“واحة الغروب” رواية متوسطة القيمة (3)

كتبهاibrahim awad ، في 21 مايو 2009 الساعة: 20:13 م

 "واحة الغروب" رواية متوسطة القيمة (3)

د. إبراهيم عوض

 

وتنبع الشاعرية التى تتخلل بعض فقرات الفصل الخاص بالإسكندر الأكبر فى رواية "واحة الغروب" من طبيعة الموضوع التى تتعرض له، ألا وهو موضوع الحيرة التى تصيب العقل غير المؤمن لدن تفكيره فيما بعد الموت: على أى نحو يكون؟ وهل هناك حياة؟ وإن كان فعلى أية كيفية؟ وإنى لأرى المؤلف قد اتخذ من الإسكندر مشجبا يعلق عليه حيرة ذلك الصنف من الناس، فضلا عن إحسانه تصوير مشاعر الإسكندر حين قسا فى بعض تصرفاته وهو حاكم فقتل هذا الشخص أو أقدم على ذلك السلوك الوحشى دون مسوغ، وكذلك حين استيقظ ضميره فندم على ما فرط منه، بغض النظر عما إذا كان القائد الإغريقى قد ندم فعلا أو لا على ما اجترحه من جرائم، فهذا موضوع آخر. ومن الممكن القول بأن بهاء طاهر قد أتى بشىء جيد وسط هذا الركام الفنى، شىء له بعض العبق الزكى. صحيح أنه عبق هادئ ليس له قوة العبق الذى يسطع من قصة "المعتزلة" ولا نفاسته ولا تميزه، لكنه عبق على كل حال.

وإلى القارئ هذه السطور التى أقتطفها من الفصل المذكور، وفيه يخاطب الإسكندرُ ذلك الشخصَ الذى يعمل على إزعاجه فى مرقده البرزخى والذى يتصور أنه امرأة لا رجل كما سلف القول. وأرجو من القارئ أن يغض الطرف عن التناقضات والسذاجات المضحكة التى فى الفصل كقول القائد الإغريقى إن روحه هى التى اختارت هذه الأرض الموحشة لتهيم فيها، وكأن الإسكندر هو الذى اختار عالم البرزخ الذى يتحدث إلى كاثرين منه، وكقوله إنه لا يدرى كنه الشخص الذى يتحدث إليه: "هل هو رجل أو امرأة؟" رغم معرفته ما هو أهم من ذلك، وهى أن كاثرين تريد أن تكتشف هل قبره موجود فى معبده بالواحة أو لا… إلخ، وليركز القارئ العزيز الآن على ما فى النص من بعض نفحات الشاعرية.

يقول القائد اليونانى: "لماذا تُقْلِقين روحى التى اختارت هذه الأرض الموحشة لتهيم فيها، تلحين بالنداء علىّ من دنياكم وتطلبين شيئا لا أعرف ما هو؟ تحسبين أنى أعلم أكثر مما تعلمين؟ لا. أرواحنا بعد الموت تجوس فى الظلمة، وأنا الآن مثل سمكة عمياء لا تدرك من المحيط الواسع سوى أنها تسبح وسط ماء أسود يليه ماء مثله. هكذا أتخبط فى ظلمة من بعدها ظلمة. فهل هذا جحيم هاديس، الذى جعله اليونان مستقرا للأشرار، بينما تسبح الأرواح الطيبة فى النور مع الأرباب؟ أم هو فناء العدم للخاطئين كما وصفه كهنة المصريين؟ لا أعلم. لا أدرى. منذ غادرتُ الحياة كنت أستطيع أن أراكم أربعين يوما لا غير، ثم أطبقت الظلمة من بعدها زمنا لا أستطيع حسابه: أهو يوم أم دهر؟… لا أعلم كينونة آمون الذى ألوذ به: هل كان رَبًّا أو وهما؟ وهل كان الكاهن الذى نقل لى الوحى مرشدا يخترق حجب الغيب أو دجالا يلفق الكاذيب؟ غير أن روحى تابعت جثمانى لأسابيع وسارعت لكى أصل هنا قبل الأربعين وأرى معبد آمون لآخر مرة. أريد أن يكون هو أول ما أرى حين يشرق النور من جديد، إن كان سيشرق، لكى أعرف الحقيقة…

علمتْنى معنى العبارة التجربةُ ذاتها وأنا أقول الشعر أو أسمع الموسيقى. أخذتنى نشوة الشعر إلى عوالم تتجاوز كل ما هو محسوسٌ ومرئىٌّ حتى شعرت بأن الحـُُجُب بينى وبين المجهول توشك أن تسقط، وأن روحى ستحلق خارج جسدى لتخترق سدود العالم البارد والأصم إلى دنيا الأسرار الأزلية المتلألئة بأنوار الحقائق الخالدة. كم مرة كنت أصحو فى الليل، حتى فى وسط معارك الحروب التى لا تنقطع، لكى أقرأ فى "الإلياذة" وأستنطق شاعرها أن يفجر فى نفسى ذلك النبع الذى ارتوى منه هو! فى مرات كثيرة كان النداء يستمر أياما وليالٍ (الصواب: "ليالىَ") بأكملها لا ينقطع فيها إنشاد الشعر وألحان الموسيقى فى البلاط حتى يظن جنودى أن قائدهم قد جُنَّ. لعلى كنت أشتاق بالفعل أن يحلّ بى الجنون، فوسط هذه النشوة كنت أنسى أرسطو وأذكر أمى، التى علمتنى أن أحدا لا يدخل مملكة الأسرار القدسية إلا فى غمار نشوة تهتك المألوف لتَلِجَ إلى المجهول. قلت لنفسى: ولكن حتى لو لم أبلغ ذلك فما أقل الأفراح فى الدنيا! حاولت أن أطيل الفرح، أنتزعه من الدنيا لكى يدوم، ولكن كان هناك دائما إسكندر آخر هو الذى ينتزعنى من الفرح، إسكندر الدم الذى يطرد إسكندر النغم. ظل هناك طول عمرى إسكندر ضد إسكندر…

وصلت واحة آمون فى صباح مبكر بعد أسبوع، وكانت شمس ذهبية كبيرة تغمر معبد وحى الإله. رأيت موكب الحجاج السائرين على أقدامهم يصعد التل، لكنى وجهت حصانى فى وثبات سريعة إلى أعلى الهضبة فوصلت قبل الجميع. خفق قلبى وأنا أنظر حولى. كل شىء جديد وغير مألوف لعينى. رأيت تحتى وسط الصحراء بحرا أخضر من النخيل وشمسا كبيرة أخرى كشمس السماء بالضبط تبزغ من نبعٍ أسفل المعبد وشموسا أخرى كثيرة تترجرج وسط البحيرات الزرقاء التى تتخلل الرمال. وأمام مدخل المعبد المزين برسوم زاهية الألوان رأيت كاهنات آمون يحرك الهواء ثيابهن الشفافة فتتموج أجنحة بيضاء حول أجسادهن الممشوقة الراقصة كأنهن على وشك أن يحلقن بعيدا وعاليا نحو تلك الشمس التى يلوحن لها بأذرع ضارعة. كن يغنين غناء خافتا لم أفهم كلماته، ولكن أصواتهن المتهدجة فى ذلك الإنشاد لم ترنّ فى أذنى كضراعة صلاة بل كمناجاة عشق. عشق لمن؟ للآلهة؟ لآمون وحده؟ لى أنا؟…

كان عدلا بعد ذلك أن أدمر تلك العاصمة (يقصد برسبوليس عاصمة دارا ملك الفرس) وأن أحرقها. ألم يحرق الفرس أثينا الجميلة دُرّة اليونان قبل قرنين من الزمان؟ لم أُصْغِ لنصائح قواد جندى ورجال بلاطى الذين اعترضوا على تدمير برسبوليس. سألونى: لماذا صفحت عن المدن الفارسية الأخرى التى استوليت عليها ورممت معابدها وكسبت قلوب سكانها؟ لماذا أدمر العاصمة وقد أصبحتْ بكل قصورها وثرواتها ملكى؟ تركتهم يتكلمون ثم رفعت شعلة قذفت بها قصر ملك الملوك وأشرت للجنود أن يفعلوا مثلى، فتأججت النيران فى القصر حتى صار كرة من الدخان واللهب أضخم من أى نار أشعلها الفرس لمعبودهم. ثم ماذا عن قربان أكبر؟ ماذا عن العاصمة بأكملها قربانا مشتعلا؟ لم يكن ذلك عدل إله (يشير إلى تنصيبه إلها فى معبد سيوه)، وإنما انتقام إنسان تسكنه الكراهية. كان أزيز الحرائق وفحيحها يغمرنى بنشوة كنشوة الخمر، فارتعت من نفسى، وتساءلت من جديد: من أكون حقا؟ من أنا؟…

وأىٌّ من آثامى يفوق ما فعلتُه فى إحدى تلك الولائم بالجندى الشجاع الذى أنقذ حياتى، كليتوس الذى ألقى بنفسه فوقى عندما سقطتُ من فوق حصانى جريحا فى بدء معاركى مع الفرس وتلقَّى فى جسده السهام بدلا منى؟ لكن الإسكندر فى تلك الوليمة كان يصفى حسابا مع فيليب أبيه الأرضى. كنت أفخر أمام جنودى بأن كل حروب فيليب وانتصاراته فى أرض اليونان لا تساوى شيئا بجانب ما حققتُه أنا فى آسيا. بل إن فيليب ما كان له أن يحرز انتصاراته اليونانية لو لم أكن أنا القائد الحقيقى لجيوشه فى الحروب التى خاضها. لماذا تدخل كليتوس بينى وبين فيليب؟ جرؤ على القول إنه لولا انتصارات أبى فى أرض اليونان لما فعلت أنا أى شىء، وإن فيليب كان يحارب هناك رجالا بحق، بينما حاربت أنا نساء فى آسيا. أُنْسِيتُ ساعتها كل شىء. لم أر أمامى كليتوس الذى أدين له بحياتى، بل عدوا ينتصر لفيليب كى يهزم الإسكندر. ثم إنه ارتكب الخطيئة العظمى. أنكر بنوّتى للإله الأعظم! قال متهكما إن مصارحته هذه لى أصدق من نبوءات أبى. فى جنونٍ اختطفت رمحا من أحد حراسى ثم طعنته فى جنبه وأنا أصرخ فى وجهه: فليرحل عنى إذن ليلقى فيليب الذى يحبه! غير أن نافورة الدم التى انبثقت من جرحه أمام عينى ولطختنى أرجعت الإسكندر الذى بعثرته الخمر كثيرا من الناس والآلهة ليصبح إسكندر (الصواب: "إسكندرًا") واحدا. إسكندر (الصواب: "إسكندرًا") ضائعا ومرعوبا. ظللتُ لحظة أحدق فى جثة كليتوس تنزف دمها، والرمح مرشوق فيها، أفكر: هذا صديقى، نديم لهوى، وفى القتال أشجع رجالى. لولاه لما كنت الآن حيا. هو الذى يرقد الآن قتيلا. صرعته بيدى، وبصرخة باكية انتزعت الرمح من جسده ووجهته نحو صدرى. لو أن يدى المخمورة بلغت قلبى لحظتها بالطعنة التى أردتُها لوَفَّرْتُ على نفسى أياما وسنين لم تضف سوى المزيد من الحيرة. غير أن الحراس كانوا أسرع منى فانتزعوا من يدى الرمح، وسقطتُ على الأرض برغمى. قضيت الليل كله ممددا إلى جوار الجثة أبكى كاليتوس، وأبكى مرتاعا من الوحش الذى يسكن تحت جلدى الإلهى. لم يَهَبْنى آمونُ الحقَّ فى قرابين من البشر، وإنما كان ذلك من وحى أمى أوليمبياس، التى لم تتورع عن القتل ولم تعرف الندم. أما أنا فعندما جاء الحراس ليأخذوا الجثمان من خيمتى فقد أمرت ألا يدخل علىّ بعد ذلك أحد. تمددت مكان الجثمان ثلاثة أيام لم أذق فيها الطعام ولم أبرح مكانى. ظللت مثبتا نظرى فى السماء أضرع إلى آمون والآلهة أن يجمعوا أشلائى مرة واحدة، ولو فى جثة. أدرك حراسى وحاشيتى أنى أسلمت نفسى للموت فاقتحموا خيمتى وراحوا يتوسلون إلىّ أن أنهض وأعيش، وطاوعتهم لأنى كنت أريد أن أطاوعهم، لأن لحظة الاشتهاء الحقيقى للموت لم تكن قد حانت بعد.

وكان من بينهم فى ذلك اليوم كاليستنيس زميل دراستى على يد أرسطو وابن أخت معلمى الفيلسوف. كان مؤرخ حملاتى الذى خلّد أمجادى الحربية. تضرع إلىّ أن أعيش لا لنفسى، وإنما لمجد مقدونيا كيلا يضيع. لم يَدْرِ ساعتها أنه يطلب النجاة لجلاده. توسل إلىّ أن أعيش، فعشت، وإنما لكى أقتله بعد شهور. قبضوا عليه متهما فى مؤامرة لاغتيالى، ودافع عن نفسه دفاعا بليغا كعادته وكما تعلَّم من خاله لكى ينفى عن نفسه التهمة. لكن بلاغته هى التى أكدت شكوكى، فالحقيقة بسيطة لا تحتاج إلى زخرفة الكلام. وعليه فلقد أمرتُ بقتله مع بقية المتهمين بعد تعذيبهم. ثم إنى ندمتُ من جديد بعد موته وسجنت نفسى مرة أخرى أبكيه وأبكى نفسى. وخطر لى فى وحدتى أنى حين قتلته كنت أقتل أيضا إلى الأبد أرسطو فى داخلى وصدى دروسه عن السعادة. فى العزلة التى رافقتنى فيها صورة الغلام القتيل اختفت صور الإسكندر الكثيرة ولم يبق غير إسكندرٍ واحدٍ يدرك أنه بلغ نهاية طريق. جَرّبْتُ كل شىء: النصر والمجد اللذين لم يواتيا أحدا قبلى، ولذة الحكم والسلطان: أعفو كإله، وأقتل كإله، وجربتُ نشوة الشعر والموسيقى، ومتعة النساء والخمر. فلماذا لم أصبح سعيدا؟" (ص105- 119).

بقيت فى طريقة السرد كلمة لا أحب أن تفوتنى لأهميتها، ألا وهى أن محمودا راوى الفصل الأخير قد مات فى انفجار المعبد فى نهاية الرواية. فمن يا ترى نقل لنا كلامه هذا؟ هذه نقطة ضعف شديدة فى الرواية. ولقد أذكر أننى قد أخذت ذات المأخذ على رواية محمد كمال محمد: "الحب فى أرض الشوك" فى مقال لى كنت نشرته فى منتصف الثمانينات من القرن البائد فى صحيفة "الوفد"، إذ المنطق يقول إن الموتى تندفن أسرارهم معهم. لكنّ لبعض المؤلفين منطقا آخر، منطقا أعوج، فهم لا يتنبهون إلى تلك البديهية. والطريف أن مأمور سيوة يظل يروى ما حدث حتى وهو يفجّر المعبد، بل حتى وهو يموت. أمعقول هذا؟ لكن غير المعقول قد بات معقولا على يد كاتبنا. كيف؟ هذا ما لا أدريه! إن أحدا من الناس لم يكن يعلم شيئا عما انتواه البطل من تفجير المعبد، وكذلك لم يكن أحد معه وهو فى الطريق إلى هناك، ولا كان هناك أحد حاضرا عملية التفجير… إلخ.

ولعله يكون من المفيد أن نلفت النظر أيضا إلى أن سرد كل راوٍ إنما يتعلق بما وقع له أو وقع منه أو شاهده أوسمعه قبيل سرده، فهو إنما يسرد ما يسرده أولا بأول. أى أنه لم ينتظر حتى تنتهى الرواية ثم يبدأ السرد، بل يسرد سردا طازجا فى كل مرة، أو على أقل تقدير: فى معظم الأحيان. وهذا يقودنا إلى السؤال التالى: على من كان السُّرّاد يَسْرُدون حكاياتهم؟ ومن الذى نظم الأمر بحيث يتتابعون على النحو الذى تتابعوا به فى سردهم؟ وما فلسفة هذا كله؟ لكن للأسف لا جواب على شىء من هذه الأسئلة!

أما بالنسبة إلى لغة الكاتب فرغم ما سمعته منه فى حلقتى التفاز المذكورتين عن تفوقه المبكر فى مادة "اللغة العربية" وثناء أساتذته فى المدرسة على كتاباته، ورغم ما فى لغته من سلاسة وانسيابية وما هو واضح لديه من رغبة فى التجويد والتجميل، ثَمّ أخطاء فى الرواية لا أعرف السبب فى وقوعه فيها، أو على الأقل: فى عدم تنبهه لها بعد وقوعها منه، وإن لم تكن بالكثرة ولا بالشناعة التى نجدها عند آخرين. وهذه مجرد أمثلة على ما أقول. وكنت قد كتبت قائمة بعدد من تلك الأخطاء فى صفحة من صفحات الــ"ورد"، إلا أنها ضاعت وضاع أيضا معها كل ما كنت سجلته من ملاحظات فنية على الرواية. وعبثا حاولت على مدى ليلتين استرداد ما ضاع، ولا أدرى أين ذهب هذا كله. وكان علىّ أن أعتمد على الذاكره ومراجعة الرواية من جديد فى كل شىء أكتبه هنا. ومن ثم أكتفى الآن ببعض ما سقط فيه المؤلف من غلطات لغوية واضحة تمام الوضوح، مثل "لا بد وأنى مبسوط" (ص10. والصواب حذف حرف الواو بعد "لا بد")، "مُحْنِيًا رأسه" (ص18. والصواب: "حانيًا")، "مُوَلِّيًا وراء ظهرى الخيمة والواحة المهجورة" (ص42. والصواب: "مُوَلِّيًا ظهرى الخيمة والواحة المهجورة")، "أليس غريبا أن كل حديث عن ضريح الإسكندر فى الإسكندرية والذى كان أشهر معالمها ومقصد زوارها قد انقطع فجأة بعد القرن الرابع؟" (بزيادة واو قبل "الذى"، بين النعت ومنعوته، وهو ما لا يصح. وأنا أسمى هذه الواو بــ"الواو اللعينة"/ ص102)، "كان النداء يستمر أيامًا وليالٍ بأكملها" (ص108. والصواب: "ليالىَ" عطفا على ظرف الزمان: "أيامًا")، "غير أن نافورة الدم التى انبثقت من جرحه أمام عينى ولطختنى أرجعت الإسكندر الذى بعثرته الخمر كثيرا من الناس والآلهة ليصبح إسكندر واحدا" (ص118. والصواب: "ليصبح إسكندرًا واحدا" بتنوين "إسكندر" تنوينَ التنكير، وهو التنوين الذى يدخل على أسماء الأعلام فى مثل هذاالسياق ليدل على أن الإسكندر المذكور هو إسكندر مجهول غير محدد)، "أهى طلقة المدفع… أو هو سجن الشيخين؟" (باستخدام "أو" مع همزة الاستفهام، والصواب استخدام "أم" بدلا منها، أما "أو" فتختص بمصاحبة "هل"/ ص186)، "همستْ فى أذنى…: إن من الأفضل أن أصحب وصفى على العشاء حتى ترتاح فيونا" (والصواب: "أصطحب"، إذ المقصود أن يُحْضِر المأمور مرؤوسه وصفى ليتعشى فى بيته/ ص191)… 

أما قوله: "قتلوا المأمورين نفسيهما" (ص21) فلا أريد أن أخطئه استنادا إلى أن النحويين يقولون إن الضمير المؤكِّد فى حالة التثنية هنا لا يُثَنَّى بل يُجْمَع، فنقول: "قتلوا المأمورين أنفسهما"، لأن المؤلف، وإن خرج على القاعدة هنا، فقد خرج على قاعدة شبه مجهولة، ومن ثم كان له عذره، كما أنه بخروجه هذا قد رجع إلى الأصل. وهذا يذكّرنى بردى على من خَطَّأَ أمامى قولنا مثلا: "الكتاب الواحد والعشرون" متحججا بأن الصواب هو "الحادى والعشرون"، إذ كان جوابى أن "الواحد" هى الأصل، أما "الحادى" فمنقلبة عن ذلك الأصل. وظللت أنقب فى بطون الكتب المبسوطات حتى عرفت أيضا أن من العرب من كان يقول: "الرجل الواحدَ عَشَرَ"، بل كان هناك من يقول فى العدد أيضا: "واحدَ عَشَرَ رجلا".

ولست أقصد بهذا الإحصاء إلى التقليل من شأن أسلوب المؤلف، فليس هذا من غايتى، بل كل ما أريده أن تظل لغتنا محترمة يُعْمَل لها ألفُ حساب وحساب، وهذا لا يكون إلا بمثل تلك المراجعات التى أحتاجها أنا أيضا كما يحتاجها أى صاحب قلم. وكُلُّنا فى هذه الحالة يكمّل كُلَّنا، إن صح هذا التعبير الذى افترعته الآن، والذى قد ينتشر، وهو ما أريده وأتمناه، وربما لا يجد طريقه إلى الشيوع. ولكى يتأكد القارئ من حسن نيتى أصرح له بأننى حين قرأت قول الكاتب على لسان كاثرين: "فأسرعتُ خطوتى" خطر لى للتو ما يغلب على الذهن من أن الفعل: "أسرع" فعل لازم، لا متعدٍّ كما استعمله الكاتب هنا. لكنى كعادتى قلت لنفسى: فلنفتح المعاجم لنتأكد من هذا. وفى "تاج العروس" وجدت الزبيدى يتعرض لهذه النقطة بعينها وكأنه كان معى على ميعاد، إذ كتب أن ابن جنى كان يرى أنها تأتى متعدية مثلما تأتى لازمة. ثم ساق الزبيدى حديثا منسوبا للرسول عليه السلام استُعْمِل فيه هذا الفعل متعديا فى سياق يكاد يكون هو السياق الذى نحن فيه. يقول الزبيدى: "واستعمَلَ ابنُ جِنِّي "أَسْرَعَ" مُتَعَدِّيًا، فقال (يعني العرب): فمنهم من يَخِفُّ ويُسْرِعُ قَبُولَ ما يَسْمَعُه. فهذا إمّا أن يكون يَتَعَدَّى بحرفٍ وبغيرِ حرفٍ، وإمّا أن يكونَ أرادَ إلى قَبُولِه، فَحَذَفَ وأَوْصَلَ. ومنه الحديثُ: إذا مَرَّ أحَدُكم بطِرْبالٍ مائلٍ، فليُسْرِعِ الـمَشْيَ". وإنى لأشكر الكاتب أن أتاح لى باستعماله ذاك مراجعة هذه المعلومة وتحريرها. وبالمناسبة فــ"الطربال" هو الجدار العالى المائل أو القطعة المشرفة من الجبل وما أشبه.

وبالمناسبة أيضا أود ان أوضح للقارئ العزيز أنه قد غبر علىّ وقت كنت أظن أن اللغة العربية تتميز، فيما تتميز به عن الإنجليزية، بأن الأفعال التى تستعمل لازمة ومتعدية معا أفعال نادرة جدا عندنا على عكسها عند الإنجليز، مثل: "to meet, to change, to move, to pass, to sell, to drop…"، التى تعنى على التوالى: "يقابل- يتقابل، يغيّر- يتغير، يحرك- يتحرك، يمر- يمرّر، يبيع- يباع، يَسْقُط- يُسْقِط…"، وكنت أتصور أنها لدينا لا تعدو فعلَىْ "زاد" و"نقص" تقريبا، لكن لما اتسعت معارفى اللغوية وازداد تنقيرى عن أسرار اللغة تبين لى أن هذا الضرب من الأفعال أكثر مما تصورت فى البداية، ومنه: "سكب" (أراق وانسكب) و"عصم" (حمى واحتمى) و"هلك" (هلك وأهلك) و"رجع" (عاد وأعاد) و"أعدم" (افتقر وأفقر) و"دان" (أصبح مدينا لغيره وأدان غيره)…

وهناك من كتبوا عن الرواية فذكروا دورها فى محاولة إقامة جسر من التفاهم بين الشرق والغرب على اعتبار أن كاثرين تمثل ذلك الغرب، فيما يمثل محمود الشرق. فأما محمود فهو زان عربيد يشرب الخمر، وإن مر عليه وقت كان يصلى فيه ويشارك فى حلقات الذكر فى شبابه، ولكنْ دون تدين قوى، بل مجاراة لما حوله فقط، مع نوبة صحو حادة بين الحين والحين الآن لدقائق قليلة يغتسل فيها وينخرط فى الصلاة باكيا ثم ينجاب كل شىء. وهو على النقيض من كاثرين، التى لا تشرب الكحوليات ولا تطيق زوجها حين يسكر، وتتعلق بالزواج وترى فيه واحتها التى تمدها بالظل والأمان. فأين الشرق فى تجاليد شخصية كهذه؟ وأما كاثرين فأيرلندية، ومن ثم لا تتكبر ولا تفكر فى استغلال الشرق ولا تكرهه، أو المفترض أنها كذلك. وقد ذكرت الرواية هذا فى البداية حين ظن محمود أنها إنجليزية فعاملها بجفاء، لكنها أفهمته أنها، وإن كانت بريطانية، ليست فى الواقع إنجليزية بل أيرلندية مظلومة، لأن أيرلندا بلد تحتله جيوش الإنجليز مثل مصر. نعم ونعام عين، لكنها مع ذلك غربيّة فى نهاية المطاف، وأيرلنديتها لا تَجُبّ غربيتها، بل تظل هذه الغربية كامنة تحت الرماد إلى أن توافيها اللحظة المناسبة فتتوهج وتتلظى وتحرق. وانظر إلى ما ذكرته هى نفسها عن أبيها، الذى علَّمها حب الشرق، فهى تقول إن الشرق الذى كان يحبه إنما هو شرق الماضى، شرق التاريخ، أما الشرق الحى فينبغى تجنبه. ومن هنا ما كان له أن يرضى عن زواجها من محمود كما أكدتْ: "لو كان (أبى) حيا الآن لرأى فى كل ما يحدث لى مع محمود (تقصد بدواته ونزواته وصراحته معها فيما يتعلق بمن كان وما زال يعرفهن من نساءٍ غيرها بحجة أنه لا يستطيع الكذب وأن المشكلة هى جسده الظامئ دوما للنساء، وتألمها منه بسبب ذلك) عقابا أستحقه. ما كان ليوافق أبدا على هذا الزواج من الأصل، وهو الكاثوليكى الغيور، مع أنه أول من علمنى أن أحب الشرق وأعشق آثاره. نعم أثار فضولى بالذات إلى ما تركه اليونان والرومان من آثارٍ ما زالت مجهولة، ولكن بالطبع بشرط أن أبقى بعيدة عن ناس الشرق الأحياء. هم فقط مستودع التاريخ. يجب أن أتذكر دائما أننى أيرلندية وكاثوليكية". ليس ذلك فقط، بل إن أمها أيضا لتنفر من هذه الزيجة كنفور أبيها (ص22).

وعلى أية حال فإن الرواية لا تعطينا الأمل فى قيام تفاهم بين الشرق والغرب، إذ قد خبا الحب المشتعل الذى كان يربط كاثرين بزوجها وتحوَّل كل شىء إلى ملل وضيق وتباعد فى المشاعر وأحاسيس الجسد، ولم يعد للجنس، وهو الرمز الذى يعشقه الروائيون العرب فى الكلام عن الغرب والشرق والصلة التى ينبغى أن تسود بينهما، ذلك السحر الذى كان له فى البداية. وتقلص التفاهم بينهما حتى لم تعد كاثرين تطيع زوجها فى أى أمر مهما بدت فائدته المحققة، أو تنتهى عما ينهاها عنه ولو بدا خطره المحدق. وهذا يدل على أن الحب قد ولى، وولت معه نشوة الجسد فى الفراش، وولى كذلك التفاهم المزعوم بين الشرق والغرب، وهذا هو الدليل. ومن الغريب أن يتلخص اهتمام كاثرين بمحمود فى الممارسة الجنسية وكأنها كل شىء فى حياتها مع أن فى حياتها وفى الدنيا بوجه عام أشياء أخرى كثيرة لذيذة ومُبْهِجَة. 

وشىء آخر، ألا وهو أن السبب الذى أوقع كاثرين فى شراك الحب مع محمود ليس بالسبب الوجيه. ترى هل يكفى أن تسأل كاثرين محمود فوق سطح الباخرة التى كانت تستقلها متجهة إلى أسوان عن الوقت المتبقى من الرحلة حتى وصولهم إلى غايتهم فيجيبها بأنه لا يعرف وأنه واحد من حرس الذهبية المرافقين لإحدى الشخصيات المهمة بالدولة، كى تسقط فى تلك شراك حبه وتتوله به؟ تقول إن كل الرجال المصريين الآخرين كانوا ينظرون إليها بعيون ذليلة تسيل بلعاب الشهوة كأنهم شحاذون، لتصورهم أنها إنجليزية، أى من السادة، على عكسه هو، إذ لم يتقدم نحوها لتحيتها حين سألته كما يصنع الضباط والرجال الآخرون جميعا: "ومن وقتها بقيتُ معه فى الذهبية وعلى النيل وفى شوارع أسوان ومعابد الأقصر، ثم فى القاهرة عندما عقدنا زواجنا. ظل وقتا طويلا مترددا فى الاقتراب منى وأنا التى أتكلم معظم الوقت. أظن أن الانقلاب أتى عندما عرف أنى ايرلندية وأنى أكره الإنجليز لأنهم يحتلون بلدى كما يحتلون بلده وأشعر بجنسيتهم التى أحملها عارا سأتخلص منه يوم تستقل أيرلندا. بعدها انهار سد بينى وبينه. انتهت مقاومته التى كنت أراها مثلما أرى الحب فى عينيه…" (ص17- 18). أمن السهل أن تقع أوربية، حتى لو كانت أيرلندية ككاثرين، فى غرام مثل ذلك المتردد الخجول الذى لا يعرف كيف يتكلم معها، بَلْهَ أن يكون وقوعها فى حبه بهذا الشكل المتضرّم؟

إن مثل ذلك الغرام لأشبه بامرأة مصرية لم تَخْبُر الرجال وتفتنها ملابس الضباط والشريط المقصب الذى يعلقونه على أكتافهم كما حدث لعائشة بنت السيد أحمد عبد الجواد فى فِلْم "بين القصرين" لنجيب محفوظ، تلك التى كانت أختها خديحة القبيحة ذات اللسان السليط والغيرة العنيفة تتهكم بها فتغنى بصوتها الأجشّ الأخنّ نكاية بها: "يا ابو الشريط الاحمر يا اللى…". أما هنا فإنى أستبعده. زد على هذا أننا، مع كاثرين، إزاء امرأةٍ أوربية مخضرمة جربت عالم الرجال فتزوجت قبل ذلك، امرأةٍ واسعة الخبرة راقية الثقافة، بل خبيرة فى الآثار تتقن عددا من اللغات القديمة والحديثة وطافت ببلاد العالم، وليست فتاة أمية جاهلة ضيقة الأفق قعيدة البيت حبيسته كعائشة. كما أنى لا أتصور للحظة أنها كانت تتمسك أو تهتم بقيمة العفة وصيانة العِرْض والشرف. من ثم فإنى لا أستطيع أن أقتنع بوقوعها هذا السريع فى الغرام بمحمود المحدود الثقافة الذى لا يبدى أى اهتمام بشؤون الفكر، فضلا عن الآثار بالذات، علاوة على أن إنجليزيته عند معرفتها به كانت جِدَّ ركيكةٍ كما قالت هى نفسها.

ومما أبدأ المؤلف وأعاد القول فيه الكلامُ عن أزمة محمود عبد الظاهر، تلك الأزمة التى ذكرت الرواية أنها انتهت بإقدامه على تفجير المعبد والانتحار تحت أنقاضه المنهارة. ذلك أن محمود لم يكن بالشخص الذى يمكن أن يشعر بأزمة. إنه يعيش حياته كيفما اتفق: فهو متدين كأتباع الطرق الصوفية حين يجد نفسه بين هذا الصنف من الناس، وهو عربيد سِكّير متى أتيح له الجو، وهو يشترك فى هوجة عرابى حين يجد نفسه فى أتون المعركة التى كان الجيش المصرى يخوضها ضد الجيش البريطانى، وإن لم يخل فى الواحة من الشك فى جدية تلك المشاركة، وهو يُظْهِر التنكر لمبادئ الثورة العرابية عندما يؤول أمرها إلى الإخفاق، مع إحساسه بأن هذا التنكر هو خيانة مخزية، وهو ما لا أجاريه عليه لأن ما صنعه وقتئذ هو أمر مشروع لا غبار عليه فى ظل الملابسات التى كانت سائدة أوانذاك، فالمهم ما يجنه الضمير، وإلا عرض نفسه للهلاك دون أدنى طائل لا لنفسه ولا للحركة العرابية ومبادئها، إذ هو مجرد فرد لا يسمن ولا يغنى من جوع، ومن الخير أن يكتم موقفه إلى أن تَتِيح فرصةٌ أفضلُ لخدمة مبادئ الثورة.

وقد وقع من بعض الصحابة أن ساير الكفارَ حين عذبوه تعذيبا مروِّعا يهدفون إلى إجباره على الكفر بالله وبالرسول، وهو ما لم يستطع الاستمرار فى تحمله فقال لهم بلسانه ما أرادوه، ولما ذهب إلى الرسول فزعا مرتاعا ظنا منه أنه قد كفر فعلا طمأنه الرسول بأن إيمانه باقٍ لم يُمَسّ، وأذن له أن يعود إلى صنع ما صنع إن عاد الكفار إلى تعذيبه. ذلك أن الوقوف فى وجههم فى مثل تلك الظروف ليس سوى انتحار مؤكد، وهو ما لا يقبله الإسلام ولا العقل، ولا يتناسب والمعركة الطويلة الأنفاس. ولا أستطيع إذن أن أجد مسوغا لانتحار محمود، وبخاصة أن أمثاله ليسوا بالذين يمكن أن يقدموا هكذا على الانتحار. كما أن فتور العلاقة بينه وبين زوجته الأيرلندية لا يمكن أن يكون سببا من أسباب تلك الأزمة المزعومة، إذ كثيرا ما تفتر العلاقة بين الزوجين مثلما حدث لمحمود وكاثرين وأكثر دون أن تحدث لأى منهما أزمة. وكثيرا ما صارح محمود زوجته بأنه على علاقة بغيرها من النساء، مما يدل على أنه لم يكن ليعبأ بذلك الفتور، أو على الأقل: كان بمكنته أن يطلق كاثرين ويتزوج غيرها.

كذلك قد ركزت الرواية على تردده فى الإقدام على إنقاذ الصبى الحمّار حين سقطت من سقف المعبد حجر كبير كادت أن يسحقه وهو راقد فى ظل نخلة قريبة فى الوقت الذى سارع الأومباشى إبراهيم إلى هذا الإنقاذ الذى كلفه هو تهشيم ساقه بدلا من الصبى ولام نفسه بسببه. ذلك أن الوقت كان من الضيق بحيث لم يكن بمقدور كثير من الناس أن يبادروا إلى اتخاذ تلك الخطوة الشجاعة التى ليس هناك دين ولا خلق يوجب مع ذلك اتخاذها على الإنسان، بل إن الإنسان لا يكون مستعدا للقيام بها اللهم إلا فى حالات دفاعه عن دينه أو وطنه مثلا أو لدى تعرض فلذة كبده لخطر ماحق، وإن لم يمنع هذا أن نمجد الشخص الذى يقدم عليها بوصفه شخصا مثاليا بل مفرطا فى المثالية لا نظير له كثير بين الناس. ومع هذا فقد اتخذ محمود هذه الخطوة، ولكن بعد أن كان إبراهيم قد سبقه إليها.

وشىء آخر هو أن الصبى كان نائما فى ظل نخلة كانت هناك، والنخلة لا يمكن أن تكون موجودة فى حرم المعبد بل فى خارجه، وعلى وجه التحديد مواجِهةً له بنص كلام الرواية، ومن ثم لا أدرى كيف يمكن أن يسقط فوقه الحجر، اللهم إلا أن يكون السقف قد رماه فى اتجاهه عمدا، حارفا بذلك مساره الذى لا يمكن أن يكون إلا عموديًّا فجعله بزاوية منفرجة، وهو ما لا يمكن بطبيعة الحال إلا إذا قلنا ذلك على سبيل التهكم ليس إلا! ليس ذلك فحسب، بل إن حادثة سقوط الحجر كلها لا دور لها فى الرواية، إذ إن مسار الرواية بعدها لم يختلف عما كان قبلها، إلا إذا قلنا إن المؤلف قد ضمنها روايته كى يرينا أن الطب الشعبى قد ينجح أحيانا حيث يفشل الطب العصرى. ولكن هل هذا مسوّغٌ كافٍ لتضمين الرواية مثل تلك الحادثة؟ الحق أن حادثة الانتحار تمثل نقطة ضعف رهيبة فى الرواية لأنها غير مسوَّغة على الإطلاق. كما أن المعبد لا ذنب له فيما وقع فى الواحة من محمود أو من زوجته أو من أختها أو من اليوزباشى وصفى أو من الشيخ صابر أو من الشيخ يحيى حتى يفكر محمود فى هدمه خروجا من الأزمة، إن صح تسمية الانتحار: خروجا من الأزمة، وليس إيغالا فيها.

ومن الواضح تماما أن المؤلف قد التوت عليه الرواية ولم يستطع أن يفك خيوطها المتشابكة فلم يجد حلا لتلك المشكلة إلا أن ينهى الرواية بأى سبيل، وهو ما خطر له معه أن إنهاءها بتفجير المعبد وانتحار البطل سبيل مقنع، لكن هيهات ثم هيهات! ذلك أن هذا الانتحار يترك كل شىء دون حل: فلا فيونا قد شُفِيَتْ من ربوها الذى بوغتنا بإصابتها به بما يدل على أن المؤلف قد اخترعه فى آخر لحظة كى يأتى بفيونا إلى سيوة فلم يمهد له تمهيدا كافيا، ولا وصفى اليوزباشى الشركسى قد مُنِع عن تنفيذ ما جاء إلى الواحة لتنفيذه، ولا كاثرين قد وصلت إلى شىء فى قضية قبر الإسكندر، ولا الشيخ صابر قد برئت نفسه من الدَّخَل الذى فيها واستقام على الطريقة، ولا الشيخ يحيى أطيب رجال الواحة وأصفاهم قلبا قد وجد السلام المنشود، ولا الأومباشى إبراهيم قد نال حقه من اليوزباشى وصفى، الذى صفعه دون أدنى داع على وجهه سوى أن يَفُشّ فيه غليله، فلجأ إلى محمود كى يعطيه حقه، فوعده بأن يأخذ له هذا الحق عاجلا ثم تركه وانتحر دون أن ينتصف له، ولا نحن قد عرفنا على وجه القطع واليقين هل قَضَتْ مليكة قتلا أو انتحارا.

ثم فوق هذا كله لقد بدا انتحار محمود وكأنه هروب من تبعة ما تفوَّه به فى حق الخديو وكبراء البلد الذين شتمهم جميعا فى حديثه مع وصفى الشركسى المتعاطف مع الخديو والإنجليز، ناعتا إياهم بالخيانة والحقارة، إذ خاف أن يبلِّغ وصفى ما سمعه إلى السلطات فى القاهرة فتنكّل به. أو كأنه كان قد انتوى الانتحار قبل ذلك فقال فى نفسه: ولم لا آخذ راحتى الآن وأسجل لنفسى بطولة لا يترتب عليها أية تبعة؟ ثم شتم الخديو ورجاله وهو ضامن أنه لن يناله أذى، إذ من المعروف أن الموتى لا يُؤْذَوْن. إن انتحار المأمور هو فى الواقع "الهروب الكبير"، لكنه هروب لا يليق: لا بالمنتحر ولا بالظروف التى انتحر فيها ولا بالأشخاص الذين كان يتحرك بين أظهرهم ولا بالرواية التى قيل فى شأنها الكثير من المزاعم!

كذلك قد اتهم بعض من كتبوا عن الرواية الزوجة كاثرين بأنها أنانية. لماذا؟ لأنها كانت تصر دائما على زيارة المعابد كى تصل إلى شىء بخصوص نظريتها فى أن قبر الإسكندر الأكبر إنما يوجد فى سيوة، وهو إصرار كان من نتيجته أنْ أُرْهِق الصبى السيوى الذى كان يسحب رَكُوبتها فنام تحت النخلة قريبا من المعبد حيث سقطت من السقف بضعة أحجار بفعل زلزال خافت كاد أحدها أن يقتله لولا الأومباشى إبراهيم، الذى سارع إلى إنقاذه فوقع الحجر على ساقه هو فهاضها وتقيحت حتى فكروا فى بترها خوفا من تسمم الجسم كله لولا أن بعض أهل سيوة عالجوه بالطب الشعبى. ترى أين أنانية كاثرين هنا؟ إنها عالمة، ولها نظريتها التى تريد أن تثبتها، فهل ثم أنانية فى شىء من هذا؟ وهل هى التى أمرت الصبى أن ينام فى الموضع الذى نام فيه؟ وهذا إن كان ممكنا أن يخالف الحجر عن قانون السقوط فينحرف عن مساره وهو فى طريقه إلى الأرض ويصيب الصبى الذى لم يكن نائما تحت السقف بل خارج المعبد، وهو ما بيَّنّا مناقضته لمنطق الأشياء. وعلى كلٍّ لقد عرضتْ قبلا على الصبى أن يعود أدراجه فى ذلك الجو الحار المرهق، لكنه أصر على مصاحبتها هى وزوجها فى تلك الرحلة والمشى بجوار الحمار. ثم هل هى ليست مسؤولة عن الأقدار وتدابيرها؟ وغنى عن الإيضاح أن كلامى هنا شىء، وحكمى على كاثرين بأنها، وإن كانت من إيرلندا، التى تخضع كمصر للاحتلال البريطانى، هى امرأة غربية فى المقام الأول وأنها تحت جلدها لا يمكن أن تتعاطف تعاطفا حقيقيا مع مصر والمصريين كما ألمعتُ إلى هذا فى تضاعيف الدراسة، شىء آخر.

وبعد، فهل معنى هذا أن الرواية ليست لها أية ميزة؟ لقد سلف منى القول بأن فى الفصل الخاص بالإسكندر شيئا من القوة والشاعرية. كذلك هناك تعريف الرواية لنا بواحة سيوة وبعض عاداتها وتقاليدها وتاريخها وناسها وطبيعة العلاقات التى كانت تربط بعضهم ببعض حتى إننى لأشعر شعورا قويا لا يخاله أدنى ريب فى أن المؤلف قد اصطنع شخصياته اصطناعا ورتب لها الأحداث ترتيبا من أجل تعريفنا بالواحة وناسها وما يسودها من علاقات اجتماعية، ولم تفرض تلك الشخصيات وتصرفاتها نفسها فرضا علينا وعليها. أى أنها لم تأت إتيانا طبيعيا ولا نمت النمو المتوقع من أشباهها فى مثل تلك الأحوال. والواقع أن روايات "قطر الندى" للعريان، و"الثائر الأحمر" لباكثير، و"غادة رشيد" لعلى الجارم على سبيل التمثيل ليس إلا تبدو لى أفضل من روايتنا فى ذلك الجانب وأكثر حيوية وإقناعا وإثارة لشوق القارئ رغم ما هو متوقع من أن يكون الخالف أقوى فنا وأكثر استيلاء على قلب القارئ من السالفين. وإنى لأدين للمؤلف بجميل لا أنساه، وهو تشويقه إياى لزيارة سيوة إلى الحد الذى وضعتُ معه هذه الزيارة موضع التنفيذ فى التو واللحظة كما سلف القول فى الدراسة الحاضرة. ثم إن لغته لأفضل إلى حد بعيد من لغة كتاب كثيرين هذه الأيام، وأخطاءه أقل كثيرا جدا من أخطائهم. وهذه فرصة لأشكر الكاتب أن أتاحت لى مراجعة روايته الفرصة لتحرير بعض  مسائل اللغة والأسلوب تحريرا أرسانى على بر الأمان فيما يخص تلك القضايا كما لاحظ القراء الكرام بكل تأكيد.

***

وكانت لجنة تحكيم الجائزة قد قالت عن بهاء طاهر وروايته: "إن بهاء طاهر قد أعطى في روايته "واحة الغروب" عملا روائيا نوعيا بالمعنى الجمالى والقيمى فى آن، فاعتمادا على مجاز الرحلة التي ترصد الأزمة الروحية لإنسان مهزوم طرح جملة من القضايا الإنسانية الواسعة". وكان الصحفى العراقى صموئيل شمعون قد رأس لجنة التحكيم، الذى ضمت كذلك الكاتب المغربى محمد برادة، والشاعر المغربى محمد بنيس، والناقد الفلسطينى فيصل دراج، والمستعرب البريطانى بول ستاركى، والصحفية السورية غالية خوجة. كما قال أحد أصحاب المواقع المشباكية: "إن فوز بهاء طاهر بجائزة البوكر العربية في دورتها الأولى يمثل مكافأة مهمة للرواية العربية الحديثة التي تصوّر الوجع الإنساني من زاوية جمالية شفافة تنحو باتجاه ابتكار أدوات سردية تلائم بين ما هو محقق في اللغة المعاشة (الصواب: "المعيشة") وبين ما هو طرق لفضاءات وتقنيات أخرى". ولست أظن من الصعب على القارئ الآن، بعدما بينت له نقاط الضعف فى الرواية، التنبه إلى ما فى ذلك الكلام من إنشائية وعمومية لا يصلحان فى مثل هذا الموقف. إنه كلام، والسلام!

كذلك قرأتُ فى موقع "منتديات البحرين" لعبد اللطيف الوروارى عن ملابسات التصويت على الرواية التى فازت بالجائزة فى دورتها الأولى ما يلى: "بعد كثير من الجدل الذي بلغ حدّ السِّباب والاتهامات والخلافات داخل اللجنة وخارجها لم يهدأ حتى الساعة خطفت رواية الكاتب والروائي المصري (بهاء طاهر): "واحة الغروب" جائزة بوكر للرّواية العربيّة من بين خمس روايات وصلت إلى التصفيات النّهائية هي: "مديح الكراهية" للسوري خالد خليفة، و"مطر حزيران" للبناني جبور الدويهي، و"تغريدة البجعة" للمصري مكاوي سعيد، و"أرض اليمبوس" للأردني إلياس فركوح، و "أنتعل الغبار وأمشي" للّبنانية مي منسي، التي اختيرت بدورها من أصل 131 رواية كتبها روائيون من جنسيات مختلفة".

***

ويبقى فى النهاية أن أصارح قارئى العزيز بأننى كلما قرأت شيئا لأى روائى بعد نجيب محفوظ أجد أننى كنت على حق تام حين قلت فى حوار صحفى أُجْرِىَ معى منذ عدة شهور إن جميع التالين له هم أقزام بالقياس إلى قامته السامقة رغم أنى لم أكن أوافق على كل ما كتب. لكن عندما يصل الأمر إلى المقارنة بينه وبين من جاؤوا بعده لا يسعنا إلا التحسر على خسراننا مثل ذلك الروائى العملاق رغم كل شىء!

 

Ibrahim_awad9@yahoo.com

 http://awad.phpnet.us/

http://www.maktoobblog.com/ibrahim_awad9

 

 

 

 

 

 

 

 

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  

عفواً، التعليقات ممنوعة لهذا الإدراج