برنامجا يذاع الآن من دريم 2 يستضيف الأستاذ الكاتب، وذلك لمعرفته أننى مشغول هذه الأيام برواية "واحة الغروب"، التى ضربنا أكباد الإبل (لا إبل ولا يحزنون، بل هكذا جرت القافية رغم أننا كنا نركب سيارة لم نضرب شيئا فيها طوال الطريق ولا حتى الزمارة) بسببها يوم الجمعة الماضية أنا وابن خالى وهو وابنتاه الصغيرتان اللطيفتان (هَدِيل وهَمْس. يا سلام على الأسماء! هكذا ينبغى أن تُسَمَّى البنات، وإلا فلا) حتى وصلنا إلى واحة سيوة على مبعدة نحو ثمانمائة وخمسين كيلومترا من القاهرة حيث أعمل وأسكن، فصلينا الجمعة هناك وألحقنا بها العصر، مع القَصْر، فسارعت إلى القناة المذكورة لأجد حوارا بين مذيع برنامح "الطبعة الأولى" والأستاذ طاهر تابعت كثيرا منه فتنبهت، فى حدود ما شاهدت، فأنا لم أر الرجل فى التلفاز ولا سمعته فى المذياع قبل ذلك، إلى صحة ما وصفه به من سألتهم عنه، فهو هادئ يقول رأيه فى الأوضاع الثقافية الحالية بصراحة ولكن على هِينة، ويذكر أساتذته من المدرسين والكتّاب بود وإجلال، وإن لم أوافقه مطلقا على ما قاله فى حق كتاب "مستقبل الثقافة فى مصر"، الذى أرى أنه يعمل على تدمير هويتنا الحقيقية ويحيلنا إلى ذيول لأوربا نقلدها تقليد القردة والببغاوات فى خيرها وشرها وحلوها ومرها دون عقل أو فهم على عكس ما قاله الأستاذ طاهر، أما سائر ما ذكره مما تابعته فيه إلى أن تحولت عن دريم 2 إلى دريم 1 من أجل مشاهدة "مباراة القمة" التى لا علاقة لها كما قلت بأية قمة، إذ هى مباراة متوسطة كالرواية التى بين أيدينا، فأتفق معه فيه تماما. وأنا آسف أنى غيرت القناة، لكن عذرى أننى قلما أشاهد التلفاز هذه الأيام، اللهم إلا إذا كانت هناك مباراة مرتقبة كمباراتنا هذه يصورها لنا المحللون الرياضيون العباقرة على أنها فتح الفتوح، ثم تنجلى الأمور عن مجرد عَكٍّ كروى كما هو الحال فى كثير من الأحيان، ويضيع الأمل الذى كنت أعلقه عليها إذ أتوقع أن تزيل ما أعانيه من إحباط وملل بسبب الركود الذى يخيم على كل شىء حولنا.
لكننى لاحظت بكثير من الأسف أنه فى الحلقة الثانية من البرنامج بعد ذلك بأسبوع، وكان أخى الأصغر هو أيضا الذى لفتنى إليها حين كنت فى زيارته بمرسى مطروح، لم يذكر الإسلام من قريب أو بعيد على مدى ثلثى الساعة الأخيرين، وهما الجزء الذى شاهدته، رغم أنه كان يتحدث عن النهضة الحديثة فى مصر، إذ بدا وكأنه يتحدث عن شعب لا هوية له ولا علاقة له بدين محمد، اللهم إلا حين ذكر "الجماعات الإسلامية الإرهابية": هكذا نَصًّا، وكأن رفاعة الطهطاوى ومحمد عبده وقاسم أمين ومحمد حسين هيكل وعباس العقاد، الذين أورد أسماءهم فى ذلك السياق لم يكونوا مسلمين أو لم ينطلقوا فى دعواتهم الإصلاحية من منطلق الإسلام. وهو أمر غريب جد غريب! أيظن البعض أنهم بهذه الطريقة المضحكة يستطيعون استبعاد الإسلام من ضمير الشعب وعقله وقلبه؟ إنهم إذن لواهمون!
كذلك لا أدرى السبب فى أن كل الروايات التى قرأتها عن علاقتنا بالغرب تنحو نحو الجنس بوصفه الميدان الذى يلتقى فيه الطرفان من خلال علاقة بين شاب عربى مسلم وفتاة أوربية: حدث هذا فى "قنديل أم هاشم" و"عصفور من الشرق" و"الحى اللاتينى" و"موسم الهجرة إلى الشمال"… إلخ. هل الحياة منحصرة فى العلاقة بين الرجل والمرأة فقط بحيث لا يمكن أن يكون بيننا وبين الغربيين اتصال إلا فى هذا المجال؟ وهل ممارسة الجنس مع الفتيات الغربيات هى السبيل إلى انتصارنا عليهم؟ إن كثيرا من شبابنا قد نالوا وطرهم من البنات الأوربيات والأمريكيات هنا وهناك وفى كل مكان: زنا أو زواجا، ومع هذا لا نزال مهزومين منهم مضروبين بالمراكيب القديمة التى يأنفون من ارتدائها ويخصصونها لإهانتنا، وما زالت بلادنا خانعة لهم لا تستطيع أن تفتح فمها بكلمة اعتراض على ما يصنعونه بنا، بل إن بعضها تحتله جيوشهم! ولقد سبق أن فتح العرب والمسلمون بعض بلاد أوربا من قبل، ولكن عن غير طريق ممارسة الجنس مع نسائهم، بل عن طريق التفوق الخلقى والعقيدى والسلوكى والعلمى، ثم انقلب الميزان وغزا الغربيون بلادنا بعد هذا، لا عن طريق الممارسة الجنسية مع نسائنا، بل عن طريق العمل الدءوب والتخطيط الطويل والتقدم العلمى والصناعى والتفوق الاقتصادى والعسكرى، ثم حدث بعد ذلك عدوانهم على أعراضنا لا قبله ومرّغوا كرامتنا فى الأرض.
ثم إن هناك موضوعات وأوضاعا وظروفا أخرى يمكن استلهامها فى ذلك النوع من الروايات كما هو الأمر مثلا فى حالة إدوار سعيد الأستاذ الجامعى الذى كان يتعرض فى عمله بأمريكا لمناوءات عنيفة من أعداء العروبة، وكما فى حالة مالك بن نبى أيام أن كان يَنْشُد العلم فى باريس طبقا لما كتبه فى "مذكرات شاهد القرن" وسجل لنا كل ما مر به من تجارب وتعرض له من ضغوط سياسية، وكما فى حالة محمد حسين هيكل وما اعتراه من تغير فكرى وعقيدى وسلوكى بمجرد أن وضع قدمه هو وزملائه على أرض فرنسا كما جاء فى كتابه: "مذكرات الشباب"، الذى ظل مخطوطا قرابة قرن منذ كتبه فى فرنسا أوائل القرن العشرين إلى أن طُبِع فى مصر فى نهايته، ويجد القارئ تحليلا مفصلا له فى كتابى عن هيكل، وكما فى حالة سميرة موسى عالمة الذرة المصرية التى اغتالوها فى الولايات المتحدة منذ عشرات السنين، وكذلك الدكتور يحيى المشد، الذى اغتالوه فى باريس، والدكتور سعيد سيد بدير العبقرى الذى كان متخصصا فى صناعة الصواريخ، والذى قُتِل بإلقائه من شرفة منزل أقاربه فى الإسكندرية، والدكتور أشرف مروان صهر جمال عبد الناصر، الذى أُلْقِىَ به هو أيضا من شرفة شقته فى لندن وما قيل من كلام كثير عن دوره فى مكافحة الجاسوسية الإسرائيلية أو عمالته للكيان الصهيونى. ولدينا أيضا كتاب "تخليص الإبريز فى تلخيص باريز" لرفاعة الطهاوى، الذى لم يكد يترك شاردة ولا واردة مما خبره فى فرنسا فى بداية الربع الثانى من القرن التاسع عشر دون أن يسجله فى ذلك الكتاب، وكتاب الشدياق المشابه: "كشف المخبَّا عن فنون أوربا"، وما وقع لمنصور فهمى فى أثناء بعثته إلى باريس فى أوائل القرن العشرين من كتابة رسالة يهاجم فيها الإسلام والنبى هجوما جريئا لم يسبق لمسلم أن فعله… وهذه كلها، وهى مجرد أمثلة سقتها كيفما اتفق، موضوعات روائية رائعة لمن يريد أن يكتب عن صراعنا مع الغرب. لكن الغالب على رواياتنا فى هذا السياق هو انتحاؤها للأسف منحى جنسيا، وكأن الدنيا ليس فيها سوى الجنس، والجنس وحده، وكأننا سننتصر على الغرب بأعضائنا التناسلية. ألا إن هذا لَضِيقُ أفق سخيف!
ومثله فى ضيق الأفق والسخف ما ألاحظه على كثير من الطلاب المتدينين، ومعظم الطلاب هذه الأيام متدين بمعنى من المعانى، من أن الدين عندهم محصور فى الصلاة وما أشبه. وبطبيعة الحال لا يوجد مسلم ينكر الأهمية الشديدة لهذه الشعيرة، إلا أن الخطورة كل الخطورة فى أن نظن أنها كل شىء. ولهذا ترانى أكرر على مسامعهم دائما لدرجة أصبحتْ تُمِلّنى أنا قبل أى شخص آخر أن العبادات وحدها لا تكفى لا فى إحراز الدنيا ولا فى نجاة الآخرة، وأن هناك إلى جانب الصلاة العلمَ والجِدّ والعمل وغزارة الإنتاج والتعاون والإتقان والإبداع والنظافة والنظام وسلامة الذوق واللياقة والحرص على الوقت والتفكير فى الآخرين، وبخاصة الضعفاء منهم، واتخاذ أسباب القوة والتفوق، وأنه لا يصلح تدين لا يزجر أصحابه عن تحويل قاعة المحاضرات مثلا إلى زريبة يقزقَز فيها اللب ويُبْصَق قشره على الأرض وتُلْقَى أكياس الشيبسى وبقايا الشطائر وأكواب الشاى وصفائح الكوكاكولا وأعقاب السجائر فى كل مكان دون أدنى مبالاة بالنظافة أو الذوق، أو إلى بيمارستان يكاد الإنسان يفقد فيه عقله من شدة الضجة وكثرة الصياح، فضلا عن الدوس بالأحذية على أنضاد الدرس انتقالا من مكان إلى مكان حتى فى حضرة الدكتور، إلى جانب انصرافهم كلهم إلا من شذ عن ذلك، ونادرٌ ما هم، عن القراءة والاستذكار والمكتبة انصرافا فظيعا ينذر بكارثة وشيكة أشنع مما نحن فيه الآن، إذ عقولهم فارغة تماما إلا من التفاهات التى لا تنشئ تحضرا ولا تقدما، فهم أقرب إلى العتاهة والبلاهة، وكلما سئلوا عن شىء فى المقرر أو فى غير المقرر كان جواب الواحد منهم فى الغالب: لا أعرف. ويا ليته يكلف خاطره أن ينطق هذه الكلمة. إنه يكتفى بهز رأسه فى بلادة كسلا منه عن تحريك لسانه. وعبثا أحاول أن أفهمهم أن الجنة مكان نظيف تسوده السكينة قد أعده الله للبشر الراقين وأن العلم سبيل مأمون إلى إحراز الجنة، وأننا إذا لم نجهز أنفسنا لها من هذا الطريق الذى وصفتُه فلن نفوز بها، وأن كل ما يفعلونه يتناقض تماما مع ما يليق بها، وعليهم من ثم أن يعيدوا النظر فى فهمهم للدين. ثم أنظر فى عيونهم لأعرف نوع استجابتهم لما أقول فلا أجد أمامى إلا عيونا خالية من التعبير كعيون السمك الميت!
من هنا ليس مستغربا على الإطلاق ما نعرفه من تخلف التعليم عندنا عنه فى كثير جدا من بلاد العالم وألا تجىء أية جامعة مصرية فى قائمة أفضل خمسمائة جامعة فى الدنيا كلها كما هو معلوم حتى للطير فى السماء. ويستحسن أن أنقل ما كتبه لبيب السباعى فى أهرام الغد (الاثنين 27 إبريل 2004م) ما قرأته لتوى تحت عنوان " الجامعات المصرية تخرج من ذيل الترتيب العالمي لأفضل500 جامعة!"، وهذا نصه: "قبل ثلاث سنوات جاءت جامعة القاهرة في مركز متأخر في الترتيب العالمي للجامعات. واليوم وللأسف الشديد غابت الجامعات ومراكز البحوث العلمية المصرية والعربية جميعا من هذا الترتيب الذي يتضمن أفضل خمسمائة جامعة على مستوى العالم، في حين دخلته ست جامعات ومراكز بحثية من إسرائيل، وثلاث جامعات من جنوب إفريقيا. ويكشف التصنيف الجديد لجامعات العالم الذي تنفرد "الأهرام" بنشره اليوم عن أن الجامعات الأمريكية احتلت 159 مركزا حيث جاءت جامعة هارفارد في المركز الأول على جامعات العالم، في حين احتلت الجامعات الكندية 21 مركزا في القائمة، والجامعات الأوروبية 210 مراكز، والجامعات الآسيوية 83 مركزا: منها 32 للصين، وسبع جامعات في تايوان، وخمس جامعات في هونج كونج، و31 في كوريا الجنوبية. وقد وصف الدكتور محمد غنيم العالم المصري وأستاذ الكُلَى ومؤسس مركزها العالمي بالمنصورة نتائج هذا الترتيب بالكارثة العلمية والصدمة المتوقعة نظرا لتراجع الجامعات المصرية في مجال البحث العلمي وعدم تفرغ الأساتذة لمهامهم الأكاديمية وتواضع النشر العلمي في الدوريات المفهرسة عالميا". ولا تعليق!
ولما كانت الجامعة تتسلم الطالب من المدرسة وتكمل ما بدأته هذه، ولما كان الطالب يأتينا فى الجامعة لا يكاد يفقه شيئا ولا يحسن استعمال عقله بل ينفر من ذلك ويرفضه ويكره كل من يدفعه إليه فإنى أقترح أن تسمى "وزارة التربية والتعليم" بدلا من ذلك بــ"وزارة التغبية والتعتيه"، أى الوزرارة التى تأخذ على كاهلها تحويل الطلاب إلى أغبياء ومعاتيه.
ولقد زعم المسؤولون عن الجامعات أنهم يريدون اللحاق بركب الجامعات المتفوقة عالميا فاخترعوا ما يسمى بــ"نظام الجودة"، وهو نظام متخلف يقوم على تسديد الخانات وإرباك الأستاذ الجامعى بالأوراق التى لا تكاد تنتهى والتى يجب عليه أن يملأها كل شهر وكل أسبوع ويكتب فيها مثلا: كم عطسة عطسها طوال الأسبوع؟ ومتى عطس كلا منها؟ وما الزمن الذى استغرقته؟ وما نوعها؟ وما الذى شعر به ساعتها؟ وما الذى شعر به عقبها؟ ثم ما الذى شعر به بعد ذلك بدقيقة ثم دقيقتين ثم ثلاث ثم أربع…؟ وهكذا دواليك حتى يخرّ من طوله مرهقا دائخا مزغلل العين مصدع الدماغ خافق القلب تكاد روحه تزهق، كل ذلك والمسكين لا يزال فى الورقة الأولى لم يُتِمّ ملأها بعد، ولن يُتِمّه أبدا، ناهيك بأن عليه أن يشتغل ضعف ما كان يشتغله قبل ذلك لأنهم أوجبوا عليه، كى يزيد مرتبه بالحصول على مكافاة التدريس للطلاب المنتسبين، أن يقسم طلاب كل فرقة قسمين: قسم المنتظمين، وقسم المنتسبين، ويكرر هنا ما قاله هناك، فى الوقت الذى لا يهتم معظم الطلاب بالحضور، فترى قسم المنتسبين مثلا لا يحضره من الثلاثمائة طالب أو نحو ذلك إلا عشرة مثلا وأحيانا أقل، بل ربما لا يحضر أحد منهم قط، ولا لوم ولا تثريب على الطلاب. المهم أن يحضر الأستاذ المحاضرة ويظل منتظرا طلابه ربع ساعة قبل أن يفكر فى مغاردة القاعة الخالية، وهو ما يحدث فى غير قليل من الأحيان.
على أن المهزلة لم تتم فصولا بعد، إذ إن نظام الجودة العبقرى يعطى للطالب حق تقويم الأستاذ. سيقول من لا يعرف الوضع: وماذا فى ذلك؟ وأقول أنا: بل فى ذلك كل ما لا يصح، فالطلاب لا يقرأون شيئا طوال العام لا فى المقرر ولا خارج المقرر… إلى أن ينتهى الفصل الدراسى ويقترب الامتحان، فعندئذ ترى الطلاب متكأكئين حول مكاتب التصوير القريبة من الجامعة لتصوير الملخصات التى عملها لهم طلاب مثلهم لا يزيدون عنهم فى شىء سوى أنهم جُرَءاء ويريدون أن يكسبوا شيئا من المال من خلال التعاون مع تلك المكاتب. أما منظر الشوارع المحيطة بتلك المكاتب فيقرف الكلب، إذ الأوراق والزبالة متناثرة فى كل مكان بحيث لا تقع العين على شىء متحضر يبعث على الراحة بالمرة. وليس يهم الطالب المصرى فى المرحلة الحالية البائسة الكريهة إلا حذف أكبر كم من صفحات المقرر ثم لا شىء يشغله بعد ذلك حتى إن بعض الفكهين ليقول ساخرا ولكن جادا فى ذات الوقت: إن هذا الطالب يعبد إلها من ثلاثة أقانيم: كيف "أحفظ" هذا الكتاب؟ وما الجزء المحذوف من المقرر؟ وعلى أى نحو ستأتى الأسئلة فى الامتحان؟ يقول هذا منذ اليوم الأول فى الفصل الدراسى حتى قبل أن نقول: "يا فتاح يا عليم، يا رزاق يا كريم". أما السؤال فى العلم فكلا وحاشا لأنه رجس عنده من عمل الشيطان، والعياذ بالله!
وهذه الأسئلة تذكّرنا بما كنا نسمع من الشيخ الذى يقوم بتلقين الميت عقب دفنه، إذ يقف ويلقى خطبة عصماء يطرح عليه فيها، وهو واقف عند قبره، ونحن صامتون ساكنون كأن على رؤوسنا وأكتافنا ورموشنا الطير، وهو ماض فى تلقينه أجوبة الأسئلة الثلاثة المهمة التى لو نجح فى الجواب عليها دخل الجنة، وإلا فإلى الجحيم. وهذه الأسئلة هى: من ربك؟ ومن نبيك؟ وما دينك الذى متَّ عليه؟ أما الإجابة التى يلقنها الشيخ للميت، أو بالأحرى: يغشّشه إياها حتى ينجح فى الامتحان، فهى: الله ربى، ومحمد نبيّى، والإسلام دينى، وأنا عشتُ ومتُّ على قول "لا إله إلا الله"، فنضج كلنا بالشهادة معه، فيطير الطير الواقف على رؤوسنا وأكتافنا ورموش عيوننا. أمثل ذلك الطالب يُعْطَى الحق فى تقويم الأستاذ، وهو الذى لا يعرف فى معظم الأحيان كيف يكتب جملة مفهومة؟ ثم إن هذا الطالب لا يبالى بأى شىء إلا بأن يحذف له الدكتور أكبر قدر من المقرر وينجّحه ويعطيه درجة عالية ويوفر له وظيفة تدر عليه دخلا شهريا شهيا دون أن يحرك ساكنا، ولا مانع عنده أن يعطيه الدكتور عروسا فوق البيعة وشقة مؤثثة، وليذهب كل شىء بعد هذا "إلى حيث ألقت رحلها أُمّ قَشْعَمِ"! فيا لها من جودة! وكل هذا كوم، ومطالبة الأستاذ بأن يرفق بكراريس الإجابة بعد تصحيحها نموذج إجابة. إى والله!
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج | دوّن الإدراج
























